السبت، 4 فبراير، 2012

*الجزء الأول

عولمتنا - دولة الأمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
مركز البحوث والدراسات

الجزء الأول :.

المقادير الألهية :

                                                         عامر الفيحان


الإهداء____

سيدي ومولاي ... خليفة الأنبياء .. ولي الله الاعظم والنذير الاكبر.. قائد وإمام دولة الوعد الإلهي .. ما دام الله يعرفني وأنت تعرفني فلا حاجة لي في تعريف احد ، أو جزاء احد ، أو شكر احد غير كما ، راجياً ومبتهلاً قبول البيعة وآملاً مولاي – بدعائك ـ أن يجعلني الله من جندك .. وما يُلَقَّاها إلَّا ذو حظٍّ عظيم .




الطبعة المنقحة : 2008 م
طبعة منقـحة و مزيـدة

مقـدمـة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيد المرسلين، و آله الطاهرين المطهرين، أمناء الله في أرضه ،و حججه على خلقه ، و معادن علمه ،الداعين إلى طاعته ، و المبشرين برحمته ، و المنذرين سطوته ، و المحذرين معصيته ، أبواب مدائن العلم ، و كنف الخلق إلى الأمن و السلم . و بعد ...
فان الله سبحانه انزل إلى الأمم السابقة كتبهم ، و هداهم سبلهم ، فاعرضوا عنها و نبذوها ، فأخذهم بالبأساء و الضراء ثم جعل لهم موعدا أهلكهم فيه ، و توعّد الله هذه الأمة و من بلغ أن يأخذهم بما اخذ به الأولين من سننه الجارية في الخلق من غير تبديل و لا تحويل ، و يستخلف الذين آمنوا منهم و عملوا الصالحات ، يسبق ذلك فتن تزلزل النفوس لعلهم يرجعون عن غيهم و إعراضهم و آخرها فتنة رجوف ، قاصمة زحوف ، لا ترتق من جانب إلا جأشت من جانب ـ كما في الروايات ـ حتى يأتي أمر الله .
ولطالما قام رسول الله صلى الله عليه و آله خطيبا أو محدثا في مجالسه ، و قام أمير المؤمنين عليه السلام من بعده ، ثم أئمة أهل البيت عليهم السلام من بعد يخبرون و يحذرون ، و يبشرون و ينذرون ، مما يأتي و يقدم من عوادي الدهر و نوائب الزمان ، فما من فتنة إلا و اخبروا بها و حذّروا منها، و هدوا إلى سبيل النجاة منها و تمييز الارجاس من الأكياس ، و أهل الضلالة من أهل الهدى ، و أهل البغي من أهل الحق ، فتراكم غبار التفريط على كثير مما قالوا ، و التشبيه على ما حذّروا ، و إلباس الحق بالباطل .
و نحن في كتابنا هذا ، توكلنا على الله ، محاولين الاهتداء بهديهم ، و الاقتداء بسنتهم ، و نفض شيء من الغبار عن خزائن علمهم ، و التحذير مما حذروا منه من الفتن المظلمة و المسالك الوعرة ، اعترافا منا بحق الله علينا في الدعوة إلى طاعته ، و التحذير من مكره ، و مجاهدة عدوه ، فإننا بنعمة الله نحدّث ، و بعد .. فان هدى الله هو الهدى ، يهدي به من يشاء ، و لله جنود السماوات و الأرض ، و من جند الله ، ألسنة بعض المؤمنين ، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه و آله " احذروا لسان المؤمن فان الله يجري الحق على لسانه " جعلنا الله و إياكم منهم وهو ذو الفضل العظيم ، و الحمد لله رب العالمين .
أما بعد حمد الله و الثناء عليه ، فنبين أن هذا الكتاب الذي يتضمن مباحث مختلفة ، دعتنا الحاجة و الضرورة إلى الخوض في مواضيعه في وقت عصيب على المؤمنين ، لما نحن فيه من فتنة عظيمة بسبب التهديدات بغزو العراق ، و آراء الناس المختلفة بين مصدق و مكذب ، و علاقة ذلك و ارتباطه باشراط دولة الإمام المهدي (ع) ، وسبل النجاة من هذه الفتنة ، فتم انجاز الجزء الأول منه قبل أكثر من عام من الغزو الأمريكي لبلادنا ، ثم الجزء الثاني أثناء الحرب و بعدها مباشرة ، ثم الأجزاء اللاحقة كل في ظرفه الزمني ، و بسبب ملاحقة هذا الكتاب لتأويل ما أخبرت به الروايات على ارض الواقع ، لذلك تجد إننا نعود لبحث الموضوع الواحد في أكثر من جزء ، بناءً على الحقائق التي تتكشف لنا بالتدريج مع تطور الفتنة ، و بالمزيد من التحقيق و التأمل في ما جاءت به الروايات و كيفية تأويلها على ارض الواقع ، فنوضح و نصحح و نتوسع على ضوء ذلك على مدى هذه سنوات ، حرصا منا على التوضيح من جانب و محاصرة الفتنة لنا من جانب ، و استحالة الوقوع على حقيقة ما أخبرت به الروايات تماما مثل ما نقدمه من أطروحات قبل مجيء تأويلها من جانب أخر ، لذلك ستجد في كل طبعة جديدة ، قد تجد فيها زيادة و تنقيح فلذلك نلفت الانتباه .
إن الله سبحانه يصف القرآن الكريم بقوله تعالى ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ، و عليه فانه ما من كتاب غير كتاب الله يسلم من الاختلاف ، ولكننا بذلنا قصارى جهدنا للتقليل من ذلك ، ولا نسألكم عليه أجرا (إن اجري إلا على الله ) فان أحسنا فمنه الأجر نطلب ، و إن قصرنا أو أخطانا ، فطائرنا في عنقنا ، و الله غفور رحيم ، وما التوفيق إلا من عند الله . و الحمد لله رب العالمين .

المؤلف  .           


العـولمة عبر التاريخ :

لم يشهد التاريخ جدلا عنيفا ، و اختلافا حادا كما شهد العقد الأخير من القرن العشرين من الجدل حول ما بات يُعرف بالعولمة، حتى أصبح هي القضية التي تتقاذفها الألسن وتصطخب بها المجالس وتتشابك لأجلها الأيدي والعصي وتهيمن على كل ما عداها .
ولكن ما هي العولمة ؟ وما رصيدها من الواقعية ؟ وما دوافعها و أهدافها ؟ وهل لها بعد تاريخي ؟ والى أين يتجه العالم أمام هذا المشروع الافتراضي ؟
قبل الخوض في ذلك قد يتساءل البعض عن العقلية التي تفتقت منها هذه (العولمة) التي أصبحت الشغل الشاغل للمتلهفين لها ضانين أنها خيرٌ لهم ، والخائفين منها ضانين أنها شرٌ لهم ، والمتفرجين عليها ضانين أنها لا تعنيهم ؟ أيَّة ذهنية عبقريَّة استطاعت أنْ تخلق كل هذا الجدل حول فكرة العولمة هذه ؟
ولمعرفة ذلك لابدَّ من الرجوع بعيدا إلى الوراء ... إلى بداية المحاولات الأُولى للإنسانية في هذا الاتجاه .
لقد بدأت المجتمعات الإنسانية تتشكل من جديد بعد كارثة الطوفان التي أغرقت الأرضَ ، سواء الكرة الأرضية كلها أم منطقة الشرق الأوسط وحدها ، على اختلاف المقولات، لكنها عموماً كل القسم المأهول من الأرض . لقد بدأت هذه المجتمعات تتكاثر وتشكل مجتمعات مدنية وقروية تنتشر شرقاً وغرباً ، بأمر النبي نوح (ع) وبتوجيهه ، وهي تختزن في ذاكرتها كل الصور المرعبة عن الطوفان ، التي تناقلتها الأجيال وحفظتها الذاكرة ، كصورة مجردة من أسبابها ومعطياتها وإفرازاتها . هذه الذاكرة كانت تختزن أيضا فيما تختزن صورة حياتها الأُولى قبل الطوفان ، ومعها غريزتان مغروزتان في البشر تلعبان دور المحرك غير المنظور للأحداث التاريخية ، الأولى : الحنين إلى الحياة الجماعية كأمة واحدة ثُمَّ محاولة لَمَّ الشمل من جديد ، و الثانية : نزعة التسلط و حُب السيطرة على الآخرين عند البعض، سوءا قيادات أو جماعات .
ولعل من الصعب معرفة أولى المحاولات لإعادة توحيد الأمم وجمع المتفرقين ، فما يفهم من التاريخ الأكاديمي* ،إن هناك محاولات تمَّت من قِبَل الدولة الأكدية بقيادة الملك سرجون ، الذي أقام ما يسمى مملكة الأركان الأربعة ، ثم كانت المحاولة الناجحة الأخرى التي قام بها ذو القرنين ، وأيَّاً كان ذو القرنين سواء أكان الإسكندر أم من الأذواء اليمنيين، أم كورش الفارسي * ـ على اختلاف المقولات(1) ـ فإنَّه أقام تلك الدولة على الأرض المسكونة جميعها وكانت أكبر وأدق في تنظيمها وأكثر أمناً وأوفر خيراً وأكثر تلبيةً لحاجة البشر للحق والعدل مع مستوى حضارتهم ولو لبعض الوقت ، ويكفي أن نعرف أن العبد الصالح الخضر (ع) هو وزير ذي القرنين(2) لنعرف طبيعة الحكم في هذه الدولة التي يقودها رجلان من هذا المنبت .
إلا إن هذا هو الظاهر ، الذي لا تستطيع العلوم السياسية أن تتجاوزه إلى أسباب غيبية ، يصعب عليها الخوض فيها ، أو إقناع الآخرين بوجودها ، ومهما حاول علم الاجتماع أو علم التاريخ أن يغوص في أعماق القضية ليجد لها تفسيرا مقنعا ، فان الفشل يلاحقه ، ويقف عاجزا عن تقديم تحليل منطقي لمسيرة التاريخ أو تحليل الظواهر التاريخية التي لا يمكن طمسها أو التغافل عنها ، وذلك لغفلتها أو تغافلها عن وجود قوة و إرادة و تخطيط يتحكم بهذا الكون وفق مخطط دقيق و محكم ، له حدود و أشكال و آليات و عناصر و بدايات و نهايات تسمى " المقادير الإلهية " ، التي تمثل البرنامج المتكامل لخلق العالم من بداية نشأته إلى نهايته . ويصف الإمام الصادق (ع) المقادير الإلهية بأنها المرحلة الثالثة من مراحل هذا البرنامج ، حيث أن المرحلة الأولى ، هي " المشيئة " : وهي الذكر الأول .
و المرحلة الثانية هي " الإرادة " : وهي العزم على الفعل ، و واتخاذ القرار .
و المرحلة الثالثة هي " التقدير أو القدر" : وهي مرحلة الهيكلية ، و وضع التصاميم و المخططات وتحديد العناصر الداخلة و اللازمة له ، وتحديد جهات التنفيذ ، و تحديد زمن بدء العمل و التنفيذ ، و تقدير الزمن الذي يستغرقه أو يسمح للعمل في إطاره ، ورسم نهايته .
أما المرحلة الرابعة و الأخيرة فهي "القضاء " : وهي التوقيع و الإمضاء على هذا المخطط و تحويله إلى جهات التنفيذ ، فإذا تم التوقيع عليه أصبح أمرا محتوما وإذا اُبقي في المرحلة الثالثة ، فانه خاضع للتغيير و التبديل و التقديم و التأخير و المحو ، أو البقاء على ما هو عليه ، ولذلك يقسم القدر إلى محتوم و غير محتوم وكذلك فان القضاء في الأمر فانه يتعلق بذات القدر ، فليس كل قضاء هو واجبا إلا ما تعلق منها بالمخططات الإستراتيجية في برنامج الخلق ، ابتداء من العرش ووصولا إلى اضعف و اصغر الخلق ، كآجال الأمم ، ومداولة الأيام بينهم وتمليكهم الملك ونزع الملك ، بينما يبقى ما تعلق منها بالأرزاق ، أو بالسعادة و الشقاء ، و البلاء ، و أمثال هذه الأمور ، يبقى غير واجب يتأثر بالدعاء و التوبة والأعمال الصالحة و تغيير ما في النفوس و أمثال هذه الأمور
إن المقادير الإلهية التي نبحث في ضوئها ، هي مما ورد في الكثير من آيات القرآن الكريم ، كقوله تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (3) ، وقوله تعالى (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ) (4) ، وقوله تعالى (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (5) .
وعن الصدوق قال : حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق عن محمد بن يعقوب عن الحسين ابن محمد عن معلي بن محمد قال سأل "العالم عليه السلام" : كيف علم الله ؟ قال عليه السلام : ( علم، وشاء، وأراد، وقدر، وقضى، وأبدى فأمضى ما قضى، وقضى ما قدر، وقدر ما أراد ، فبعلمه كانت المشيئة ، وبمشيئته كانت الإرادة ، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء ، وبقضائه كان الإمضاء ، فالعلم متقدم على المشيئة ، والمشيئة ثانية ، والإرادة ثالثة ، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء .
فالعلم بالمعلوم قبل كونه ، والمشيئة في المنشأ قبل عينه ، والإرادة في المراد قبل قيامه ، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عيانا وقياما، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ، والله يفعل ما يشاء .
وبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها وانشأها قبل إظهارها، وبالإرادة ميز أنفسها في ألوانها وصفاتها وحدودها ، وبالتقدير قدر أقواتها وعرف أولها وأخرها ، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها ، وذلك تقدير العزيز العليم .) (6) .

ومن خلال البحث و التطبيقات سنفهم بشكل مبسط وواضح معنى هذا الكلام .
ومن كتاب غرر الحكم ودرر الكلام ، من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه واله : ( المقادير لا تدفع بالقوة والمغالبة )، ( إذا ضلت المقادير بطلت التدابير، إذا كان القدر لا يرد فالاحتراس باطل) ، ( بقدر الله تذل الأمور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير) ،(جعل الله لكل شيء قدرا ولكل قدر أجلا حد العقل) (7)
إن التاريخ الحقيقي ـ البعيد عن أهواء أهل النفوذ في كل عصر ـ يذهب باتجاه أننا نعجز عن فهم التاريخ ما لم نفهم و نؤمن بالمقادير الإلهية ، وهذا التاريخ الذي نعتمده عليه دلالات قوية من أقوال الأنبياء و المعصومين(ع) في كل وقت. ولمعرفة ذلك لابد من معرفة أول التطورات التي حدثت بعد الطوفان وكيفية نشوء المجتمعات وكيفية بدء أول الصراعات وأسبابها و نتائجها ، و قبل ذلك الخلفية الدينية لهذه الصراعات ، على افتراض أن كل الذين نجوا من الهلاك مع النبي نوح(ع) في السفينة ، يفترض أن يكونوا من المؤمنين الممحصين المحسنين الذين لا يبغي بعضهم على بعض . ذلك أننا إذا اعتمدنا على تحليلاتنا وتنظير المنظرين و سفسطاتهم، فإننا لن نتجاوز بهذه الحصيلة مواطئ أقدامنا في النظر إلى الواقع و الوقائع ، سياسية كانت أم اجتماعية أم تاريخية أم عسكرية أم اقتصادية ، بل لابد من الاستفادة ـ إن لم يكن الاعتماد ـ على ما جاءت به أخبار الكتب السماوية وأخبار الأزمنة المستقبلية مما تحدثت به الرسل و الأنبياء على مر العصور . ولفهم ذلك لابد من العودة إلى البداية ، لان هذه الأخبار التي اخبر بها الأنبياء (ع) أممهم أصبحت اليوم غريبة عن لغتنا و مفاهيمنا ، وبالتالي هي أشبه بالأساطير لمن يجهلها، وبالتالي يستهزئ بها و يعتمد على تخبطاته وعشوائيته في التحليل و الاستنتاج ، ووضع الأطروحات لحياته وما يحيط بها من تحديات .
أما البداية فكانت بهذه الصورة التي يرسمها لنا التاريخ :
قال الدينوري: أعقم الله جميع من نجا مع نوح في السفينة إلا بنيه الثلاثة سام وحام، ويافث ، وكان لنوح(ع) ابن رابع هو يام وهو الغريق، ولم يكن له عقب وأما الثلاثة فكلهم أعقب(8) ، ( وذكر المسعودي ابن رابع وهو يحطون ).
قال المسعودي : ولد لحام ولد وهو كنعان وبعد كنعان ولد له كوش، وكان اسود (البشرة) فهمّ أن يقتل امرأته فمنعه سام و ذكّره دعاء أبيه عليه، قال: وكنعان هو اكبر ولد حام وهو أول من غير دين نوح (ع). وذكر المسعودي ، أن من ذرية حام، الكنعانيين،و فراعنة مصر،و العمالقة الذين منهم جالوت الذي قتله النبي داوود(ع)، ومنهم نبيط( وأولاده الأنباط) و النبط هو السواد، وقيل سموا الأنباط لأنهم استنبطوا الأرض و عمروها، وكانوا أصحاب عمارة و تدبير، و من ولد سودان بن كنعان أمم منهم الاشبان و الزنج و أجناس كثيرة تناسلت بالمغرب نحو سبعين جنس. (9)
أما بنو يافث بن نوح(ع) ، قال المسعودي : ( قال أصحاب التواريخ ، إن جميع اللغات اثنتان و سبعون لغة ، منها سبع وثلاثون في ولد يافث ، وثلاث وعشرون في ولد حام ، واثنتا عشرة في ولد سام(ع) ، فذكروا أن ولد يافث من ظهره سبعة و ثلاثون ، لكل واحد منهم لغة يتكلم بها هو ونسله ، وكان في قسم ولد يافث أرمينية وما جاوزها، فمنهم الاشبان و الروس و البرجمان و الخزر و الترك و الصقالبة ، و يأجوج و مأجوج ، و فارس ، و مزنان ، و أصحاب جزائر البحر والصين ، والبلغار، وأمم لا تحصى. ) (10) .
و بشكل عام يبين لنا من هذه الروايات وغيرها ، إن كل سكان الأرض اليوم من البشر هم من ذرية نوح (ع) ، وهو ما يؤكده القرآن الكريم بقوله تعالى (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ....وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) (11).
و قال تعالى (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (12) .
و معنى قوله تعالى (أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) هو بمعنيين ، أو صنفين ، فالمعنى الأول أو الصنف الأول : هي الأمم التي تكاثرت فيما بعد بالتزاوج بين أولاد نوح (ع) و نساء الذين حملتهم السفينة ، و انقطع نسل الآخرين بالتدريج . أما المعنى الثاني أو الصنف الثاني : هي أمم ( أو امة ) سلم الله عليها و بارك فيها ، وهي في صلب نوح (ع) ، ستولد في الأزمنة المستقبلية ، و سيتكشف لنا من خلال الروايات القادمة ، أن هذه الأمة التي سلم الله عليها و بارك فيها ، هم خاتم النبيين و أهل بيته عليهم السلام ، ويبين من أدعية أئمة أهل البيت عليهم السلام ، أنهم أل إبراهيم وآل عمران و آل محمد صلوات الله عليهم .
أما عن سبب اختلاف الألسن و اللغات و سبب التفرق، قال الدينوري: ( وفي زمن ارفخشد بن سام بن نوح(ع) كثر أولاد نوح في بابل فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم، و تغيرت ألفاظهم وماج بعضهم في بعض ، فتكلمت كل فرقة منهم باللسان الذي هم عليه إلى اليوم ، فخرجوا من ارض بابل وتفرقت كل فرقة إلى جهة ، وكان أول من خرج ولد يافث بن نوح ، وكانوا سبعة إخوة( فأصبحوا سبع فرق) الترك، والخزر، وصقلاب ، وتاريس ، ومنسك ، وكمارى ، والصين فاخذوا ما بين المشرق و الشمال. ثم سار بعدهم ولد حام بن نوح ، وكانوا سبعة إخوة أيضا( أي سبع فرق): الهند، السند ، والزنج ، و القبط ، وحبش ، ونوبة وكنعان فاخذوا ما بين الجنوب و الدبور . و أقام ولد سام بن نوح (ع) مع ابن عمهم ارفخشد بأرض بابل على تغير ألفاظهم . ) (13) .
أما عن العلة في تغير أولاد نوح (ع) ولمعرفة ما ذكره المسعودي من تذكير سام(ع) لأخيه حام من دعاء أبيه عند ولادة كوش( الأسود) ، فقد قال الإمام علي الهادي (ع): ( كان نوح نائما في السفينة ذات يوم ، فهبت ريح فكشفت عورته، فضحك حام و يافث ، فزجرهما سام(ع) و نهاهما عن الضحك ، وكان كلما غطى سام شيئا كشفته الريح ، كشفه حام و يافث، فانتبه نوح(ع) فرآهم وهم يضحكون فقال ما هذا ؟ فاخبره سام بما كان ، فرفع نوح(ع) يديه إلى السماء يدعو ويقول: ( اللهم غير ماء صلب حام حتى لا يولد له إلا السودان، اللهم غير ما صلب يافث) فغيّر الله ماء صُلبهما، فجميع السودان حيث ما كانوا من حام ، وجميع الترك و السقالبة ويأجوج و مأجوج و الصين من يافث حيث كانوا ، وجميع البيض سواهم من سام(ع) ، وقال نوح(ع) لحام و يافث: جعل الله ذريتكما خولا لذرية سام إلى يوم القيامة، لأنه برّ بي و عققتماني ، فلا زالت سمة عقوقكما لي في ذريتكما ظاهرة ، و سمة البر بيّ في ذرية سام ظاهرة ما بقيت الدنيا .) (14)..
يتبين لنا من الروايات و من التواريخ إن النبي نوح (ع) قسم الأرض على أبنائه واخرج بني حام و بني يافث إلى مشارق الأرض و مغاربها وشمالها و جنوبها، و أبقى على بني سام في وسط الأرض وعاصمته في بابل ، و جعل في قسمتهم العراق ، وكل الأرض الممتدة ما بين الأنهر الخمس ، وهي سيحون و جيحون و الفراتان و نيل مصر كما ستتكشف لنا بالتدريج ، و سيمر بنا حديث عن رسول الله (ص) أن الله تبارك و تعالى خصّ رسول الله و أهل بيته و شيعتهم بنفس هذا القسم من الأرض ، وجعل آية نصر الله له و لأهل بيته على أعدائهم ، أن يملك الكفار هذه الأنهر الخمس .
و يتبين لنا مما سيمر علينا من أحاديث نبوية شريفة و روايات عدا ما تقدم ، أن النبي نوح(ع) اخذ العهد على أولاده بالوفاء لابنه سام و جعله الوصي من بعده و الوارث للنبوة وعلومها ، وبالطبع كما يتبين من الكتب السماوية كلها ومن أحاديث الأنبياء (ع) إن ذلك لم يكن برأي من عنده ، بل بعهد و أمر من الله سبحانه وتعالى. ولكن ما الذي حصل ؟ فنعود إلى الدينوري،
قال : ( وكان لسام بن نوح خمسة بنين : ارم وهو أكبرهم سنا، و ارفخشد، وعالم، و اليفر، و الاسور ) . و سنتجاوز الآن عن بقية الإخوة ونرى ما حصل لارفخشد ، ومن المعلوم و المشهور إن ارفخشد هو جد النبي إبراهيم (ع) ، فجعل سام(ع) الوصاية ووراثة النبوة وعلومها في ابنه ارفخشد ، إلى أن قال: (وان الضحاك الذي تسميه العجم بيوراسف، عندما كان من غلبته جم الملك (ارفخشد ) وقتله إياه واطمئنانه في الملك و فراغه، اخذ يجمع إليه السحرة من آفاق مملكته و يتعلم السحر حتى صار فيه إماما ، و بنى مدينة بابل ، وجعلها أربعة فراسخ في أربعة فراسخ ، ثم سامَ أولاد ارفخشد الخسف و العذاب . ) (15)
ونريد من هذه المطالعة التاريخية أن نؤشر على أول انقلاب و هجوم على بني سام ، بل على الوصي ووارث النبوة و قتله بوحشية و الفتك بذريته و شيعته، من قبل بني يافث الذين سلكوا باتجاه المشرق .
أما من جهة الجنوب التي سلكها بني حام ، فنعود إلى المسعودي وتاريخه لفترة النبي إبراهيم(ع) وهو من ولد عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام ـ حيث وجدنا أن المسعودي أدق وقوله متطابق إلى حد كبير مع أقوال أئمة أهل البيت (ع) وهو اصدق القول ـ وعلى أية حال نريد معرفة هوية فرعون صاحب إبراهيم (ع) .
قال المسعودي : ( وكانت حياة إبراهيم (ع) مائة و خمسا و سبعين سنة ( وقيل أكثر من ذلك) ، و كان ملك بابل في وقته النمرود بن كوش بن حام ، فلما أن حاجّه إبراهيم (ع) وكسر الأصنام ، أضرم الملك له نارا عظيمة و ألقاه فيها فجعلها الله تعالى عليه بردا و سلاما . ) (16) .
أما حال بني سام (ع) ، قال المسعودي : ( وأما سام بن نوح (ع) فان الله جعل له الرئاسة والكتب المنزلة و وراثة النبوة ، ووصية نوح في ولده سام خاصة دون إخوته ، فولد سام ارفخشد، وولد ارفخشد شالخ، وولد شالخ عابر، وولد عابر قحطان ، وولد قحطان فالغ ، وولد فالغ يعرب ، وقيل انه أول من تكلم العربية وكانت لغتهم السريانية ، وولد يعرب سبأ ، وولد سبأ حمير ثم كهلان ، ومن كهلان كانت ملوك اليمن من التبابعة و الأذواء .) .
وهذا احد فروع عابر بن شالخ وهؤلاء يسمونهم العرب العاربة، أما الفرع الآخر ويسمونهم العرب المستعربة فهو عدنان الذي يتصل به رسول الله صلى الله عليه وآله وصولا إلى إسماعيل و أبيه إبراهيم عليهما السلام ، وقال المسعودي : ( وقد اختلفوا في ولد إسماعيل(ع) اختلافا كبيرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا بلغ النسب إلى معد بن عدنان قال : "عدنان بن أعراق الثرى" . ومن إسماعيل و عدنان أمم كثيرة ) انتهى ، وبالطبع فان كل هؤلاء هم من واحد من أولاد سام وهو ارفخشد، وبقي ارم وعالم و اليفر و الاسور، منهم من اهلكوا عن آخرهم كما قص القرآن الكريم قصصهم، وخصصنا لهم الجزء الثالث من هذا الكتاب لأهمية أمرهم ولان القرآن هو القول الفصل ، وهو الاوجز و الابلغ ، وكل ما نريد أن نقوله من مجمل كتابنا هو ما قاله القرآن الكريم ، ومن ذلك صراعات هذه الأمم.
وربما يكون هذا الدخول التاريخي غير واف إلى هذا الفصل من التاريخ ولكن لنا رؤيتنا في الأمر، مفادها أن القارئ قد لا يربط الأحداث أو لا يستخلص العبرة التي نريد له معرفتها ، بمجرد سرد الوقائع التاريخية ، بل نريد أن يعرف منهجنا في البحث ، ويعرف ماذا يتكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وماذا يعني أمير المؤمنين عليه السلام في خطبه في الملاحم و الفتن وما يذكره أئمة أهل البيت في رواياتهم ، عن أمم و أقوام لا تعرفهم عامة الناس ، وهي معلومات أساسية لمعرفة ما يجري الآن في العالم ، وما سيجري في ملحمة الفتح الموعودة في كتاب الله و الكتب السابقة و أحاديث الأنبياء و الرسل ، إذن سنعود لهذا الموضوع المهم في الجزء الرابع إن شاء الله في ملحمة الفتح ، والأمم التي تشترك فيها ، ومصير العالم آنذاك ، أما الآن فنعود إلى تقديم موضوعنا ... (عولمتنا) .
يتبين لنا من مجمل التاريخ أن الصراعات التي بدأت منذ أول الانقلابات على وصي النبي نوح(ع) ووارث النبوة ، ولده سام(ع) من قبل إخوانه و أبناء إخوانه ثم انقلاب أبنائهم على أبنائه ، ثم انقلاب سلسلة أبنائه من خارج شجرة النبوة المتصلة ، الذين بعضهم من بعض ، على سلسلة أبنائه من شجرة النبوة المتصلة الذين بعضهم من بعض ، أقول : منذ ذلك الوقت و إلى اليوم ، كان من المقادير الإلهية أن تقوم دولة عالمية وفق متوالية زمنية غريبة ، وقيام هذه الدولة العالمية هي على الرقعة الجغرافية التي حددها نوح (ع) لولده سام(ع) وأوعز لأبنائه الآخرين الابتعاد عنها ، وهي تمتد حسب قول المسعودي من نهر بلخ ثم إلى نهري سيحون وجيحون ثم إلى نهري دجلة و الفرات ثم إلى نهر النيل . ثم قسم باقي الأرض على حام و ذريته ، و يافث و ذريته ، و إذا صحّت مقولة ابن مسعود بأن لنوح (ع) ابن رابع وهو يحطون وهو الذي خصّه نوح(ع) بما يسميه ( صين الصين ) ـ ولا نعرف بالضبط أي جزء هو من الصين ، ومن هم ذريته من الأجناس الصينية ـ أقول ، يبدو انه الوحيد الذي التزم قسمته وكفى الناس شرّه وقنع بما قسم الله له ، أما الآخرين فدارت بينهم الصراعات بما يمكن وصفه بأنه إفساد وردّ الكرّة على المفسد ، بأيدي داعية حق ، أو بيد مفسد آخر شرّ منه و اظلم ، وهكذا قامت دول عالمية متعددة ضمّت كل العالم تحت سلطتها وفق متوالية زمنية سنفصلها في الجزء الرابع ، ومن هذه الدول العالمية التي قامت على هذه الرقعة الجغرافية التي تمتد من أطراف الصين باتجاه نهر بلخ ثم عبور سيحون و جيحون مستولية على أمم الترك ثم باتجاه الخزر ، ثم الديلم و البرجان ( أذربيجان) و أرمينية ( ذرية ارمين بن يافث ) ثم باتجاه الطالقان و خراسان و باقي ما يعرف الآن بإيران ، ثم دخول عاصمة سام و ذريته ، أي العراق ، أما من جهة البصرة ، أو من جهة الموصل ، ثم إلى الشام وجزيرة العرب و اليمن ثم إلى مصر، ثم إلى شمال إفريقيا وصولاً إلى الأندلس ، والى أطراف أوربا ( ايطاليا ، وبعضها وصل إلى مرسيليا ) . وقد اختلفت تواريخ المؤرخين في قيام كل دولة من هذه الدول اختلافا حادا ، و دار جدل بين أوائل المؤرخين لم يُحسم إضافة إلى ادعاءات شعراء ما قبل الإسلام و ابعد من ذلك ، وهذا قد لا يمنحنا فرصة تحديد أسبقية هذه الدول على بعضها ، إلا المتأخرة منها .
ومن هذه الدول العالمية دولة ذي القرنين (ع) ، ودولة النبي سليمان (ع) ، و دولة البابليين ( بخت نصر) ، ودولة الإغريق ( الاسكندر المقدوني) ، و دولة الروم ( القياصرة ) ، ثم دولة العرب المسلمين ، ثم دولة التتار المغول ، ثم المحاولة القائمة الآن لما يسمونه أحيانا ( النظام العالمي الجديد ) ، و ( الشرق الأوسط الكبير) والاسم الأشهر( العولمة ) ، ولربما تكون دولة ثانية للروم قد سبقت ( وهي سيطرة بريطانيا العظمى على نفس الرقعة حيث امتدت مستعمراتها من الهند إلى سيحون و جيحون و الفراتين و النيل ) قبل الحرب العالمية الثانية والى ما بعدها بقليل ، حتى أمست تسمى ( البلاد التي لا تغيب عنها الشمس .
وفي البداية والنهاية لابن كثير : حدثني إبراهيم بن المنذر ، عن محمد بن الضحاك ، عن أبيه ، عن سفيان الثوري قال : ( بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة : مؤمنان وكافران ، [ فالمؤمنان] سليمان النبي وذو القرنين ، [والكافران] نمرود وبخت نصر . وهكذا قال سعيد بن بشير : سواء ) (17)
إلا انه مع ذلك الاختلاف ، وجدنا أن دولة النبي سليمان (ع) جاءت وفق المتوالية الزمنية ، بعد دولة ذي القرنين ـ حسب تاريخ الطبري ـ وما نقصده بالمتوالية الزمنية ، هو تعاقب زمني يكاد يكون ثابتا يفصل بين كل دولة ودولة، والفترة الفاصلة بين كل دولتين اثنا عشر قرنا قمريا .
وبعدها دولة الاسكندر المقدوني ، ودولة الروم ، وبعدها دولة العرب المسلمين و بعدها دولة التتار المغول ـ و ربما يكون هذا التصنيف بحاجة إلى دراسة معمقة أكثر للتأكد من صحة التواريخ المختلف فيها ـ وهذا الوقت هو الزمن الملائم الموعود لقيام الدولة التالية ، إلا إن هذه الدول كلها قامت وفشلت في طرح مشروع دولة دائمة وعادلة تحقق الأمن و الرخاء و المساواة و العدالة لكل شعوب الأرض ، مع ضمان أكيد أن لا تكون دولة مؤقتة ، و السبب الوحيد الحقيقي لذلك ، هو وجود الخليفة أو النبي أو الإمام أو القائد المؤيد بكامل الأسباب من لدن الله سبحانه و تعالى ، مع ضمان له باستمرار إمامته وخلافته في الأرض إلى آخر الدنيا ، و ضمان عدم نجاح أي محاولة انقلابية على خلافته كما حصل مع جميع الذين سبقوه منذ بدء الخليقة إلى اليوم من انقلابات متعاقبة .
حتى جاءت الرسالة الإسلامية وكتابها المنزل وتشريعاتها لتطرح هذا المشروع كوعد إلهي ، وقام بتبيان جميع مقوماته و عناصره و اشراطه ، بانتظار الأجل المضروب لظهور هذا القائد الموعود وفق عقيدتنا ، و المأمول وفق مختلف العقائد .
إذن ماذا يجري الآن ؟ الجواب : انه على مر العصور كان هناك من الأدعياء من يدعي انه القائد الموعود ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى وهي الأهم الآن ، إن في العصر الحديث هناك أكثر من دعيّ ، يزعم أن هذا القائد الذي لم يأت بعد و طال انتظاره ، يمكن خلقه من النخبة الراقية من المجتمع (المتحضّر) ، و يفرض قوانين و تجارب و أنماط حياة هذا المجتمع المتحضّر على الشعوب المتخلفة ـ حسب مفهومهم للتخلف و التحضّر ـ وذلك بقوة السلاح و السلطة الغاشمة ، وكل ما يحتاجه المجتمع البشري بزعم هؤلاء هو نظام اقتصادي ملائم ، ونظام اجتماعي ملائم .
لقد أثير كثير من الجدل من مناهضي العولمة حول خطورة هذا المشروع و تجاوزه لخصوصيات المجتمعات المختلفة في ثقافتها و حضارتها ، و فشله في طرح مفاهيم إنسانية تراعي حقوق جميع الأمم ، واعتقادهم بان هذا المشروع سيؤجج الصراع ولا يحله . وهذا قول صحيح ، إلا إن الذي يهمنا نحن ـ مؤلف هذا الكتاب وكثير من الناس ـ ليس مناقشة نظريات هؤلاء الأدعياء ، أي ليس مناقشة ( عولمتهم ) ، لأننا نعتقد أن مجرد النقاش هو من الخوض في آيات الله قال تعالى (} وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِه) (18).
فإننا نرى أن المناقشة في محاولة وضع بديل افتراضي لدولة الوعد الإلهي هي من الادهان والجدل العقيم ، ولهذا سنعرض عن استعراض معنى العولمة ومشاريعها و نظرياتها ، فضلا عن أن مفكرينا و علماؤنا الأفاضل ، من أمثال السيد الشهيد محمد باقر الصدر( رض) أجاب عن ذلك في كتابيه ( اقتصادنا ، و فلسفتنا) ، أما كتابنا فيبحث في الصراع بين المشروع الافتراضي البديل الذي يطرحه الأدعياء و الدولة العالمية الإلهية الموعودة ( دولة الإمام المهدي" ع" ) و نتائج هذا الصراع.
والسؤال هنا ، من أين جاء هؤلاء بنظريتهم العولمية ؟ وكيف تطورت إلى هذا الحال؟

أصـل الفكـرة :
إن السنَّة التي اتبعتها البشرية بشكل عام - وتكاد تكون مطلقة مع الرسالات السماوية ومع المرسلين والأنبياء - هي سياسة الانقلابات ، فإذا استثنينا قوم يونس النبي (ع) إذ قال تعالى : (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) (19)، فما من نبي ولا مرسل إلا قامت ضدّه الحرب الفكرية والنفسية والسياسية والاقتصادية وغالباً تنتهي عسكرية، فأما أن يُتهم بالجنون أو الكذب أو السحر أو طلب الملُك والسلطة.
وما أن يُتمَّ الرسول أو النبي رسالته من حيث التبليغ والأداء وهو يشعر بالحزن والأسى والفشل في أن الناس لم يؤمنوا به - جميعهم - كما يرجو و يأمل ، وأنه لم يؤد رسالته كما أراد الله عزّ وجل، وكما طمح هو أن يؤديها ، فإن الوحي يأتيه بالثناء على قيامه بالواجب ووعده بالمنزلة الرفيعة في الآخرة . ثم تطييب خاطره ومواساته بأنه لم يفشل في أداء رسالته ) وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلَّا مَنْ قد آمن فلا تبتئس بما يفعل الظالمون (20) (، ) يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ( (21)، ) ولعلك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ( (22)، ) فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون ((23). إلى آخر كلمات الرعاية الإلهيَّة اللطيفة ، ثم يختم الوحي بأن الدور المرسوم له قد تم ، وأن ما كان يطمح إليه من أن تؤمن به كل البشرية وينشر دولة الإيمان والحق والعدل والخير لن يتم ، لا لَه ولا لغيره ممن سبق أو ممن يأتي ، ولكن ذلك كله يتم في آخر الزمان ، ثم يعطى صورة كاملة من ذلك الزمن وتلك الرسالة وتلك الدولة والذي يقوم بها والخير الذي يكون فيها ومنزلة القائم بها عند الله ، وما يمّده الله به من التأييد والأسباب الكاملة من كل شئ ولكل شئ . فيبشر هذا الرسول أو النبي بالذي يأتي بعده ، ثم بما سيحصل في آخر الزمان ودولة الأمة الواحدة والدين الواحد والعالم الواحد والإيمان الكامل والخير العام ، فلا يتمنَّى أحد من أي زمان إلَّا أن يكون من أهل ذلك الزمان.
وقام المستخلفون الأوائل بعد الطوفان بدفن كنوزهم وآثارهم معهم في قبورهم وكتبوا عليها أسماء الله العظام الحافظة من كل سوء ذاكرين أنهم ينتظرون إماما يبعث في آخر الزمان يستخرجها ويأملون الخروج معه كما أخبرهم بذلك نبيهم نوح (ع) ، وسيمر علينا تفصيل ذلك في قصة مصرا يم و الكاهن فيلمون في الجزء الثاني .
إن سُنّة الانقلابات التي قامت بها القوى ذات النفوذ من البشرية وسيطرتها على مواريث الأنبياء والرسل بعد انتهاء مدة رسالاتهم ، جعلت هذه القوى تعود دائماً إلى ذلك الميراث الثرّ للاستفادة منه في نشر سلطتها وقيمها ومفاهيمها ، وسرقة كل ما يمكنها أن تستفيد منه لتحقيق أهدافها ، حتى لو اقتضى الأمر تَقمّص شخصية الرسول أو النبي وادعائها الأحقية بخلافته ، وامتلاكها لمخزونه العلمي ، وانفرادها بسرّه ، وأهلِّيتها في أخذ مكانته، وذلك في مسعاها للقضاء على كل معارضة تقوم ضدها ؛ فعلية أو محتملة ، لم يستثنَ أحد من الأنبياء والمرسلين من هذه السُنّة البشرية ـ إلا قوم يونس ـ وخاصة الرسل الخمسة أُولي العزم .
ففي كتاب ( معاني الأخبار ) للشيخ الصدوق عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما نزل قوله تعالى : ) يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِي ((24) قال صلى الله عليه وآله : " والله لقد خرج آدم من الدنيا وقد عاهد قومه على الوفاء لولده شيت ، فما وفي له ، ولقد خرج نوح من الدنيا وعاهد قومه على الوفاء لوصيه سام ، فما وفت أمته ، ولقد خرج إبراهيم من الدنيا وعاهد قومه على الوفاء لوصيه إسماعيل ، فما وفت أمته ، ولقد خرج موسى من الدنيا وعاهد قومه على الوفاء لوصيه يوشع بن نون ، فما وفت أمته ، ولقد رفع عيسى بن مريم إلى السماء وقد عاهد قومه على الوفاء لوصيه شمعون بن حمون الصفا فما وفت أمته ، وإني مفارقكم عن قريب وخارج من بين أظهركم ، وقد عهدت إلى أمتي في علي بن أبي طالب ، وإنها لراكبة سنن مَنْ قبلها مِنَ الأمم في مخالفة وصيي وعصيانه ، ألَا وإني مجدد عليكم عهدي في عليٍّ ، فمَن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد الله فسيؤتيه أجراً عظيما " (25) .
وركبت أُمَّة النبي (صلى الله عليه وآله) سنن من قبلها ، وانقلبت على أعقابها ولم تف بما اخذ الله عليها من العهد ، وكنتيجة طبيعية لفساد هذه القوى ذات النفوذ وجهلها وطغيانها فإنها تفسد كل شئ ، فيحل البلاء على أهل البلاد ويبدأ التخبط ويتحول الانحراف إلى الظُّلم... ثُمَّ تُحلّق الأحلام في ذلك الحلم البعيد - دولة الزمن الأخير - وتنتعش مخيلة رواة الأساطير ، فيخلطون الحقائق بالأوهام والواقع بالأماني ، ويزيدون كثيراً من متخيلاتهم ، ويحذفون كل ما يزعج الحلم ويبتدعون كل ما يضفي عليه مزيداً من الروعة ، والقفز على كل العوامل التي تؤدي إلى قيامه من أسباب التحقيق والظروف اللازمة والتضحيات العظيمة والثمن الباهظ لذي يتوجب على البشرية دفعه في سبيل ذلك ، والأجل المضروب لذلك الوعد . من هنا تنتشر الأساطير قديماً وحديثاً لتقمص هذا المنقذ الوارث لكل الرسالات السماوية وكل مواريث الأنبياء ويمّده الله سبحانه وتعالى بأسباب كل شئ حتى أصبح رمزاً صغيراً في أساطير الحضارات والأمم على مر العصور مروراً بأساطير الإغريق والبطل الأسطوري الذي يأتي من خلف البحار(26) ، إلى البطل الذي نصفه إله(27) ، إلى ابن الرب(28) ، ثم بدأ الرمز يُصَغّر ليكون أكثر واقعية ليحل المعضلات القريبة التي تعاني منها البشرية ، وذلك من خلال أفلام الخيال العلمي و الأسطوري في السينما العالمية اليوم .
لكن الملك أو الخليفة الحقيقي الوحيد الموعود ، لم تستطع القضاء عليه كل هذه الانحرافات والأوهام والتدليس ، فالعلم الراسخ والإيمان المخلص يجد دائماً من يحمله ويتفانى فيه وإن كان المتفانون قلّة قليلة ، هؤلاء ظلّوا يدافعون عن حقيقته وينفضون عنه غبار التشويهات والانحرافات ، ويشذّبون كل الزيادات الدخيلة ويبترون منه كل الأورام الخبيثة التي زرعها الانقلابيون ، استعداداً منهم لنصره ومؤازرته والوقوف على أهبة الاستعداد لخوض المعركة الأخيرة مع الانقلابيين الذين أعّدوا عدّتهم وأجمعوا أمرهم للقيام بالانقلاب الأكبر في سنّة الانقلابات من قبل أن تُعلن ساعة الصفر لقيام هذا الإمام العظيم الذي ادّخرته السماء للزمن الأخير .
إذن أصل القضية ، هو وعد سماوي وعده الله سبحانه وتعالى للبشرية بإقامة دولة العالم الواحد والأمة الواحدة ، قائمة على الإيمان والحق والعدل ويعمها الخير والرخاء والتقدم ، وذلك بعد ترك البشرية تجرب عمليا فشل اختيارها للخليفة والإمام الذي يقودها إلى شاطئ الأمان ، فيأتي بعد ذلك فرض هذا الخليفة طوعا أو كرها ، و فرض سلطته على المعمورة بأمر الله سبحانه و تعالى ، وهو ما أشار إليه قوله تعالى ( وله اسلم من في السماوات و الأرض كرها وطوعا)(29) فان تأويل هذه الآية هو دولة الإمام المهدي (ع) .

الطروح المعاصرة للفكرة :
مثلما إن العلماء المؤمنين المخلصين لا يجمعهم وطن محدد ولا هوية محددة ولا دين محدد غير دين التسليم لله ، فهم عالميون بكل معنى الكلمة وإن كان هناك تفاوت في درجات علمهم وإيمانهم وجِدِّهم بانتظار هذا الهدف والاستعداد له ، فإن الانقلابيين كذلك لا يجمعهم وطن محدد ولا هوية أو ديانة معلنة محدّدة ، كذلك إن جدّيتهم بالاستعداد لهذا الأمر متفاوتة ولا يمكن القطع والجزم في مَن هو الأخطر بين هؤلاء ، فان خطورتهم تتشكل بحسب مراحل تطور معاركهم ، تلك المعارك - وان كانت قصيرة عموماً - قد لا تدوم في مرحلة الحسم أكثر من ثمانية أشــهر على ما جاء في الروايات عن أهل البيت (ع) (30) إلَّا أن المراحل التي تمر بها المعركة قبل إعلان ساعة الصفر هي مراحل متعددة أيضا ومتشعّبة وعلى العموم هي حرب خفيّة مُقنّعة بأنواع من الأقنعة وتدور بأساليب غاية في الإرباك والتمويه ، صحيح إن الأكثر دهاءً ومكراً وخبثاً هم اليهود الذين يحيكون المؤامرات والدسائس وأعدّوا ما استطاعوا من قوة لتدمير هذا المشروع الإلهي الجبّار في مهده بل قبل ولادته ، وحققوا انتصارات باهرة – ظاهرياً – في هذا الأمر ، إلَّا أنَّ الأدوات المنفذة لمشروعهم ليست أقل خطراً منهم وجلّهم من المسلمين الذين عصوا أمر الله ، ونبذوا كتاب الله ، الذي حذّر أشد التحذير من أن يتخذوا اليهود و النصارى أولياء ويلقون إليهم بالمودة أو يركنوا إليهم ، ولعل العرب من المسلمين هم الأخطر من الأعاجم . ثم هناك مسيحيون وديانات أخرى وعلمانيون وأُناس لا يعرفون شئ عن أي دين سوى دين المصانع الحربية وبنوك الاستثمارات ، وهناك جموع هائلة من البشر تطلب الحق وتبحث عنه في الظلام الحالك من غير أن يكون في يدها أي مصباح تستنير به ، ثم هناك مفكرون ذوو عقول متفجرة قادرة على إنتاج أفكار رهيبة تثير كثير من الجدل لغرض الجدل، تعودت على أن تحظى بكلمات الإعجاب والتصفيق ، غير مبالية في أن تكون أفكارها هدامة أو بنَّاءة ، ولكنها تشعر أنها عبقرية وعلى الجميع أن يستمع إليها فقط ويعمل بأمرها فقط ، ومجموعات من البشر فُطِمَت في أشهرها الأُولى ورضعت بقية عمرها كلّه الذل والإهانة والاحتقار ، فهم كديدان ، الأرض قادرة على أن تعيش في الحدائق بين الزهور ، أو في مخازن المياه الثقيلة ، وفي كل الأماكن لا تنظر إلى نفسها إلَّا كديدان .
من بين هذه الفرق المتعددة من الانقلابيين ولدت أولى الطروح المعاصرة للفكرة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، وهي الشيوعية الأممية . اكبر إنجازات حكماء صهيون في صالة العمليات القيصرية لاستيلاد المارد البديل الذي يملأ الأرض قسطا وعدلاً ، عسى الربُّ تعالى ، أن يتراجع عن قراره في طرح مشروعه الموعود للزمن الأخير ، فقد أوجدوا هم الحل ولهم السبق في ذلك وهم في غنًى عن مشاريع الرب التي لا طائل منها . هنا بدأ ( ماركس ) يبحث عن هذه الدولة الموعودة في الكتب السماوية ، التي لم يعترف أبداً بأنها سماوية ، لكنه وجد فكرتها رائعة ومثالية ولا ضير في اقتباسها وسرقة أفكارها وادعائها لنفسه ، فبدأ بجمع كل الخيوط من كتب النبوءات والملاحم والفتن التي تمر بها البشرية قبل الساعة ، من مواريث الرسل والأنبياء ويرسم اللوحة المقترحة على ضوء الوصف ، ، وليذهب موسى وربَّه يتناجيان بدولتهما ـ التي لن تأتِي ـ بعيداً عنهم ، يقيمانها في كوكب أخر وينتهي الأمر بالتسوية الرضائية .
إذن ، حتى لو انقلب السحر على الساحر فيما بعد، كانت الشيوعية الأممية أولى أخطر التحضيرات اليهودية للقيام بالانقلاب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .
أما المحاولة الأخرى التي هي الأخطر والأدهى – وهي المحاولة الأخيرة إن شاء الله - فهي لم تبدأ كنظرية متكاملة موضوعة مسبقاً ، بل كانت تتطور بتطور المراحل ، متغيرة مع الظروف محاوِلةً التعامل مع العقبات واحتواء المفاجآت ومستغِلّة أوقات قيلولة البشرية للانقضاض على الأهداف ثم القفز الطويل إلى أبعد هدف ممكن لقطع أطول شوط ممكن لوضع البديل المفترض .
لقد بدأت هذه المرحلة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ، ثم بعد الحرب العالمية الثانية قامت مباشرةً برفع شعارات الدولة العالمية الإلهيَّة ذاتها ، وإنما يراد بها الباطل طبعاً ، وذلك بوضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وتصفية الاستعمار ، والديمقراطية والحرية والتقدم والازدهار ، والقضاء على الديكتاتوريات . هذه الشعارات التي تحولت حين سمحت لها الظروف إلى قميص عثمان الذي يلبسه الانقلابين لترتيب الأوضاع ، ووضع المخططات لوضع مشروعهم الانقلابي الأكبر موضع التنفيذ - أو على الأقل ليكونوا على أهبة الاستعداد للقيام بالانقلاب فور إعلان ساعة الصفر وبدء حركة الدولة العالمية وقائدها المظفر الموعود الذي يقضّ مضاجعهم ويؤرق نومهم - فكل الفرق التي حاولنا حصرها بالفرق المختلفة التي ذكرناها سابقاً يقودها هذه المرة اليهود - طبعا - قيادة مطلقة وحازمة وغرفة عملياتها مليئة بالحركة الدءوبة والتنظيم المحكم ، يتفوق على كل ما خطر في بال النحل يوماً أن ينظم عمل خليته وفقه . فبدؤا يدرسون دراسة جديدة كل ما جاء بنبوءات الأنبياء عن تلك الدولة وحركتها ، ووضع الحلول اللازمة للمعضلات التي ستواجه مشروعهم المضاد ، فبدؤوا بوضع القنّاصة على المباني المهمة والخطرة التي ورد ذكر أهميتها في حركة الدولة العالمية المجيدة ، أي إيجاد قيادات عميلة لهم تأتمر بأمرهم تكون ذات فعّالية في تنفيذ الأوامر الصادرة إليها . وإنْ تعذّر ذلك فإيجاد تيّارات وحركات نشيطة قادرة على التأثير ، تحظى بدعم لا محدود وحماية كافية ليتم تحريكها في الوقت المناسب أو في الظروف الطارئة . ونعود لبحث وتحليل هذا الموضوع لاحقاً ، لكن المهم إن التطورات الدولية المتلاحقة أدَّت إلى طرح المشروع المضاد بصورته النهائية تحت شعار ( العولمة ) ، ولكن هذا الشعار بدأ يفقد بريقهُ وبدأت بعض نواجذه السّامّة تظهر في ابتسامات الغفلة ، فأضيفت عليه بعض التعديلات اللازمة الكفيلة بإبقاء أركانه ذات قوة ومتانة كافية لمواجهة التحديات القائمة ، فتمّ استيلاد الجنين المحُسّن من المشروع ، وطرحه بوجه مشرق خضع للعديد من عمليات التجميل الفاشلة وتمت تسميته ( الحرب ضدّ الإرهاب ) .

لماذا العدول عن الشيوعية الأمـمـية ؟
لقد حددنا الفرق الداخلة في الائتلاف الانقلابي بعدَّة فِرَق . لكن هل حافظ الجميع على بنود المعاهدة ؟ وهل سار الجميع على الهدف المرسوم ؟ وهل التزم الجميع بتعهداتهم ؟ الجواب ، بالطبع : كلاّ... . هنا بدأت المشكلة ، بتعارض الأهداف والمصالح قبل القَناعات . فالمؤسسون... ( القيادة العليا ) لهم هدف إستراتيجي واضح ، وهو الدولة العالمية المضادّة ، وأساس العقيدة التي ترتكز عليها هو هدم أساس الدولة العالمية الإلهيَّة ، أي إنكار الخالق المدبر للكون ، إعلان الحرب على الديانات والكتب السماوية ، تعميق الكفر والانحلال الأخلاقي للمجتمعات ، وفي الوقت نفسه رفع شعارات الدولة العالمية الإلهيَّة في المجالات الإنسانيَّة ، أي العدالة والمساواة ومحاربة الاحتكارات والدفاع عن الحقوق والحرّيات العامّة ، وفتح الفرص أمام الجميع ، وتوفير الأمن والرخاء والرفاهية للمجتمع . إلا أن شعارات المجالات الإنسانية كانت مجرد قِناع للقيادة المؤسسة وواضعي نظرياتهم ، كانت طُعْما تصطاد به صيدها ، بينما كانت هي الهدف الذي دخلت الفرق الأخرى في الائتلاف من أجله وجَدَّتْ كل الجِد في النضال من أجله والدفاع عنه ببذل التضحيات الغالية ، ووفّوا بتعهداتهم من أجل أن يكون النضال عالمي لإيمانهم بفكرة وحدة مصير هذه الطبقات في مختلف المجتمعات . ومن أجل ذلك تماشوا مع الهدف الرئيسي للقيادة وهو إنكار الخالق ورفع شعار "إرادة الإنسان" على أنه قادر في النهاية على تطوير هذه الإرادة بالعمل والرقي ومواجهة التحديات ، حتى يكون في مرحلة ما هو "الإله" ، وبالطبع من غير أن يلتفتوا إلى بواطن الهدف الرئيسي للقيادة المؤسسة ، التي تؤمن بالإله ولكنّها تخطط للإيقاع بين الإله والمخلوق وتحريض البشر على الكفر والمعصية لتبقى هي ( أي الأمة اليهودية ) ذات الحظوة والكرامة عند الإله ، على أساس إن جميع البشر كفروا ما عداهم وبذلك يجعلون الإله يتراجع عن قراره في إقامة الدولة العالمية في الزمن الآخر ، التي يعرفون مما موجود في كتبهم أنَّ إمام هذه الدولة ليس منهم بل وإن قيام هذه الدولة يعني هلاكهم وقطع دابرهم على يد قائد الدولة العالمية الإلهيَّة وجيشه المرعب . من هنا بدأ التناقض في الأهداف بين القيادة والفرق المنضوية تحت لوائها ، أي تحت راية التحالف الانقلابي . بل إن الأهداف نفسها في المجالات الإنسانية أصبحت لا تهدد المصالح اليهودية فقط ، بل تهدد العقيدة اليهودية أيضا، تلك العقيدة القائمة على الاحتكار والاستغلال والسيطرة والحق بتدمير كل ما هو غير يهودي . وهكذا وضعت القيادة كل مقدَّراتها ونفوذها وإمكانياتها في انتمائها الأخلاقي الطبيعي ، أي الإمبريالية الرأسمالية ، لتعلن من هناك الحرب الشعواء على الشيوعية .
إلا أنَّ الحرب العالمية الثانية والويلات والآلام التي عاناها العالم بأسره ومن ضمنها الشيوعية ، أظهرت الحاجة الغريزية في الإنسان باللجوء إلى ربِّه ، كعادة الإنسان دائماً عندما يرى العذاب فلا يجد مَن يستغيث به ويلجأ إليه إلا الله سبحانه وتعالى ، وبدأ الهدف الإستراتيجي - الذي ترتبت عليه كل الأهداف الأخرى المرحلية - ينحسر في الضمير الإنساني للفرق الأخرى ، وهكذا ذهبت كل جهود اليهود سُدًى ، بل إن الفِرَق الأخرى بدأت تمارس نوعا من الرياء والنفاق وأحياناً الصمت والاعتزال تجاه الهدف الإستراتيجي ، وهو الإلحاد والكفر وإغضاب الخالق ، فقرر اليهود خوض المغامرة الكبرى واستغلال ظروف الحرب ونتائجها لإعلان الدولة اليهودية في فلسطين ، لتمارس منها سياستها ومخططاتها ومشاريعها بالاعتماد على نفسها بشكل أساس ، مع عدم تفويت الفرصة لاستغلال الآخرين وخداعهم . ونريد أن نلفت الانتباه إلى أننا نتعامل الآن مع الموضوع من حيث التدبير البشري ( اليهودي ) تاركين إلى ما بعد هذا تناول التدبير الإلهي الذي هو في الطرف المعاضد من حيث نجاح التخطيط ، وفي الطرف النقيض من حيث نتائج التخطيط ، حيث إن نجاحهم في إقامة دولتهم اليهودية في فلسطين هو ليس خيراً لهم كما يعتقدون ، بل وعد إلهي لهم أن يجمعهم من أقطار الأرض لشرِّ يوم لهم في فلسطين إذ يقومون بفسادهم الأشنع واستعلائهم الأكبر ، وهو قوله تعالى ) وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ((31) ، فيوقع الله سبحانه وتعالى بهم شرّ وقعة ويقطع دابرهم ويهلكهم بتخطيطهم نفسه وأساليبهم نفسها وبما يحذرون منه نفسه ضانين أنهم قادرون على أن يضاهوا مكر الله سبحانه وتعالى عمّا يظنون فيملي لهم ويستدرجهم وهم يشعرون بزهو الانتصارات المتلاحقة بينما هم يحفرون قبورهم بأيديهم ويؤججون النار التي ستحرقهم .


المفاجأة:
في غمرة أفراح الانتصارات التي بدأ بنو اسرائيل يحققونها في طريق هدفهم الإستراتيجي إذا هم يفاجأون برجل دين معمم... مسلم ، يظهر على الساحة السياسية الدولية ، ويهدم عرش من أعرق عروش الإمبراطوريات ، وعلى الرغم من أن وجوده ووجود أمثاله ليس مفاجأة ولا ظاهرة غريبة ولا فريدة ، بل ظاهرة معتادة متكررة في الطائفة الدينية التي ينتمي إليها ، لكن الآخرين مصيرهم إما الاستشهاد ( قتلاً أو اغتيالاً أو إعداماً ) وإما النفي والإبعاد ، وإما السجن ؛ أما هذا فحالفته الأقدار ليكون له قدر آخر ،... ذلك هو آية الله الخميني ، تنقل بين أخطر الأماكن للطائفة الشيعية في النجف الأشرف وقم المقدسة ) ثم قصد طهران التي تُمسك بزمام الأمور في قُمّ المدينة الدينية المقدّسة . وكي نعبّر عن شعورهم ، بل نتركهم يعبرون عن شعورهم فيما بعد بلسانهم عن هستيريتهم من هذا الحدث نستمع إليهم - فيما بعد - وهم يطلقون (محور الشر) على هذين البلدين .
بالطبع إن الساذجين والغافلين هم الذين فاتت عليهم ملاحظة المقصود والمغزى ، فظاهراً هما العراق وإيران - العدوان اللدودان تاريخياً ، المتحاربان غالباً ولا يجمع بينهما جامع يمكن أن يجعلهما تحت خيمة التحالف ليطلق عليهما هذا الوصف (محور الشر) - وهو ما أثار استهجان العالم الغربي والشرقي على حد سواء ، لعدم منطقية التهمة ، ولكن العالم غافل بينما اليهود فطنون متحفزون يعرفون مكامن الخطر من دون غيرهم . فليست بغداد وطهران هما المقصودتين ، لا بغداد المدينة اللاهية الفاسدة الحمقاء ولا طهران المفتونة بالإصلاح والإصلاحيين وحوار الحضارات وشملهم قوله تعالى : ) الم * أحسب الناس أن يُتْرَكوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ((32) ، والمقصود هو المدرستان الدينيتان والمؤمنون بعقيدتهم التي منها تقوم الدولة العالمية الإلهية و بها تتحطم الدولة الانقلابية ، أي النجف الأشراف ( الكوفة ) وقم المقدسة .
إذن كانت المفاجأة السيد الخميني ، وهذا يعني أن الخطر الداهم أصبح قريبا وبعض أقدامه توشك أن تطأ ساحة المعركة ، ولابد من العمل السريع ، ودخَل اليهود حالة الاستنفار القصوى وبدأ العمل بالإيعاز إلى ( القنّاصة ) للقيام بعمليات الإجهاض حتى قبل التأكد من حصول الحمل ، وهكذا تمّ تنحية الرئيس العراقي احمد حسن البكر، و إحلال صدام حسين بدلا عنه و إشعال الحرب بين ( العراق وإيران ) القاعدة البشرية والعسكرية والاقتصادية والسياسية للدولة العالمية الإلهية المنتظرة . و المباشرة بخطّة مُحكمة موضوعة مسبقاً . بل إن اليهود لم يطمأنوا إلى عمل ( القنّاصة ) فدخلوا ميدان المعركة صراحة بأخطر المجازفات لتدمير كل ما يمكنهم تدميره من الطرفين . وهكذا كان هجومهم المباغت على المفاعل النووي العراقي عام (1981م) ، خوف وقوعه بأيدي جيوش الدولة العالمية الإلهية مستقبلاً ، وعملوا بكل جد لجعل الحرب طويلة ومدمِّرة ، بل وخططوا لأن تكون النهاية بلا انتصار حاسم لأحد الطرفين ، لأن المنتصر - أيَّا من الطرفين - هو عدو المستقبل وسيعطيه الانتصار زخماً عسكرياً وسياسياً يشكل خطراً على المشروع اليهودي ، وهكذا كانت النهاية فعلاً خسارة الطرفين .
إلا أن طول مدَّة الحرب أعطت للطرفين خبرات قتالية لا يستهان بها وفتحت أمامهما آفاق التطور التكنولوجي العسكري في المجالات جميعها ، و تحديدا في مجال القوّة الجوية والقوّة الصاروخية البالستية بل في مجال أسلحة التدمير الشامل مما أشعل أضواء حمراء جديدة بعد أن ظنّ بنو اسرائيل أنهم ضربوا عصفورين بحجر وأقصَوا الأخطار التي تهدد مشروعهم الإستراتيجي .
وفور انتهاء الحرب بدأ التخطيط السريع لفخ جديد ، فخ لا تقوم لمن يقع فيه قائمة . لتدمير القاعدة البشرية والعسكرية والاقتصادية للدولة العالمية الإلهية التي تقول كل الدلائل إنها تقترب شيئاً فشيئاً ، وهكذا كان التخطيط لـ( عاصفة الصحراء ) أو قُل عاصفة المدن والمدنية .

حـرب الخلـيـج ( عاصفة الصحراء ):
لقد كانت الحرب العراقية - الإيرانية عبارة عن مدرسة للتحليل النفسي والدراسات العسكرية بالنسبة لمعاهد الدراسات الإستراتيجية الأمريكية و الإسرائيلية ، لتعرف من أين تُؤكل الكتف من جهة ، والإمساك من جهة أخرى بحبال الدمى المستعرضة على المسرح لتحريكها بالرقصة التي تناسب المخرج اليهودي ومشاريعه ، فبينما كانت الثورة في إيران تُضمِّد جراح الحرب وتلملم قطع اللوحة الممزقة التي أرادتها نواة وتمهيدا للدولة العالمية الإلهية ، وبينما كانت تبحث عن بدائل أكثر واقعية وأكثر جدوى وأقل خطرا ، أسلمت القيادة العراقية بكل حبالها ليد المخرج ، لتتفرغ هي للتزوق لمهرجان النصر وإعداد بدلات الرقص للانضمام إلى نادي المنتصرين... المنتصرون على أنفسهم لا على غيرهم غافلة عمّا يراد بها ويخطط لها ، كالضبع النائمة على طول اللدم بقصد اصطيادها
انشغلت إيران والقيادة الإيرانية بتدارك وضعها الاقتصادي المتدهور نتيجة الحرب ومعالجة الأوضاع الاجتماعية الناتجة على المستوى الداخلي ، وعلى المستوى الخارجي لم تتخلَّ عن مشروعها الذي تمليه عليها عقيدتها الدينية فكرّست كل جهدها في بديل لِحُلمها المحطم ، توجهت إلى المقاومة الوطنية اللبنانية ، إلى المؤمنين بالعقيدة نفسها وتصفية هذه المقاومة لاستخلاص نخبتها ، فكان ثمرة ذلك دعمها اللامحدود لـ ( حزب الله )… الذراع الطولى والنواة الانشطارية للدولة العالمية الإلهيَّة الموعودة وأخطر ( إرهابي ) تخلقه هذه الدولة كمقدمة لها ، ليكونوا ( أبدال الشام ) .
أما في العراق فكانت الصورة مختلفة تماماً... لم يلتفت إلى شئ من الخراب الاقتصادي ولا الخراب النفسي والمشاكل الاجتماعية التي نتجت عن الحرب. ملايين من المكلفين والاحتياط فقدوا أعمالهم ومهنهم ووظائفهم وعاشوا على رواتب الحرب… ثُمّ تسريحهم ، فوجدوا أنفسهم كما تقول أقصر قصيدة : ( استخدموه - استنفذوه – طرَدُوه ) ، ثم تمزيق كل الشعارات الفسفورية عن بطولة المقاتلين وكرم الشهداء ، صمتت الأبواق التي تمجِّد الصقور والنسور والليوث والأسود ، وصدحت الأبواق التي تغني للقائد المنتصر ، وغرقت المدن والقرى بالعاطلين عن العمل الذين لم تكترث القيادة لكل تضحياتهم ورمت بهم في الشوارع ليصارعوا من أجل لُقمة العيش المفقودة ، في وقت كانوا بحاجة إلى معالجة أوضاعهم النفسية المتعبة نتيجة الحرب الشرسة الطويلة ، أما داخل المؤسسة العسكرية فقد تم طرد كبار القادة والضباط واغتيال عدد منهم بحوادث مدبَّرة أو مفضوحة أحياناً ولم ينجُ حتى وزير الدفاع من الاغتيال وبعض قادة الفرق المهمة ، لِمَا لهم من شعبية داخل الجيش أو على الصعيد الشعبي وأثرهم في قيادة المعارك أثناء الحرب ، بينما أُحيل على التقاعد خِيرة الضباط والقادة الآخرين ، كل ذلك لأنهم أصبحوا يشكلون خطرا موهوما على عرش السلطة الخائف دائماً والمهووس بعقدة المؤامرة . ولم تشفع كل أطباق الأوسمة والأنواط المثقلة بها صدورهم لم تشفع بتزكيتهم ، ولم تشفع بتوفير لقمة العيش لهم . وأصبح منظراً مألوفاً أنْ تجدَ قادةً كبارا في الجيش يعيشون من بيع السجائر في أكشاك كارتونية على طرقات المدينة ، أو يعملون صنّاعا في محلات بعض الجنود الذين كانوا تحت إمرتهم .
ومن عزّت عليه كرامته العسكرية لتمنعه من ذلك بقي قابعاً في بيته يبكي على ليلاه ، أما الذين ساعدتهم الأقدار من القادة فهم الذين ركبوا سيارات المكرمة ( أي الرشوة ) يجوبون الطرقات ليلاً ونهاراً كأصحاب تاكسي ليجدوا من يستأجرهم بأجور مخفضّة ليعود بـ (عِلاّقة* الخضروات ) وعلبة سجائر ، وهو حلم أحياناً يتحقق وأحيانا يبقى مجرد حلم ، أما على الصعيد المدني فقد اتخذت إجراءات لمعالجة الوضع النفسي للمجتمع ومحو آثار الحرب بنشر الملاهي الليلية والمراقص والبارات ونوادي الخمور حتى أصبح بين كل ملهى وملهى، ملهى . وبين كل مرقص ومرقص ، مرقص ، والبارات والنوادي زاحمت محلات بيع الخبز والغذاء ، وغصّت الملاهي والمراقص بالفتيات الضائعات من صغار السن في أغلب المدن وفي بغداد بشكل يثير التقزز والقرف ، أغلب الفتيات ممن فقدْنَ أولياء أمورهن في الحرب ولم يبقَ من ولي أمر يحرص على تربيتهن وإعالتهن فتم إغراؤهن لهذا الطريق القذر ، الروَّاد الأوائل كانوا أثرياء الحرب ، ثم اقتحم تلك الأماكن لاحقاً ضحايا الحرب من الشباب المدمر بجيوبهم الفارغة ، ومعدهم الخاوية ، وأيديهم التي تعودت على القتل والدماء في الحرب ، ونفوسهم التي حُرِمت من كل حقوقها المدنية ، فأورَقت الجريمة كخضراء الدمن في المجتمع .. جرائم القتل والاغتصاب والسطو المسلّح والسرقات ، ثم مافيات خطيرة تريد الانتقام... الانتقام لنفسها من الخدعة التي خدعت بها (التضحية من أجل الوطن) ليصبح هذا الشعار أطرف طرفة تثير سخريتهم وضحكهم الشبيه بالبكاء والعواء .
في ظِل هذه الظروف والأوضاع المتهرئة تم التخطيط لـ( عاصفة الصحراء ) لذبح الديك المريض ، الذي يضع على ذيله ريش الطاووس ، بإغرائه بأفخاذ الدجاجة الكويتية ، لتكون آخر قفزة يقفزها .
ولاحت في الأُفق معالم هبوب عاصفة الصحراء ، والذين يريدون الثأر والانتقام كثيرون... كان أخطرهم الجيش الذي غُدِر به توَّاً ؛ جيش الاحتياط والمكلفين الذين يناهز مقدارهم المليون ، الذين قاتل بعضهم أكثر من مدَّة الحرب نفسها كانت المواليد قد خدمتْ في الجيش ثلاث عشرة سنة ، ثم تنازلياً من هذا الرقم الخرافي بالنسبة لمكلف يتحول إلى احتياط بلا هنيهة راحة ، وهم يشكلون الأركان الواسعة والمهمة في الجيش بخبرتهم ومقدراتهم الفنية والعلمية ، حيث إن أغلبهم خريجو جامعات ومعاهد وإعداديات ، أداروا الآلة العسكرية بمهارة وقدرة وكفائة أثناء الحرب مع إيران ، ثم عوملوا عند نهاية الحرب كمرتزقة أجانب قبضوا أجورهم مقدَّماً وانتهى الأمر .
ثم كانت قيادات عسكرية شابَّة ليست لها خبرة يعتد بها ، تسلَّقوا المناصب العسكرية في الحرب على أساس المحسوبية والقرابة والطائفية والعشائرية وأثقلت صدورهم بالأنواط والأوسمة ليكونوا فقط العَين الرقيبة على الجيش الذي لم تطمأن القيادة أبداً لولائه ، على الرغم من كل شهادات حسن السلوك وصدق المواقف الوطنية والتضحيات الجسيمة التي قدمها أثناء الحرب . بل كانت الخيانة مغروسة في نفوس بعضٍ من هؤلاء لأنهم كما يتم شراؤهم بالمال والرشاوى، يكون هناك من يدفع ما هو أكثر إغراءً ، بل إن وزير الدفاع نفسه - الذي عُيّن بديلاً للوزير الذي اغتالوه - خان القصر والقيصر والعائلة المالكة فور توقف الحرب وظهور العسر ، وهرب ببناتها إلى الأردن* .
أما الاستعداد الحقيقي للمواجهة فيمكن معرفة جدِّيته ، من خلال تهريب الطائرات المقاتلة والقاصفة المتطورة إلى بلدان الجوار وطمر الباقي في الملاجئ وكأن الحرب ستكون بالسلاح الأبيض ، فهل حقيقةً هناك حرب ؟ وإذا كانت هناك حرب فمن هو المستهدف بها ؟ إذا كانت القيادة لا تملك جيشا بمعنى الكلمة وأودعت سلاحها لدى دول أخرى في إيران والأردن واليمن والسودان فمَنْ هي أطراف الحرب ومَنْ هو العدو المستهدف ؟
يمكن ملاحظة العبارة الأولى من الخطاب الأول للرئيس العراقي بعد بدء الحرب بساعات ( لقد غدر الغادرون ) ، إنها أول عبارة ابتدأ صدام بها خطابه الأول ، والغدر لا يكون إلا من أحد طرفي اتفاق ، وإلا فالحرب هي الحرب ، سواء أكانت خدعةً أم مكشوفة ؟ فمن غدر بمن ؟ وما الذي كانوا قد اتفقوا عليه ، ليسمى ما وقع غدراً ؟
لقد كانت هذه الحرب هي المرحلة الأخطر فيما أعده الانقلابيون فيما يسمى بالحرب الوقائية ، المستهدف فيها هو الجيش العراقي - الذي تعاملت معه القيادة بكل هذا الاحتقار - المستهدف هو الاقتصاد العراقي - الكتلة البشرية العراقية - الموقع العراقي - الإرادة العراقية ، الإيمان العراقي ، شعور العراقي بالانتماء إلى وطنه ودينه وعقيدته ، على أنْ يبقى عرش السلطة سالماً لا يُمس ، وبذلك يتم تدمير المشروع الإلهي بإقامة الدولة العالمية ، أو على الأقل دفعه إلى أجل غير مسمى . ولكن الطرف الآخر غدر ، وشمل القيادة العراقية والقصور الرئاسية بالضربة لتكون المسرحية مقنعة أكثر . ولضمان ولاء( الحسن البصري** ) ، و" آه مما يتقلّب هذا الحسن البصري" ، كما يقول ( مظفر النواب***).
على أيِّ حال ، بدأَتْ عاصفة الصحراء ( أم المعارك ، أو أم المضاحك ) إن شئت ، في جلبةٍ وفوضى شديدة وكأنها الراجفة ، لتصيب من يريد أن يسمع بالصمم، ومن يريد أن يتحدث بالبكم ، ومن يريد أن يعترض بالشلل، حتى توقفت صواعقها عن خراب وليس شئ سوى الخراب، لتستعرض الطائرات الأمريكية استعراضاتها المتغطرسة في سماء بغداد وأجواء عراقية أخرى ، وهي تكتب بالدخان الأبيض كلمة ( بوش ) باللغة الإنجليزية طبعاً . وعند ذلك فقط اكفهرّت وجوه بعض علماء الدين العارفين ، وتمتم أحدهم ( إنَّا بالله عائذون) . عندما تساءلنا عن معنى ذلك وما وراء ذلك قال : ( ألا ترون أنه بلاء بوش… الآن انكشف الأمر )، وقد كان الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) قال : " الفتن ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات " . نعم نحن الآن في بلاء بوش ، أو ( بلا بُوْش ) كما تعوَّدنا عليه في لهجتنا العامية العراقية .
لقد كان من الوسائل التي استخدمها صدام ـ أو "صلاّم" ـ مع أجهزته و أبواقه الكثير من وسائل الخداع و المكر و التضليل ، وكان مما يتلاعب به بمشاعر الناس ، ليحثهم على الذهاب إلى جبهة القتال مع إيران ، شعارات لم يكن يؤمن بها إطلاقا ، كقوله "الشهداء أكرم منا جميعا" ، و من ذلك : قام بجمع الفنانين المعماريين وأمرهم أن يشحذوا عقولهم لإقامة نصب تذكاري للشهداء سماه "نصب الشهيد" ، وهو عبارة عن قبة غبراء من الخارج ، و فلاتها حمراء تمثل " ترس" أو خوذة عسكرية للشهيد المرحوم ! و تحيط بهذه القبة مجموعة من الخزعبلات التي تدور في عقول " الفنانين " ، يمثل اللون الأغبر للقبة لون الترس أو خوذة الرأس الغبراء اللون ، وفلاتها و فضائها ، احمر بلون دم الشهيد المرحوم .
و لنرى ما وراء هذه القبة الغبراء ذات الفلاة الحمراء ! نفتح ملفات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال في خطبة ( اللؤلؤة ) ، في حديث مرفوع عن علقمة بن قيس ، قال : خطبنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) على منبر الكوفة خطبة اللؤلؤة ، فقال فيما قال في آخرها :
( ألا و إني ظاعن عن قريب ، و منطلق إلى مغيب ، فارتقبوا الفتنة الأموية ، و المملكة الكسروية ...إلى أن قال : و تبنى مدينة يقال لها الزوراء ، بين دجلة و دجيل و الفرات ، فلو رأيتموها مشيدة بالجص و الآجر ، و مزخرفة بالذهب و الفضة و اللازورد المستقى و المرمر و الرخام ، و أبواب العاج و الأبنوس ، و الخيام و القباب و الشارات ، وقد عليت بالساج و العرعر و الصنوبر و المشث ، و شيدت بالقصور ، و توالت عليها ملوك بني شيصبان ، أربعة و عشرون ملكا على عدد سني الملك ، فيهم السفاح ، و المقلاص ، و الجموح ، و الخدوع ، و المظفر ، و الوثب والنظار ، والكسور ، و المهور ، و العيار ، و المصطلم ، و المستصعب ، و الغلام ، و ألرهباني ، و الخليع ، و اليسار ، و المترف ، و الكديد ، و الاكتب ، و المسرف ، و الاكلب ، و الوشيم ، و الصلاّم ، و الفسوق، و تُعمـل القـبة الغبـراء ذات الفـلاة الحمـراء ، و في عقيبها قائم الحق ، يسفر عن وجهه بين أجنحة الأقاليم ، كالقمر المضيء بين الكواكب الدري .
ألا و إن لخروجه علامات عشرا ، أولها : طلوع الكوكب ذي الذنب ، و يقارب من الجاري ، و يقع فيه هرج و مرج و شغب ، وتلك علامة الخصب ، و من العلامة إلى العلامة عجب ، فإذا انقضت العلامات العشر ، إذ ذاك يظهر بنا القمر الأزهر ، و تمت كلمة الإخلاص لله على التوحيد . ) (33)

البــلاء الشــامـل:
لقد كان من العادات الشائعة والمألوفة لدى الشعب العراقي في المحافظات الوسطى والجنوبية خاصّةً أي التي تعتنق المذهب الشيعي إقامة الاحتفالات الدينية في شهر محرم والعشرة الأولى من شهر صفر ، وهي أيام مقتل الإمام الحسين عليه السلام ثم سبي عائلته إلى الشام ثم عودة الأسرى ودفن رؤوس الشهداء ، وكان طيلة هذه الأيام تقام شعائر العزاء التي تتخللها الخطب الدينية والمحاضرات الدينية والتطرق إلى أحداث ألطف بشكل عام ومن وجوه متعددة ، وكان الوعّاظ الدينيون يتناولون فيها الملاحم والفتن التي تمر بها الأمَّة الإسلامية والبشرية وبعض البلاد المخصوصة بالبلاء ، لتزجر الناس وتردعهم عن المعاصي وتدعوهم إلى التوبة والاستغفار والتمسك بالدين للنجاة من الهلكة ، وكان فيما توارثته الأبناء عن الآباء أمر في غاية السوء اسمه ( بلاء بوش ) .
ودرج العاميون على لفظة ( بلا بوش ) وحين مُنعت مثل تلك الشعائر أوائل السبعينات وانقطع الوعاظ عن مواعظهم بقيت أصداء تلك المواعظ وما فيها من أخبار الغيوب وما سيحصل في مستقبل الزمان أشبه بالحكايات الشعبية التي توارثتها الأجيال . ومما كان من أسلافنا أنْ يدعوا بعضهم على بعض حين المشاجرة والخصومات بأدعية تجلب لهم السوء ، من تلك الأدعية أنْ يصيبهم ( بلا بوش ) ، بل كانوا يدعون به أحياناً على الحيوانات التي تثير سخطهم ومتاعبهم . الذين عايشنا منهم في الستينيات عندما كنّا نسألهم عن معنى ( بلا بوش ) الكلمة الغريبة عن لغتنا ، كانوا يقولون إنه سوء شديد يصيب الحرث والنسل ، والزرع والضرع ، ولم يكن يخلد في بال أحدهم أن يكون أبناؤه ضحية هذا البلاء الشامل ، لكنهم كانوا يعرفون أنه بلاء شامل ، لا يشمل كل نواحي الحياة وحدها ، بل يصيب المسلمين جميعهم ومن ثم يصيب كل أهل الأرض . كما لم يكن في بال أحد أن بوش اللعين هذا هو رجل أمريكي يصبح رئيساً ، وله ولد أشد منه لعنة يكون رئيساً هو الآخر ، إلا أن المصدر الوحيد الذي يذكره بالاسم ، كما يذكر أسماء أخرى كثيرة ، هو " الجفر" وليس تحت يدنا منه إلا القليل .
ففي ينابيع المودة ، قال حذيفة : ( والله ما ترك رسول الله (ص) من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا وقد سماه لنا بإسمه واسم أبيه واسم قبيلته ) (34) .
وأما أمير المؤمنين عليه السلام فقد قال : ( فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها ، وقائدها وسائقها ، ومناخ ركابها ومحط رحالها ، ومن يقتل من أهلها قتلا ، ومن يموت منهم موتا . ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الأمور ، وحوازب الخطوب ، لأطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسئولين . وذلك إذا قلصت حربكم ، وشمرت عن ساق ، وضاقت الدنيا عليكم ضيقا تستطيلون معه أيام البلاء عليكم حتى يفتح الله لبقية الأبرار منكم ) (35) . فهو عليه السلام يخبر عن كل قائد وناعق وسائق للفتنة التي يبلغ عدد جماعتها مائة وليس ثلاثمائة . ولا ينبئنك مثل خبير ، ومن هنا وصل إلينا خبر ( بلابوش ) .
وهكذا كان بِدء البلاء بالعراق ثم امتد إلى دول الخليج التي فقدت استقلالها وثرواتها ، ولتكون اليد العربية قد تلطخت بدماء العراقيين . الجيوش العربية من مصرية وسورية وخليجية التي عجزت أن تكون لها كلمة موحّدة في مواجهة ( إسرائيل ) ، فجأة تنتفض فيها الغيرة اليعربية والشهامة القومية وغريزة الدفاع عن حقوق الإنسان وعن الديمقراطية والتحضر وتتحول إلى ليث ضارٍ ، واضعاً على رأسه نجمة داود لزيادة الأجر وحصول البركة ، وهو يلعق لسان شهوته لفريسة عراقية تبدو دسمة وشهيّة ، بل بدأ البلاء لتكون الحرب هي المفتاح الشرعي لإعادة التجربة ضد ليبيا ثم السودان ثم لبنان المقاومة . ثم لتكون الحرب هي المسمار الأخير الذي يدق في نعش الشيوعية وتمزيق الجمهوريات السوفيتية . وإثارة تمرّد بعضها على بعض ، لتمزيق دول حلف وارشوا وإعادة ترتيب ربط أطراف بعضها ببعض ، ومعاقبة العاقّين منهم كالرئيس الألماني الشرقي* على الرغم من التوبة والندم لكنها توبة بعد فوات الأوان . بدأ البلاء بإعلان الأحزاب اليسارية الأوربية بإعلان التوبة وطلب الغفران والندم عمّا كان ، بدأ البلاء بإعلان الأحزاب الإسلامية الأصولية ، البراءة من الإسلام وطلب المغفرة وإعلان علمانيتها في تركية وأكثر الدول الإسلامية والعربية . وبدأ البلاء بتسابق ماراثوني راكض لتقديم الولاء للصهيونية وطلب الحصول على شهادة حسن السلوك من الصهيونية سواء الولاء للصهيونية في إسرائيل أو في أذرعها الضارية في الولايات المتحدة . وبدأ البلاء بتقديم القرابين للتمساح الذي لا يشبع ويريد كل يوم قرباناً فريسة وشهيته تزداد خطورة ، وآخر القرابين بعد العراق وليبيا والسودان والصومال ويوغسلافيا كانت أفغانستان ، الجسد المريض بفقر الدم ، ولكن التمساح لا يريد هذه الأجساد المريضة ، يريد أجساد متعافية دسمة مثل أوربا واليابان والصين وروسيا ، بل يشتهي أحيانا فريسة معاندة ومقاومة لتثير ساديته مثل كوبا وكوريا الشمالية وإيران ، انه تمساح يريد أن يأكل كل العالم ليقف في النهاية وحده ويصرخ بالموجودات ( أنا ربكم الأعلى ) .

العـــولــمة :
لقد تفاجأ قادة الانقلابيين بكل هذا الولاء والطاعة العمياء من العالم بعد عاصفة البلاء الصحراوية ووجدوا أن الذي تحقق لهم أكبر مما توقعوا وهنا وقفوا لبرهة مذهولين ماذا يعملون بهذا العالم الذي تراكض عليهم كربيضة الغنم يسألون الولاية والإمامة خوفاً من بطشه وجبروته وغضبه . وسريعاً بحثوا في جيوبهم وفي سلة مهملاتهم عن عنوان جديد يقنعون به مشروعهم اللئيم فكانوا أقل ذكاء مما يبدون ولم يجدوا أفضل من شعار الأممية بمضمونه وبلفظ مُختلف ( العولمة ) ، عادوا إلى المشروع الذي قاتلوا عشرات السنين من أجل القضاء عليه . لم يكونوا أبدا يتوقعون أن تندحر الشيوعية الأممية بهذه السهولة واليسر من دون خوض حرب صغيرة معها... انهارت خوفاً من حرب الخليج وبالحرب النفسية والإعلامية التي لا تعرف الكلل والملل ، بالثبات والصبر على الأكاذيب والافتراءات والتشويهات .. نعتوا الشيوعية الأممية بكل الصفات التي تطلق على الخنازير والقردة والوحوش آكلة البشر ، وحين فاضت روحها ، دفنت جثمانها ، لترفع شعارها من جديد بشكل مطوّر خالي من العيوب والثغرات ، كانت الشيوعية الأممية تبدو أكثر إنسانية ، ومضامينها أكثر أخلاقية ، كان هذا هو الخلل الذي جعلها لا تصلح لأن تكون ملائمة للمشروع اليهودي ودولته العالمية الانقلابية ، كانت الشيوعية تعتمد قاعدتها على الجموع الغفيرة التي تسير بلا مصباح ومفكرون يثرثرون كثيراً ، وديدان . اكتشفت القيادة العُليا أن هؤلاء خطر على مشروعها . المشروع بحاجة إلى أن تكون القيادة دكتاتورية مستبدّة لا يناقشها أحد في أمر ولا مشورة لأحد في أمر ، على الجميع أن ينفّذ من دون أن يسأل . إن القيادة هم شعب الله المختار... هم أبناء الله وأحبّاؤه ، الابن الذي جعله أبوه ولي عهده وخوله كل الصلاحيات ، والابن ولي العهد الآن ، وله تقوم العبادة والطاعة ومنه تطلب المغفرة وإليه تقدم القرابين ، هو الذي يثيب ويعاقب ، أبناء الله وأحباؤه لا يريدون أن يُقال لهم كيف ؟ ولماذا ؟ وأين ؟ ومتى ؟ الأسئلة الكثيرة تفسد الطاعة، والأسئلة بحاجة إلى ردود ، والردود قد لا تعجب بعض السائلين أو لا ترضي بعضهم الآخر ، لذا يجب أن لا تسأل ، و بدأت تتشكل منظمات سرية في الولايات المتحدة خاصة ، لا احد يستطيع استجوابها أو التحقيق معها أو معرفة عقيدتها ، لأنها هي رأس السلطة و رأس المخابرات وفوق القانون و المسائلة ، بل هي القانون الدولي الجديد .

الحرب ضد الإرهاب :
بعد حرب الخليج أصبحت الساحة العالمية كلها مكشوفة أمام قادة الانقلابيين يدخلون إلى حيث يشاءون ويخرجون من دون أن يجرأ أحد أن يسألهم ماذا تحملون، وكان الهدف الذي أعطوه الأولوية القصوى هو البحث عن الجديد الذي ليس بحوزتهم من المعلومات عن الدولة العالمية الإلهية . التي كانوا يعرفون عنها الكثير ، كان الميدان الخصب والأسهل طبعاً هو العراق وخصصوا فرقة خاصة من المخابرات لهذا الغرض، وكان من السهل أن تجد لها كثير من العملاء والمتطوعين من الذين عصفت بهم العاصفة ومن الانقلابيين أيضا . وكان الهدف طبعاً هي الكتب والمكتبات المتعلقة بالموضوع... تمّ الاستيلاء على مكتبة ضخمة جداً من الكتب اليهودية القديمة في الكفل قرب النجف في مرقد النبي ذي الكفل (عليه السلام) فيها عدد ضخم من الكتب اليهودية التي تسمى كتب النبوءات التي تتحدث عن مستقبل الزمان، مع عدد ضخم من الكتب الإسلامية المهمة وتم الحصول على كتب مهمة من الحوزة العلمية في النجف التي هي الأخطر والتي فيها المعلومات الأهم . أهم الذين شحن هذه المكتبات إلى إسرائيل هو الرجل الأخطر في حماية الرئيس العراقي بسبب قرابته من الرئيس وصلاحياته غير المحدودة . إنه ( أرشد ياسين ) الذي شكل مافيا خاصة لتهريب الآثار المهمة والنفيسة إلى إسرائيل والغرب . بل أوثق وأهم مصدر للقرآن الكريم تمت سرقته من الحوزة العلمية - وهو قرآن بخط الإمام علي (عليه السلام) وتم شحنه إلى إسرائيل ، ألقت عليه القبض المخابرات العراقية في المركز الحدودي مع الأردن . ويبدو أن ضابط المخابرات في المركز الحدودي كان غافلاً عمّا يجري وإلا غض الطرف . ثم انقطعت المعلومات عن هذا الكتاب المهم والخطير ، في التحقيق الأولي في المركز الحدودي قال المهربون إن إسرائيل تريد تزويره بالليزر بحذف أشياء وإضافة أشياء وإنها دفعت مبلغاً خيالياً مقابل الحصول عليه… ، ويبدو أنهم أيضا غافلون عن هدف إسرائيل الحقيقي . على أية حال أن المعلومات الجديدة والمفصلة بتحليلها ومطابقتها مع الواقع كشف للانقلابيين ، للقادة بشكل خاص ولبعض الفرق الأخرى عموماً ، أنهم استدرجوا إلى حقل ألغام أحاط بهم من كل جانب زرعته الدولة العالمية الإلهية وراعيها ( جلّت حكمته ) ، فجنَّ جنونهم وأخذ الرعب منهم كل مأخذ وأدركوا أنهم يسيرون إلى نهاياتهم المفجعة( بالنسبة لهم ) فأصبحوا يتصرفون كالثور الهائج لا يدري ماذا ينطح ، وأوعزوا إلى( القنّاصة على البنايات العالية ) أن يبدؤوا فوراً بتنفيذ الخطط التي رسمت لهم . تم تشديد القبضة على الشعب العراقي حتى أصبحت خانقة، وأصبحت الأمور في العراق تتحكم بها حاجبا بوش ( الأب ) ، فإذا كانت مقطبتان انتشر الفزع والهلع وارتفعت الأسعار واختفت البضائع ، وإذا كانتا مُرتخيتان ارتخت معها عضلات التوتر وانفرجت الأمور نسبياً ، ولذلك كان بوش دائماً ما يعقد حاجبيه.
وفي لبنان تم إشعال الجبهة على المقاومة حتى تجاوزت الضربات العنيفة كل الجنوب اللبناني إلى بيروت والمدن الأخرى وكان استهداف ( حزب الله ) بشكل خاص . وفي الجزائر تمت الإطاحة بمسرحية الديمقراطية التي جاءت بالإسلاميين سلماً إلى الحكم عن طريق الانتخابات ، عندما اكتشفوا أن الديمقراطية تسبب عسر هضم لهذا البلد ، فأوقدوا نيران الشواء والمذابح ليعلن الجزائريون براءتهم من الدين والديانة . وفي السودان كان جماعة الأخوان بدءوا يكسبون الساحة الشعبية وبدأ الفكر الديني يشكل خطراً ، فتم وضعها بين مطرقة القيادة وسندان المتمردين ، وكُشف مؤخراً عن اتفاقات مكتوبة قدّمها ( حسن الترابي ) للرئيس الأمريكي بالتعاون الكامل والإخلاص التام ، مما يكشف سيطرة هذه المنظمات السرية على قيادات الحركات المعارضة لها، بينما كانت القواعد مغفلة تماما و تصدق بأكاذيب قياداتها المشبوهة ، أما في ليبيا فاكتشف الانقلابيون أن أرواحهم بدوية متعصبة ولا يمكنها أن تنسى الثأر ، وانتفضت أرواح ركّاب طائرة ( لوكربي ) تطالب بالانتقام والموت لليبيا ، بعد سنين قضتها في حياة البرزخ هادئة ساكنة ، فقدم الرئيس الليبي مشروعه المثير للضحك بدعوته لقيام دولة ( اسراطين ) .
أما في الصومال فانه وان كان قرناً أفريقيا واحداً ، لكن ذوات القرن الواحد لا يعني أنها ليست خطيرة ، ويجب أن يُكسر قرنها لتكون من الدواجن فتم غزوه وإثارة الحروب الداخلية فيه . أما في مصر فأصبحت الديمقراطية والحضارة الفرعونية في خطر شديد ، وكانت حقوق الإنسان تتعالى استغاثاتها وتستنصر نظام الحكم لينتصر لها ، واستجاب الرئيس مبارك مضطراً لنداء الحق بشن حرب اعتقالات واغتيالات وإعدامات في صفوف الأعداء المسلمين الذين كانوا( الإخوان المسلمين ) .
أما في إيران فأعادوا معها التجربة الباهرة النجاح نفسها مع الاتحاد السوفيتي فجاءوا بـ( غورباتشوف ) إيراني يدعو للإصلاح وحوار الحضارات ، لجعل المرشد الأعلى السيد الخامنئي الذي يمثل امتداد الثورة ، يقاتل بيد جذاء أو يخوض في فتنة ظلماء أو يصبر على طخية عمياء ، ولكنه مع ذلك بقي كما يبدو كالقادر على استخدام الفيتو إذا اشتد الخطر .
أما في العراق وما أدراك ما العراق ، الذي لا يمكن إفلات القبضة عن عنقه أبدا ، فقد أثمرت الفتنه والبلاء الشامل ، عن صحوة دينية ومحاولة إصلاح النفوس ، فقامت حملة دينية قادها علماء دين من الحوزة ودق ناقوس الخطر وظهر من بين العلماء أعمقهم وأثبتهم جناناً وأخشعهم قلباً لله ، حمل لواء الإيمان فانقادت إليه الجماهير كأفراخ الدجاج وراء أمها ، يركضون إليه ركضاً ، وأقام الصلوات في الشوارع وملاعب كرة القدم ، بعد أن غصت بهم المساجد وبلغ المأتمون به عِدَّة ملايين في أنحاء العراق جميعه ، وجن جنون الانقلابيين، إذ أصبح هو القائد الفعلي للجماهير وليس المرجع الأعلى للحوزة العلمية في النجف فقط ، وتمادى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتبشير بالدولة العالمية الإلهية فأعلنت الحرب - حرب الاغتيالات - اغتالوا عددا كبيرا من أفاضل العلماء من حوله فلم يرتدع ولم يرهب ، فتم تمزيقه مع ولديه في سيارته الخارجة توّاً من صلاة المغرب ، ذلك كان السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر ، وتم ذلك بقيادة ميدانية مباشرة من النجل الأصغر للرئيس ، انه ( قُصي ) المجاهد الأصغر ضد المشركين بإله العرش العراقي .
أما في يوغسلافيا والبلقان فإنهم لم يؤمنوا بموت الآلهة ، وظلوا على طاعتهم للإله الشيوعي الميت ، فكان من الواجب لأن يروا جحيم الإله الإمبريالي ليؤمنوا بجنته ، ففتحوا لهم أبواب الجحيم كما هو ، واقتادوا أشدهم للإمبرياليين عصيّاً ، إلى يوم الحساب في لاهاي*.
أما الفِراء الذي في جوفه كل الصيد فهو أم القرى ومن حولها ، وكانت العلاقة الأمريكية مع دول الخليج عامةً ، والمملكة السعودية خاصةً ، كالعلاقة بين الغانية وحارسها المفتون بها ، فلا هي بالقادرة على الاستغناء عنه ، ولا هي الراضية به كل الرضا ، وكان من الطبيعي أن تثير هذه العلاقة غِيرة بعض الأولاد ، ولمَّا لم تتعوَّد المملكة على وجود معارضة ، لرضا العامة بالحياة الرغيدة التي يعيشونها ، فان مروق أي معارض يمكن أن يكون ملفت للانتباه ، ظهرت المعارضة في المملكة بعد توقف العاصفة وانجلاء الموقف ، بعد أن صمَّت الأذانَ طبولُ الحرب وأعمى الأبصارَ غبارُها، وبعد أن تمّ تصوير العراق على أنه الحوت الذي يريد ابتلاع الخليج ، تنبّهت الجماهير للعبة الانقلابيين وأهدافهم ، فتململت النفوس ، ثم تذمّرت ، ثم غضبت، وكان تفجير المجمع السكني والمخابراتي الأمريكي في ( منطقة الخبَر ) ، وظهرت صورة المعارض ( أسامة بن لادن ) كمدبر للعملية . ثم ترادفت الإنذارات عن عمليات أخرى ، وبدأت صورة ابن لادن تخطف القلوب المملوءة قيحاً ضد الأمريكيين ، وينتظرون منتقما يشفي غيض صدورهم .
[ حوالي نهاية العام 1989 ، وبعد الانسحاب السوفيتي من أفغانستان ، ذهب إلى المملكة في زيارة عادية ... لقد أربك النظام بإلقائه محاضرات وخطبا تحذر من غزو وشيك يقوم به صدام حسين ، في ذلك الوقت كان النظام على علاقة جيدة جدا مع صدام .
ليس أسامة بن لادن ـ على الإطلاق ـ تعبيرا عن تمرد تقدمي ضد المملكة السعودية وحماتها ، بل يحمل راية الايديولوجيا الوهابية الأكثر رجعية ، أي النسخة الأكثر تطرفا من الايديولوجيا السائدة في المملكة ] (36)
كانت الدول العربية عموماً و الخليجية خصوصا، لعبت مع معارضيها المتعقلين اللعبة نفسها التي لعبتها أوربا مع اليهود قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها ، والطرفان لم يدركوا عواقب أعمالهم ، كانت أوربا قد ضاقت ذرعاً باليهود ومؤامراتهم واحتكاراتهم ومكرهم وخبث سرائرهم وسوء ضمائرهم ، فقررت أوربا التعاطي معهم كالمتعاطف معهم ، المشفق عليهم ، المؤمن بقضيتهم ـ على أن لهم قضية ـ فزودوهم بالأموال والسلاح وكل أشكال الدعم غير المحدود لدفعهم إلى فلسطين للتخلص منهم بسلام وهدوء .
وعملت الدول العربية والخليجية خاصةً ، إلى مباركة روح المقاومة والجهاد في سبيل الدين لدى معارضيها ، بعد أن أدركت أن لديهم طاقات كامنة لا يمكن التكهن بوقت انفجارها أو نزع فتيلها ، وتم التعامل معها برعاية الأب الماكر لابنه المتهوّر الناقم ، فوافقوهم على روحهم الجهاديَّة ومسحوا على رؤوسهم لزيادة البركات ، ودعوا لهم دعاءً عريضاً أن يرزقوا الشهادة ويفوزوا بالجنّة - ولكن أين ؟… أين مسرح جهادهم ؟… ، الانقلابيون قيادةً وعرباً يحلفون أغلظ الأيمان أن بيضة الإسلام في كهوف تورا بورا وقندهار وقنديز ، أما في فلسطين التي تلوكها الفك الإسرائيلية ويدوِّرها اللسان من فك إلى فك ، أما لبنان الجسد الشهي للإسرائيليين الذين يقضمون كل مدَّة عضواً من أعضائه ويلعقون ما يسيل من دمه ... هؤلاء أبناء عمِّنا يعقوب عليه السلام ، وأما القوات الأمريكية ، التي جعلت المنطقة العربية ومياهها قواعد عسكرية فهؤلاء أبناء عمِّنا إسحاق عليه السلام وهم كتابيون لا يجوز محاربتهم وهم موحدون لا يجوز إغضابهم ... أما الجهاد في سبيل الله والفوز بالدرجات العلا من الجنّة فمصداقها الوحيد في جبال أفغانستان الوعرة وأراضيها المقفرَة إلا من الثلوج والأفاعي ، لدحر المحتل السوفيتي الذي لا يؤمن بالله ، وبدأت صكوك الغفران تحررها المصارف السعودية والخليجية ، ومفاتيح الجنان تصنعها المخابرات المركزية والقواعد العسكرية ومصانع الأسلحة الأمريكية ، وتشحن إلى جبال أفغانستان وكهوفها - إلى دار الهجرة ، إلى يثرب الأفغانية ، ليتقوى هناك عمود الدين ، ليس تخلّصاً من مشركي مكة وأجلافها ، بل لخوض الحرب ضد السوفيت نيابة عن الولايات المتحدة وكذلك لنشر العقيدة الوهابية ، والانطلاق منها ليس لفتح مكة ، بل لفتح العالم .
[ وإذا كان ابن سعود قد اختار من جهته ، أن يعطي الأفضلية للتحالف مع واشنطن ، فذلك ليس فقط بسبب حيطته ضد البريطانيين ـ الذين كان قد قاتل حليفتهم العربية الرئيسية ، السلالة الهاشمية ، منافسة آل سعود ، فمع أن ابن سعود قضى على مملكتهم في الحجاز ، الا ان هذه السلالة كانت تتولى السلطة آنذاك في العراق وشرقي الاردن ـ بل كان الاختيار الامريكي ناجما ايضا عن " تجانس اختياري" ، انه الفرق بين لقاءي كل من فرانكلن روزفلت ، وونستون تشرشل بابن سعود عام 1945 ، وتفصل بينهما ثلاثة ايام ، ففي حين اصرّ الرئيس الامريكي على ابداء احترامه للقناعات الدينية لمحاوره السعودي ، اصرّ رئيس الوزراء البريطاني على ان يشرب الخمر ويدخن السيجار بحضور ضيفه الملكي المتزمت . هذه القصة تكشف دلاليا اختلافا مهما بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة : كانت طائفة الطهريين البرسبيتارية المتشددة ،التي تشترك مع الوهابية باكثر من سمة ، قد تعرضت لاضطهاد الملكية الانكليزية في القرنين السادس عشر والسابع عشر ، وشكلت احد المصادر البشرية الاولى للاستعمار الاوربي لامريكا الشمالية . ] (37) .
وبدأت الغزوات بتدمير المدمرة الأمريكية (كول ) في اليمن ، ثم محاولات استهدفت التواجد الأمريكي في السعودية مرّة أخرى ولكن لم يحالفها الحظ ، ثم عاد الانقلابيون مرة أخرى إلى العراق* لتدمير ما يمكن تدميره من جديد ، تلاه تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام ،. ثمّ مصنع الشفاء للأدوية في السودان ، وتحويل الصراع إلى حرب مكشوفة وخفية وصولاً إلى أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 وتفجير مبنى التجارة العالمية ومبنى وزارة الدفاع في الولايات المتحدة ، وبالطبع نحن لا نرفع تقريراً عسكرياً لنخوض في التفاصيل أو حتى في مجرى الأحداث ، ولكننا نأخذ بقدر ما يهمنا من هذه الأمور في موضوع البحث لاستكشاف ما وراء هذه الأحداث والتدابير من الدوافع ، ثم لنعرف في أي مرحلة نحن من مراحل الصراع ، وهنا لا بد أن نختصر ونقفز إلى أحداث الحادي عشر من أيلول كنقطة تحول في الموجهة .


أحداث الحادي عشر من أيلول :
كانت الكلمات الأولى للرئيس الأمريكي ( بوش ) وكبار البيت الأبيض فور وقوع الانفجار، هو إن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت... واتخذت الولايات المتحدة كل الإجراءات التي تتبعها في الحرب منها نقل نائب الرئيس الأمريكي* إلى قاعدة عسكرية بعيداً عن الولايات أو المدن المحتمل شمولها بالضربة الأولى ، كي يكوِّن قيادة بديلة في حال إفلات الأمور من يد الرئيس وإدارته في العاصمة ، ثم إيقاف الطيران المدني بشكل كامل وإعلان حالة الاستنفار وتأجيج لهيب التصريحات المتقدة عن الحرب ، هذا في الجانب العسكري ، وعلى الجانب السياسي توالت التصريحات من الرئيس وكبار مسئولي البيت الأبيض فوراً ، عن وعود ساخنة لإعطاء الفلسطينيين حقهم ورفع الظلم عنهم ومنحهم دولتهم المستقلّة ، ترادفت هذه التصريحات على الصعيد العسكري والسياسي قبل أن تتبين خيوط تشير إلى جهة معينة على أنها وراء الضربة ، هذا من جهة ومن جهة أخرى أصيب الأغلبية العظمى من رؤساء وقادة العالم بالهلع والذعر، وفتحت الخطوط الساخنة على البيت الأبيض لتعلن براءتها ممّا حدث وتضامنها مع الولايات المتحدة ، وعروض سخية لجعل كل إمكانياتها تحت تصرف الولايات المتحدة ، كمحاولة لتهدئة الولايات المتحدة التي أصيبت بالجنون ، ومحاولة إعادتها إلى رشدها ، وهي تمتلك كل هذه الترسانة المرعبة من الأسلحة النووية ، قبل أن تفقد سيطرتها على عقلها نهائياً وتبدأ تضرب يميناً وشمالاً من دون تمييز ، سوى (إسرائيل ) وهي تضع جيشها وقوتها وكل إمكانياتها تحت تصرف الولايات المتحدة لم تكن خائفة أو مذعورة أبدا ، بل كانت مستبشرة تكتم فرحها وتريد دفع الولايات المتحدة إلى الانتقام الفوري وإشعال الحرب ضد العالم . و صورت الإدارة الأمريكية للعالم أن لو كانت فلسطين رجلاً معتقلاً لدى المخابرات المركزية الأمريكية لتم إطلاقه فوراً مزفوفاً بالاعتذارات والأسف الشديد عن الخطأ الذي تسبب باعتقاله . وهنا علينا أن نتوقف بجدية عند هذا الموقف ، هل كانت الولايات المتحدة مرتبكة ؟ أم انه اعتراف لا شعوري في لحظة ضعفٍ وارتباك بكل الآثام الأمريكية ضد فلسطين وقضية فلسطين وما تفرع وترتب على ذلك من التمادي بطغيانها ضد الدول العربية والإسلامية الأخرى في العراق والسودان وليبيا وإيران ولبنان والصومال والمنظمات الإسلامية في كل مكان ؟ لماذا ربطت الإدارة الأمريكية فوراً بين الأحداث وبين قضية أو قضايا المسلمين قبل العثور على أي خيط أو أي تصور عمّا يجري ؟
لقد أثبتت كل التقارير السرية و التحقيقات التي أجرتها جهات مستقلة عن الحكومة الأمريكية ، إن المحافظين الجدد بقيادة " وولفوفيتس" و بدعم و استغلال للسلطة غير مسبوق من قادة البيت الأبيض ابتدءا من ديك تشيني و انتهاءا بالرئيس بوش ، هي التي خططت لهذه العملية بكل تفاصيلها ، وقدمت بعض الفضائيات الأمريكية برامج وثائقية و أفلام وثائقية فضحت المخطط بكل تفاصيله ، وأكدت هذه التقارير بوجود مخطط لذلك منذ العام ( 1996 ) وقالت أنهم كانوا يبحثون عن مثيل و نظير لـ ( بيرل هاربر ) المطار الأمريكي الذي ضربته اليابان في الحرب العالمية الثانية ، و استخدمته الولايات المتحدة كذريعة لدخول الحرب ، و عملت الاستخبارات الأمريكية بشكل سري على ذلك ، طوال هذه السنين ، و استخدمت ( تنظيم القاعدة) ككبش فداء ينفذ لهم ما خططوا له ، وعمل المحافظون الجدد بالتنسيق الكامل مع الموساد الإسرائيلي لتنفيذ الخطة و بشكل مقنّع و خفي .وهم بارعون في إخفاء أنفسهم وترك بصمات غيرهم مكشوفة ليكون كبش الفداء ، و أكدت تقارير وكالات الأنباء في اليوم الأول وما بعده بأنه لم يأتي إلى الدوام في المبنى في ذلك اليوم أي موظف يهودي أبدا ، مما يدل على علمهم و تحذيرهم من قبل شركاؤهم ، و كل ذلك من اجل القيام بحرب استباقية ، ولكن ضد من هذه الحرب ؟؟

العقيدة الفرعونـية فـي الحرب الاستباقية :

لقد كان مما اخبر به كهنة و منجمو نمرود ( فرعون إبراهيم "ع" ) ولادة رجل يكون زوال ملكه و هلاك قومه على يديه أو بسببه ، فمنع نمرود الرجال و النساء من الإنجاب ، وشق بطون الحبالى ، و قتل الأطفال الرضع ، و حملت أم إبراهيم "ع" بولدها المبارك على خوف من نمرود ، و بعد مداولات و محادثات بين الأب و الأم استقر رأيهما على تركه في مغارة في جبل ( و قيل سفح نهر ) يفعل الله به ما يشاء ، وكان أمر الله فيه ما هو معلوم .
و جاء فرعون صاحب موسى "ع" ، و اخبره الكهنة و المنجمون بأمر المولود في بني إسرائيل الذي يكون هلاكه و هلاك قومه على يديه ، واصدر فرعون الأوامر المشددة بقتل أطفال بني إسرائيل ، وشق بطون الحوامل منهم و منع كل اتصال و مجامعة بين رجال بني إسرائيل و نسائهم ،(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ) (38) ، وولد موسى "ع" على غفلة من تدبير فرعون و تربى في أحضان فرعون ، وعلى صدر أم موسى وهي قريرة العين مطمئنة الفؤاد ، و كان الله هو الغالب على أمره وكان اشد مكرا ، حتى كان من أمر موسى "ع" ما هو معلوم .
و السؤال الذي يثير الدهشة و الاستغراب هو : هل اتعظ الفراعنة و الجبابرة على مدى التاريخ مما كان من أمر الله ؟
إنها الحرب الاستباقية دائما .. السياسة الفرعونية دائما .. كل الجبابرة هذه سياستهم (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (39) ، جبابرة بني العباس يفتشون في بطون نساء الإمام الحسن العسكري "ع" عن مولود خطير ليقتلوه ، و نفذ أمر الله ، وكان الله اشدّ مكرا .
و آل بوش و معهم المحافظون الجدد و كهنة و حاخامات اليهود يشنون اليوم حربهم الاستباقية ذاتها ، و المكر السيئ ذاته الذي لا يحيق إلا بأهله ، أما هم !! فلا رجاء في أن يدّكروا ، إذ يقول تعالى ( فهل من مدّكر ) ،والأمور كلها تجري بمر القضاء (ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) .
ولكن ما لهؤلاء الناس الذين اقترب حسابهم وهم في غفلة معرضون ؟؟؟ يظاهرونهم و يبررون لهم ، هل حقّت عليهم الضلالة !! أم ران على قلوبهم ما كانوا يصنعون ؟؟؟

مطلع الفتنة :
لقد استعرضنا بشكل سريع هذا التاريخ و هذه الأوضاع ، لنرى كيف اخبر عنها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في أكثر من خطبة ، وما سبب ذلك و إلى أين نحن سائرون ، و بشكل مختصر نستنتج ، إن سبب ذلك كله هو ما جاء في حديث لرسول الله صلى الله عليه و آله .
قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : " لتركبن أمتي سُنَّة بني إسرائيل حذو النعل بالنعل وحذو القذة بالقذة ، شبرا بشبر و ذراعا بذراع و باعا بباع ،حتى لو دخلوا جحرا لدخلوا فيه معهم ، إن التوراة و القرآن كتبهما ملك واحد ، في رق واحد ، بقلم واحد ، و جرت الأمثال و السنن سواء " (40) .
فماذا فعلت الأمة ؟ و كيف سلكت سنة بني إسرائيل ؟ وبماذا يجازيها الله تعالى ؟ كل ذلك سنبحثه في انقلاب الأمة على أعقابها ، ولكن الغالبية الساحقة من الأمة لن تتقبل ذلك و تنكر اشد الإنكار ، لذا يتوجب أولا أن نتناول الفتنة ، التي هي نتيجة ، ثم بعد ذلك نبحث عن السبب .
و لنأخذ هاتين القطعتين من خطب أمير المؤمنين عليه السلام تتناول هذا الأمر و الوضع الذي أصبحنا فيه و أبعاده وما وراءه :
من خطب الملاحم والفتن :
قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام :
" إذا كثرت فيكم الأخلاط ، واستولت الأنباط ، دنا خراب العراق ، ذاك إذا بنيت مدينة ذات أثلٍ وأنهار ، فإذا غلت فيها الأسعار ، وشُيِدَ فيها البنيان ، وحكم فيها الفساق ، وأشتدَّ البلاء ، وتفاخر الغوغاء ، دنا خسوف البيداء ، وطاب الهرب والجلاء . وستكون قبل الجلاء أمور يشيب منها الصغير ، ويعطب الكبير ، ويخرس الفصيح ويبهت اللبيب ، يعالجون بالسيف صلتاً ، وقد كانوا قبل ذلك في غضارة من عيشهم يمرحون . فيا لها مصيبة حينئذ من البلاء العظيم ، والبكاء الطويل ، والويل والعويل ، وشدّة الصريخ ، في ذلك أمر الله - وهو كائن ، وقتاً - مريج ، فيا بن حرة الإماء ، متى تُنتظَر ! أبشر بنصر قريب من رب رحيم . ألا فويل للمتكبرين ، عند حصاد الحاصدين ، وقتل الفاسقين ، عصاة ذي العرش العظيم . فبأبي وأُمي من عدة قليلة ، أسماؤهم في الأرض مجهولة قد دنا حينئذ ظهورهم " (41) .
نتوقف عند هذا الجزء من الخطبة لنكملها بعد طرح الملاحظات الآتية :
إذن بدأ الأمر بعد الحرب العراقية الإيرانية مباشرة بعد إكمال بناء مدينة بابل الأثرية ذات الأثل والأنهار والبحيرات الاصطناعية والجبال الاصطناعية والقصور الرئاسية المشيدة فوقها ـ لعَلّهم يطَّلعون الى إله موسى ـ الأرض التي قلب الله بها أهلها مرتين وستنقلب الثالثة في آخر الزمان ، بمعاصيهم … بدأ البلاء مع بداية مهرجان بابل الدولي وجلب الفرق الراقصة من كل أنحاء العالم ، للاستهزاء بآيات الله عزّ وجل في قلب هذه الأرض العاصية منذ أن أرادت أن تحرق خليل الله إبراهيم (ع) ، وقبل ذلك ما فعله الملك يمحويل بنوح (ع) و بعد ذلك وصولا إلى "محمد جواد عنيفص" و صدام في الانتفاضة الشعبانية ، وكانت في كل تاريخها ارض لأصحاب الأخدود ، يُقتل و يُحرق بها المؤمنين ، بدأ البلاء منذ تدفق سيول من البشر إلى بابل وهم يحملون بموج بشري متلاطم سيارة أحد المغنين العراقيين يسحق بعضهم بعضاً ومات بعضهم وأصيب كثير منهم ، لنيل البركة من هذا المفسد . وعندما جاء الرعاع والمسحوقون سكارى وهم يقلدون رقصات مجانين الغرب ، وطبولهم تلاحق الفتيات والنساء في المهرجان لرفع راية الفسوق ، نسوا كل ما فعلوه في الحرب مع إيران من سلب المدن والبيوت التي لم تكن في ميدان الحرب، ونقل القادة العسكريين بسيارات النقل العسكرية حتى مواشي إيران في قصر شيرين والمحمرة والمدن الأخرى، بل وقلع أرضيات بيوتهم من المرمر وأثاثهم التي استودعوا كتاب الله عليه وتركوه وهربوا . بدلا من أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه ويحمدوه على انتهاء الفتنة . افسدوا كل هذا الفساد ، وعند ذلك يعالجون بالسيف صلتاً… فيا لها من مصيبة حينئذ من البلاء العظيم . أي بلاء ؟! ( إنه بلاء بوش ) وعاصفة الصحراء … ثم بعد ذلك يتحقق الشرط المشروط في الخبر( إذا كثر الأخلاط وحكم الأنباط ، دنا خراب العراق ) وبعد تحقق هذا الخبر يأتي الموعود " فيا ابن حرة الإماء متى تنتظر أبشر بنصر قريب من رب رحيم " ... ، أي القائم المهدي من آل محمد (ع) ابن الحرة الكريمة التي اختارت أن تكون( أمة) و أسيرة بمحض إرادتها للوصول إلى مبتغاها وما قدره الله لها ، لتكون الأم لوريث الرسالات السماوية كلّها (ع) ، يبشره بالنصر القريب ... .
ولكن ... من هم الأخلاط ؟؟؟ هذا السؤال تفكرنا فيه سنوات و قدمنا أطروحات ، تبين أنها غير صحيحة ، بعد أن عثرنا على بعض النصوص من الجفر ، لذا سنترك الجواب الآن .
تكملة الخطبة : قال عليه السلام :
" ولو شئت لأخبرتكم بما يأتي ويكون من حوادث دهركم ونوائب زمانكم ، وبلايا أيامكم ، وغمرات ساعاتكم ، ولكنه أفضيه إلى من أفضيه إليه ، مخافة عليكم ونظراً لكم ، علماً مني بما هو كائن وما يكون من البلاء الشامل ، ذلك عند تمرد الأشرار ، وطاعة أولي الخسار . ذاك أوان الحتف والدمار . ذاك أدبار أمركم ، وانقطاع أصلكم ، وتشتت ألفتكم ، وإنما يكون ذلك عند ظهور العصيان ، وانتشار الفسوق ، حيث يكون الضرب بالسيف أهون على المؤمنين من اكتساب درهم حلال ، حين لا تنال المعيشة إلا بمعصية الله في سمائه ، حين تسكرون من غير شراب ، وتحلفون من غير اضطرار ، وتظلمون من غير منفعة ، وتكذبون من غير إحراج ، تتفكهون بالفسوق ، وتبادرون بالمعصية . قولكم البهتان ، وحديثكم الزور ، وأعمالكم الغرور ، فعند ذلك لا تأمنون البيات ، فيا له بيات ما أشدّ ظلمته ! ومن صائح ما أفضع صوته ! ذلك بيات لا ينمي صاحبه ، فعند ذلك تقتلون ، وبأنواع البلاء تضربون ، وبالسيف تحصدون ، وإلى النار تصيرون ، ويعضّكم البلاء كما يعظُّ الغارب القتب ، فيا عجباً كل العجب ، بين جمادي ورجب ! من جمع أشتات ، وحصد نبات ، ومن أصوات بعدها أصوات ، ثم قال : سبق القضاء، سبق القضاء " (42) .
قال رجل من أهل البصرة لرجل من أهل الكوفة إلى جانبه : أشهد أنه كاذب على الله ورسوله ! قال الكوفى : وما يدريك ؟ قال : فوالله ما نزل علي (ع) من المنبر حتى فلج الرجل ، فحمل إلى منزله في شق محمل ، فمات من ليلته .
وقد تناول عليه السلام هذا الأمر مراراً في خطب متعددة ومتنوعة يحذر فيها من الفتن والمعاصي التي تؤدي إلى الفتن ، التي تكون آخرها هذه الفتنة ، وسمّاها عليه السلام ( الفتنة الرجوف ، والقاصمة الزحوف )(43) ، إلا أن الخطب الأخرى ينظر إليها ذوي البصائر العمياء على أنها تنطبق على كل الأزمان التي مرّت منذ الدولة الأموية وإلى الوقت الحاضر مروراً بكل ( الفترة المظلمة ) التي توالت الغزاة والمحتلون على بلادنا من المغول التتار والبويهيين والسلجوقيين والترك والغربيين وغيرهم كلها تنطبق على الأوصاف الدينية والاجتماعية والسياسية التي تذكرها الخطبة، إلا أن اقتران هذه الخطبة لقيام الفتنة بإعادة بناء مدينة بابل الأثرية ومهرجانها الدولي هو الذي يميزها عن غيرها في التبشير بقيام القائم بأمر الله (عليه السلام) وقيام الدولة العالمية الإلهية المجيدة ، على أن هذا الربط ليس في الوحي الذي أوحى إلى خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وحده بل في الوحي الذي أوحى إلى الرسل السابقين وأكثرها شيوعاً في صحف موسى عليه السلام وهو موثق في كتب النبوءات ويعرف اليهود كل التفاصيل عنه ويسمون مدينة بابل ( الزانية ) وعلامات الأمر عندهم جلب القيثارات والمعازف إلى الزانية بعد أن يتم إعادة بنائها أي مهرجان بابل الدولي ، ثم إنه بعد ذلك يكثر الأخلاط ويحكم الأنباط ، وحكمهم يكون في جنوب العراق ، أي فصل إقليم جنوب العراق عن باقي البلاد كما يتبين من خطبة ( تطنجية ) ، وعندها يكون خراب العراق : ( إذا كثر الأخلاط وحكم الأنباط ... دنا خراب العراق ) .
وحتى لو صرفنا النظر عن كل الوصف الدقيق للحصار الذي يتعرض له العراق ، فأنه عليه السلام لم يترك مبهماً لم يوضحه في وصفه بقوله : ( فعند ذلك لا تأمنون البيات ... فيا له بيات ما أشدّ ظلمته ومن صائح ما أفضع صوته، ذلك بيات لا ينمي صاحبه … ) فهو وصف دقيق لما جرى ليلة السابع عشر من كانون الثاني عام 1991 حيث كان ذلك البيات ( وغدر الغادرون ) ، فلم يعد العراق قبل منتصف ليلة ذلك اليوم هو نفسه فجر ذلك اليوم ، فليس إلا خراب والدمار والحصار والجوع والمرض والموت المفاجئ والفساد ، وما نوع من أنواع البلاء إلا ضربه ، ثم قوله عليه السلام : ( ومن صائح ما أفضع صوته ) ولو كانت أفهام الناس وعقولهم تتحمل ما يقول لقال : ( وانفجارات الصواريخ والقنابل ودوي الطائرات القاذفة ورعد مقاومات الطائرات والصواريخ المضادة للطائرات ) ما أفضع تلك الأصوات ويا له من صائح ما أفضع صوته . وما دام الإمام عليه السلام قد قال : ( سبق القضاء ، سبق القضاء ) فليس لنا سوى أن نقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
القطعة الثانية :
وهي من خطبة طويلة يحذر فيها من الفتن والمعاصي ثم يعطف الكلام على الوالي المنتظر قائم آل محمد صلوات الله عليهم . قال عليه السلام ، يصفه أولا : " يعطف الهوى على الهدى ، إذا عطفوا الهدى على الهوى ويعطف الرأي على القرآن إذ عطفوا القرآن على الرأي "(44) .
ثم يبدأ بوصف ما قبل ظهوره (عج) في ذات الخطبة قال عليه السلام :
" حتى تقوم بكم الحرب على ساق ، باديا نواجذها . مملوءة أخلافها ، حلواً رضاعها ، علقماً عاقبتها . ألا وفي غد - وسيأتي غد بما لا تعرفون - يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوئ أعمالها . وتخرج له الأرض أفاليذ كبدها ، وتلقى إليه سلماً مقاليدها ، فيريكم كيف عدل السيرة ، ويحيي ميت الكتاب والسنة "(45) .
ولنتفحص هذه القطعة وما جرى على أرض الواقع ، حين قامت بنا الحرب على ساق بادياً نواجذها ... من شدّة ما فيها من البأس من الصواريخ الخارقة للكونكريت وصواريخ وقنابل اليورانيوم المنضب والقنابل الذكية الموجهة بالليزر من البر والبحر والجو ، فالبارجات والسفن والمدمرات وقاذفات القنابل وكأنها قطع الغيوم .
ومملوءة إخلافها : بما لديهم من خزين مرعب من العتاد والسلاح وانتعاش مصانع الأسلحة وعملها ليلا ونهارا لزيادة الإنتاج ، ولا أمل أو رجاء في أن ينضب رصيدهم من السلاح والعتاد ليكفوا أو يتوقفوا عند حد . وحلو رضاعها : لما طاب لأهل النجدة من نيل شرف المساهمة فيها ليكسبوا غنائمها .
فسلام الله عليك يا أمير المؤمنين هل كنت تنظر من منبرك ذاك إلى مؤتمر قمة الجامعة العربية وهو يترأسه " حسني مبارك " باستبدادية صلفة ووقحة وخارجة عن قانون الجامعة لإقرار الموافقة على ضرب العراق وهو لعابة يسيل على مليارات آل صباح وما سيحصل عليه من الغنائم والعطايا ، أم إلى ( حافظ أسد ) الذي ترك إسرائيل خلفه محتلّةً أرضه وجاء بجيشه ليحظى بمكرمات آل صباح وآل سعود وآل اللعنة ؟ أم هل كنت يا مولاي تتطلع من منبرك ذاك إلى مجلس الأمن الدولي وأنت ترى الصكوك على البياض يرشى بها الروس والأتراك والباكستانيون ؟ أم إلى كل مسئول أمريكي من الرئيس إلى التعيس وكل الضباط والجنود الأمريكيين يد على السلاح ويد تتابع الاتصالات مع البنوك، ليحسبوا كم أصبحت أرصدتهم وكم تبقى في جيوب دول الخليج ؟ أم إلى ألمانيا واليابان وهي تندب حظها العاثر ودستورها اللعين الذي حرمها من متعة المشاركة في هذا المهرجان الاحتفالي ؟ أم إلى إسرائيل وهي تتلقى العطايا والهدايا والقبلات كي لا تظهر في الصورة حقيقةُ أثرها فتحرج موقف أصحاب السقيفة ؟ ما أدق عبارتك يا أمير المؤمنين ما أقّلها وأدلّها فلقد كان رضاعها حلواً .. ولقد كانت عاقبتها علقماً .. فمن بين الثلاثمائة مليار دولار غنائم الحرب والفيء الذي أفاء به الشيطان على دول التحالف لم يحصل الآخرون على شئ ، (عمر بن مبارك )* لم يعطَ ملك الري** بل بعض الفتات المتساقط من تزاحم الأيدي ... وأهل الشام ودّعوهم بكلمات حارّة عن روحهم القومية العربية وأنزلوا رماحهم خالية من الرأس وخالية من الحقائب والصكوك ، ونساؤهم تلعنهم وتشتمهم على فعلتهم ... والأتراك يقعقعون بتروسهم : خسرنا 30 مليار من التجارة مع العراق ... وروسيا تقيأت السبعة مليارات الرشوة دماً في الشيشان ولم تتمتع بها ... وفرنسا تصيح ديوني ديوني ... وأهل الخليج يلطمون الخدود على الفرهود والخزائن الفارغة ... وباكستان لم تُعفَ إلا من بعض فوائد الديون التي لا تدري مَنْ استدانها وأين ذهب بها وسجلت في ديونهم ... وباقي الدول الأوربية والأمريكية والآسيوية واستراليا أصلا لم يعدوهم بشئ فلم يملكوا إلا أن يقولوا ( يا الله عوافي ) ، ولقد كانت عاقبتها علقماً ، ليس فقط لأنهم خرجوا خالين الوفاض ، والغنائم استولت عليها أمريكا وإسرائيل ... بل لأن أمريكا خدعتهم وجعلتهم يتحالفون معها ليتفرق دم العراق بين القبائل ، ففقدوا مصالحهم وفرص التجارة والاستثمار وخرجوا غارقين بالآثام قلقين من الأقدار التي لا يدرون ماذا تخبأ لهم .
وقريباً من ذلك.. يظهر الوالي ويريهم كيف عدل السيرة ويحي ميت الكتاب والسنة . الكتاب الذي أمرهم ألَّا يزِروا وازرة وزر أخرى ولا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء . وان يطيعوا الله والرسول وأولي الأمر . فقالوا أمّا الله فنعم ، وأمّا الرسول فبلى ، وأمّا أولي الأمر.. فتلك التي لا تكون ... ، تماماً كما قال إبليس لربّه : أمّا أعبدك وأسجد لك فنعم ، وأمّا السجود لآدم فلا أسجد(46) ، فجعله مذموماً مدحورا . وخافوا أن يفتضح أمرهم فأخرجوا زينة من حلية القوم فصنعوا لهم أولي أمر لهم خوار: وقالوا هؤلاء أولي الأمر ولكن محمد نسي* . إذاً لنعد إلى سؤالنا الأول ؟ هل هو التدبير ؟ أم هي المقادير...!
على أية حال ، بعد أن تمَّ للانقلابيين كما يبدو لهم ولغيرهم ظاهرياً السيطرة الكاملة على الشرق الأوسط وأحكام القبضة على كل الدول والمناطق ذات الخطر من الدرجة الأولى في حركة الدولة العالمية الإلهية ، كان تحركهم على العمق الإستراتيجي لهذه الدولة أولها باكستان ذو الفقار علي بوتو ، ثم القوقاز الشرسين الفارِّين من القبضة السوفيتية التي تم تفكيكها ، ومسلحي جنوب شرق آسيا .
فمنذ أن وضع بوتو باكستان في النادي النووي غير الشرعي، وإسرائيل تتربص بباكستان وتغري جيرانها بعقد تحالفات معهم لضرب المفاعلات النووية الباكستانية ومنشآت صناعة الصواريخ وحاولت مرّة تلو الأخرى لبس الزى الهندي وضرب باكستان بالطريقة نفسها التي ضربت بها المفاعل النووي العراقي، لكن الهند مترددة وتخشى أن يكون تخطيط المرحلة عليها، حتى جاء الجنرال ضياء الحق المتخرج من المدرسة الساداتية (47) ، التي تراهن على أن تسعة وتسعين بالمائة من أوراق الحل بيد الولايات المتحدة ، وأُعتقل بوتو ثم إعدامه، وهكذا لاذت باكستان إلى أجلٍ مسمًى بالشفاعة الأمريكية، وأثبتت وفاءها وفائدتها في عاصفة الصحراء ، لكن اقتراب الخطر جعل الأمريكيين لا يقبلون الشفاعة إلا لمن ارتضى أبناء الله وأحباءه ، وجاءت أحداث الحادي عشر من أيلول لتكون قميص عثمان للتغلغل في هذه الدول التي لم تغزُ الكويت ، ولتدمير يثرب الأفغانية، كان على فلاديمير بوتن الرئيس الروسي أن لا ينخدع ولكنه !!!! ، على أية حال فأن الرئيس الروسي وضباطه الذين يعانون من عقدة أفغانستان ظنوا أنهم يورطون الولايات المتحدة في أوحال أفغانستان بل في مغاراتها وكهوفها وثلوجها ، لكن بوتن وضباطه نسوا أن "المجاهدين" الأفغان خلفهم الأموال العربية والأسلحة الأمريكية والمخابرات الأوربية والأمريكية .
وهكذا تغلغلت قيادة الانقلابيين تحت راية محاربة الإرهاب إلى عرين الأسد الذي كانت ترتعد فرائصها من ذكره بكل التأييد والمباركة الروسية ، التي تظن نفسها أنها مخادعة واكتشفت أنها بلهاء أمام المكر اليهودي ، ليس ذلك فقط بل فعلوا معهم ما فعلوه بالعراق جعلوهم شركاء معهم ، كل مسلمي القوقاز من أوزبك وطاجيك والجار الجنب والصاحب بالجنب، وأغنية حسني مبارك ( دي أمريكا يا صدام ) بعد أن رفع مبارك أول تقرير إلى الإدارة الأمريكية قبل وقوع الأحداث وتجاهلها الأمريكيون أصبحوا الآن يؤمنون بنبوءته ، وتكريماً له تم تعميم الأغنية على جوق التحالف ضد الإرهاب ، وهم يغنون ( دي أمريكا يا ابن لادن ) . وبدأت المرحلة الهامة من المخطط .. السيطرة على سيحون و جيحون ، و الانطلاق نحو الفراتين و النيل.


انقـلاب الأمة على أعـقابها :

في أواخر أيام رسول الله صلى الله عليه و آله ، جمع بني عبد المطلب خاصة و انضم إليهم الزبير لمكانه من صفية ثم انضم إليهم أسامة بن زيد مولى رسول الله و ربيبه ، و أمر نساءه بإخلاء المكان ، فأخلين المكان و تخلفت عائشة و حفصة ، فنظر إليهما و أعاد الأمر بإخلائهما ، فقامت عائشة ( تدمر غضبا ) وهي تجر حفصة ، في قصة طويلة يرويها عبد الله بن عباس، لسليم بن قيس، عندما سأله عن أواخر أيام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وبدء الاجتماع . حتى قال ابن عباس :
( فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : " يا أخي ، أقعدني " ، فأقعده علي عليه السلام و أسنده إلى نحره ، فحمد الله و أثنى عليه ، ثم قال : " يا بني عبد المطلب ، اتقوا الله و اعبدوه ، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ولا تختلفوا ، إن الإسلام بني على خمسة ، على الولاية والصلاة و الزكاة و صوم شهر رمضان و الحج ، فأما الولاية فللّه ولرسوله وللمؤمنين ، الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون " ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون " .
قال ابن عباس : وجاء سلمان و المقداد وأبو ذر ، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وأله مع بني عبد المطلب ، فقال سلمان : يا رسول الله ، للمؤمنين عامة أو خاصة لبعضهم ؟
قال (ص) : بل خاصة لبعضهم ، الذين قرنهم الله بنفسه و بنبيه في غير آية من القرآن .
قال : من هم يا رسول الله ؟
قال (ص) : " أولهم وأفضلهم وخيرهم أخي هذا ، علي بن أبي طالب ـ ووضع يده على رأس علي عليه السلام ـ ثم ابني هذا من بعده ـ ووضع يده على رأس الحسن (ع) ـ ثم ابني هذا من بعده ـ ووضع يده على رأس الحسين (ع) ـ والأوصياء تسعة من ولد الحسين (ع) واحدا بعد واحد ، حبل الله المتين و عروته الوثقى ، هم حجج الله على خلقه ، وشهداؤه في أرضه ، من أطاعهم فقد أطاع الله و أطاعني ، ومن عصاهم فقد عصى الله و عصاني ، هم مع الكتاب ، و الكتاب معهم ، لا يفارقهم ولا يفارقونه حتى يردا علي الحوض " .
ثم اقبل على علي عليه السلام ، فقال : " يا أخي ، إن قريشا ستظاهر عليكم ، وتجتمع كلمتها على ظلمك وقهرك ، فان وجدت أعوانا فجاهدهم ، وان لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك ، أما إن الشهادة من وراءك ، لعن الله قاتلك " .
ثم اقبل على ابنته فاطمة عليها السلام فقال : " انك أول من يلحقني من أهل بيتي ، وأنت سيدة نساء أهل الجنة ، و سترين بعدي ظلما و غيظا ، حتى تضربي و يكسر ضلع من أضلاعك ، لعن الله قاتلك والآمر و الراضي و المعين و المظاهر عليك وظالم بعلك و ابنيك .
وأما أنت يا حسن ، فان الأمة تغدر بك ، فان وجدت أعوانا فجاهدهم ، وإلا فكف يدك واحقن دمك ، فان الشهادة من وراءك ، لعن الله قاتلك و المعين عليك ، فان الذي يقتلك ولد زنا ابن زنا ولد ابن زنا ، إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة ولم يرض لنا الدنيا " .
ثم التفت إلى ابن عباس وقال : " إن أول هلاك بني أمية ـ بعد ما يملك منهم عشرة ـ على يد ولدك ، فليتقوا الله وليراقبوا في ولدي و عترتي ، فان الدنيا لم تبق لأحد قبلنا ، ولا تبقى لأحد بعدنا ، دولتنا آخر الدول ، يكون مكان كل يوم ، يومين ، ومكان كل سنة سنتين ، ومنا من ولدي ، من يملأ الأرض قسطا و عدلا بعدما ملئت ظلما و جورا .
يا بني عبد المطلب ، إني رأيت على منبري اثني عشر من قريش ، كلهم ضال مضل ، يدعون أمتي إلى النار ، و يردونهم عن الصراط القهقرى : رجلان من حيين من قريش ، عليهما مثل إثم الأمة ، ومثل جميع عذابهم ، وعشرة من بني أمية ، رجلان من العشرة من ولد حرب ابن أمية ، وبقيتهم من ولد العاص بن أمية .
ومن أهل بيتي اثنا عشر إمام هدى ، كلهم يدعون إلى الجنة : علي ، والحسن ، والحسين ، و تسعة من ولد الحسين ، واحدا بعد واحد ، إمامهم و والدهم علي ، و أنا إمام علي و إمامهم ، هم مع الكتاب و الكتاب معهم ، لا يفارقونه ولا يفارقهم ، حتى يردوا علي الحوض ).(48).
ومن الظاهر من الرواية انه رواها قبل استشهاد الإمام الحسين عليه السلام ولذا يبدو انه تجنب الحديث عن هذا الأمر الجلل ، او ان هناك خطأ في النقل ، فالاولى ان يكون الامام الحسين (ع) هو المخاطب بهذا القول .
إن القرآن الكريم بين و فصل و شرح كل ما فعلته الأمم السالفة بالانقلاب على رسلهم وما أنزل عليهم ، وخاصة بعد أن توفاهم الله وبدؤوا يتلاعبون بالسنن والتنزيل وكيف أنهم يلوون ألسنتهم لنحسبه من الكتاب وما هو من الكتاب ، وكيف أن الله أمرهم أن يقولوا حِطَّة فيقولون غير ذلك ، وتلاعبهم بالتشريع من قولهم هذا محلل لنا ومحرّم على أزواجنا ، وقولهم في الذبائح هذا حلال وما في بطونها حرام ، إلى رفع اسم النبي ألأمي من التوراة و الإنجيل … إلى غير ذلك الكثير الكثير الذي لا موجب لبسطه ، رغبة في الاختصار ما دام القرآن الكريم بينه ولم يترك منه شبهة وفضح أهله وتوعدهم بأشد الوعيد . لذلك سنقتصر على ضرب الأمثال وبسط الأمور فيما بعد التنزيل أي ما أشار إليه القرآن الكريم من طرف خفي ، ونرى ما فعله الانقلابيون ومحاولاتهم الفاشلة والناجحة .
لقد أوحى الله سبحانه وتعالى إلى رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) فيما أوحى إليه ما سيكون من الدنيا وما سيكون من أُمته إلى يوم القيامة وأولى أهمية ذلك كله فيما يفعله الانقلابيون حال وفاته ، وقد اتخذ صلى الله عليه وآله العديد من الإجراءات لقطع الطريق على الانقلابيين وإحباط محاولاتهم ، لكن الله سبحانه شاء أن يبتلي الأمة بمعصية الرسول ومن ثم بمعصيته ، فكان من الإجراءات التي اتخذها ما هي أمر من الله سبحانه ومنها ما هي تدبير منه . ففعل كل ما أمره به ربه في خطب متعددة أظهرها خطبة حجة الوداع في غدير خمِّ (49) " مَن كنت مولاه فعلي مولاه " ، ثم هو يحتضر خاطباً من المنبر محمولاً ... لعن الله من عقّ والديه (ثلاثاً) ثمّ وضّح ذلك : " يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة لعن الله من عقنا " (50) .
و لذلك قام ببعض الإجراءات التي هي من تدبيره ، وإن كانت لا تخرج بعيداً عمّا يوحي إليه فهي المحاولة شبه اليائسة ، والأخيرة لإبعاد الانقلابيين عن العاصمة وجعل الانقلابيين جميعهم تحت إمرة شاب صغير السن ، وأمرهم بالخروج إلى مؤتة لجهاد أعداء الله ، وهو أمر فيه كثير من الحكمة وكثير من الردع والتحجيم لهم على طريقة قوله تعالى : ) ... وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغا ) (51) ، فأن في تولية أسامة بن زيد على مشايخ الانقلابيين أمر فيه ما لا يخفى عليهم من فضح ما بأنفسهم ، ولكن شاء الله جلّت حكمته أن يأذن لهم بمعصيته ومعصية رسوله وعدم تنفيذ أوامره بالخروج للغزو ، وبقوا متربصين في أطراف العاصمة ينتظرون وفاة الرسول المحتضر صلوات الله عليه وآله وأسعدتهم الأقدار على ما أرادوه (52) .
على أية حال ، إن هذه الأمور المعروفة نوردها لنصل إلى ما يخصنا في طرحنا هنا ، وهي المحاولة التي أخافت الانقلابيين وأقلقتهم أشد القلق إلى درجة أخرجت ضغائنهم ، وجعلتهم يجاهرون بمعصيتهم وإصرارهم على الانقلابات .
قال سليم : إني كنت عند عبد الله بن عباس في بيته وعنده رهط من الشيعة ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وآله و موته ، فبكى ابن عباس ، وقال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الاثنين ـ وهو اليوم الذي قبض فيه ـ وحوله أهل بيته و ثلاثون رجلا من أصحابه : " ايتوني بكتف ، اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي ولن تختلفوا بعدي " . فمنعهم فرعون هذه الأمة فقال ( إن رسول الله يهجر) ، فغضب رسول الله وقال : " إني أراكم تخالفوني وأنا حي ، فكيف بعد موتي ؟ ) ، وترك الكتف .. فخلوت بابن عباس بعد ما قام القوم ، فقال " هو عمر " ، فقلت : صدقت ، قد سمعت عليا عليه السلام وسلمان و أبا ذر و المقداد يقولون ( انه عمر) ، فقال : " يا سليم اكتم ، إلا ممن تثق به من إخوانك ، فان قلوب هذه الأمة قد أشربت حب هذين الرجلين ، كما أشربت قلوب بني إسرائيل حب العجل و ألسامري . ) (53)
نعم ، كل خطبه لم يخافوا منها ... وكل آيات الكتاب التي أنذرتهم لم يخافوا منها ، وكل لعنات الرسول عليهم إن لم يرتدعوا لم يخافوا منها ، لكنهم خافوا الورقة والقلم ، لذلك أعلنوا حالة الاستنفار القصوى وشهروا السلاح بوجهه : (الرسول يهجر ) كما قال عمر بن الخطاب ، ولو كان لديهم مشفى* للمجانين لحجروا على رسول الله ومنعوا كل اتصال به لأنه أصابه الخرف والجنون ولم يعد يعي ما يقول حسب أفكهم ، وهو بالذات ما أشار إليه القرآن قبل وقوعه (أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين فقالوا معلم مجنون ) الدخان. فغضب وأخرجهم من مهبط الوحي تلاحقهم لعناته ولعنات ربه .
ولكن .. ماذا أراد رسول الله صلى الله عليه و آله أن يكتب في الكتف ؟ وهل كتبه لمن هو أهل لذلك ؟
ففي احتجاجات أمير المؤمنين (ع) قال لطلحة وجماعته : ( يا طلحة ، الست قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضل الأمة ولا تختلف ، فقال صاحبك ما قال ( إن رسول الله يهجر) فغضب رسول الله ثم تركها ؟
قال طلحة : بلى شهدت ذلك .
قال (ع) : فانه لما خرجتم اخبرني رسول الله بالذي أراد أن يكتب فيها و أن يشهد عليه العامة ، فاخبره جبرائيل (ع) أن الله علم من الأمة الفرقة و الاختلاف ، ثم دعا بصحيفة فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف ، و اشهد على ذلك ثلاثة نفر ، سلمان، و أبو ذر ، و المقداد ، و سمى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة ، فسماني أولهم ، ثم ابني هذا ـ و أشار بيده إلى الحسن ـ ، ثم الحسين ، ثم تسعة من ولد ابني الحسين ، أكذلك كان يا أبا ذر و أنت يا مقداد ؟
فقاموا ، و قالوا : نشهد بذلك على رسول الله صلى الله عليه و آله .
فقال طلحة : و الله لقد سمعت رسول الله يقول لأبي ذر " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من أبي ذر ولا ابر عند الله " و أنا اشهد أنهما لم يشهدا إلا على حق ، و لأنت اصدق و آثر عندي منهما . ) (54).
أإلى هذه الدرجة كان التوثيق خطيراً ؟ أهو الذي كان سينقذ الأمة من كل ما تلاقى من البلاء والشدائد والاحتلال والغزوات والذل والحروب والدماء والغضب الإلهي ؟
ولكن ، هل كان هذا هو أول انقلاب من عمر و عتيق ( أبو بكر) ، وهل هو أول عدوان على الله و رسوله منهما ؟
انه حديث طويل جدا يشرح فيه أمير المؤمنين عليه السلام ، كل هذا التاريخ و سلسلة الانقلابات التي قاما بها و أعوانهما ، يشرحه للأشعث ابن قيس ، و يستعرض فيه كل تاريخ المؤامرات التي قاما بها مع ابنتيهما (عائشة و حفصة ) على الرسول و الرسالة و الأمة، إلى أن قال فيما قال في عمر :
( وهو صاحب يوم غدير خم ، حين نصبني رسول الله صلى الله عليه وآله لولايتي ، فقال " ما يألو أن يرفع خسيسته " وقال الآخر " ما يألو رفعا بضبع ابن عمه " وقال لصاحبه ـ وأنا منصوب ـ " إن هذه لهي الكرامة " ، فقطب صاحبه في وجهه وقال : " لا والله ، لا اسمع له ولا أطيع أبدا " ، ثم اتكأ عليه ، ثم تمطى ، و انصرفا ، فانزل الله فيه } فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى }(55) ، وعيدا من الله و انتهارا ) ، ثم اقبل علي عليه السلام فقال : ( سبحان الله مما أشربت قلوب هذه الأمة من بليتهما و فتنتهما ، من عجلها و سامريها ) (56).
ورغم ان القرآن الكريم حذر المؤمنين من الافتتان بزوجات الرسل الخائنات ،كقوله تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا ) (57)،وكانت خيانتيهما خيانة العهد و الميثاق المأخوذ عليهما، وخيانة الأمانة بعدم كتمان الوصية وكتمان الشهادة بالحق ولو على أولي القربى ، إلا أنهم سقطوا في الفتنة .
ولتعلم عظمة الجرم الذي أجرمه عمر بن الخطاب في موقفه هذا ننقل هذا الخبر من أخبار الآخرة :
في كتاب سليم بن قيس الهلالي ، قال سليم : ( سمعت سلمان الفارسي يقول " إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس مزموما بزمام من نار، و يؤتى بزفر ( يقصد عمر بن الخطاب ) مزموما بزمامين من نار ، فينطلق إليه إبليس فيصرخ : ثكلتك أمك ، من أنت ؟ أنا الذي فتنت الأولين و الآخرين و أنا مزموم بزمام واحد ، وأنت مزموم بزمامين !!! فيقول زفر : أنا الذي أمرت فاُطعت ... و الله أمر فعُصي " . ) (58).
والأمر العجيب من أمر هذه الأمة ،هو انك عندما تتحدث بهذه الحقائق التي ينطق بها القرآن الكريم نطقا مبينا ، يقولون " انك طائفي " ، الا ان الله سبحانه وتعالى يقول :}وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ {(59) ، ويقول تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ) (60).


الإمام المهدي قضية وقـائد :
يتبين لنا مما تقدم أن الإمام المهدي (عج) هو قضية قبل أن يكون هو شخصية ، بمعنى أن القضية قائمة منذ بدء التاريخ و منذ حصول أول انقلاب على رسل الله ، و منذ كفر الناس بأول نعم الله التي انعم بها على البشر بالهدى الذي يأتيهم منه تعالى على رسله و أنبيائه ، ثم استمرت القضية منذ بدء الخلق و إلى اليوم ( أو كلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم فريق كذبتم و فريق تقتلون ) ، ذلك بان الله سبحانه و تعالى لا يريد الدين بالإكراه ، كما قال تعالى (لا إكراه في الدين ) البقرة، لان ذلك يُسقط الثواب و العقاب ، فيجعل المحسن و المسيء في درجة واحدة ولا يتميز الخبيث من الطيب ، فان الاختيار الحر هو السبيل الذي جعله الله سبحانه و تعالى ميزان الاستحقاق ، ولكن هذا لا يعني أن يكون هو السبيل القائم إلى يوم القيامة ، لان الناس تمادت كثيرا في عدوانها على الله تعالى ، فجعل هذا السبيل إلى اجل ، بعده يأتي أمر الله سبحانه ، في هذا الأمر يقول تعالى ( وله اسلم من في السموات و الأرض طوعا و كرها ) أي إن وقت الاختيار انتهى ، وجاء وقت يُسلم فيه الجميع طائعين أو مكرهين و لكل حسابه ، فالقضية الأهم هنا أن يعلم الكل و قبل يوم القيامة أن الله سبحانه لم يُعص مغلوبا ، ولكنه بحلمه تعالى لا يعجل على الظالمين ، كما جاء في دعاء الإمام علي (ع) " فلك الحمد من مقتدر لا يُغلب و ذي أناة لا يعجل " ، وهذا أمر قضى به الله سبحانه و تعالى ، أن يبعث في آخر الزمن من يُظهر به أمره و يُعلي به كلمته و يمحق به الكافرين ، حتى لا تقوم لهم راية أبدا إلى يوم القيامة ، ليعلم الخلق انه تعالى ، يفعل ما يشاء ، متى شاء ، و كيف شاء ، وعلى يد من يشاء ، إذن فالقضية سابقة ، ولكنه تعالى رحمة منه للعالمين جعلها قبل يوم القيامة ، و شاء أن يجعلها بعد أن ينزل إليهم الشريعة الكاملة على صدر خاتم الأنبياء و الرسل صلى الله عليه و آله ، و بالطبع هو ما اخبر به جميع الأنبياء و الرسل ، ولكن رسول الله (ص) جرى معه ما جرى مع جميع الأنبياء و الرسل و جرى من أمته ما جرى من الأمم السابقة ، فانتهى وقت الاختيار وجاء القضاء بان يُظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون ، وعندما يقول تعالى (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) لا يعني به الديانات السماوية السابقة فقط ، بل " الدين كله " فان الكافرين كذلك لهم دين ، و المكذبين لهم دين ، و الملحدين لهم دين ، و الطواغيت لهم دين ، و المفسدين لهم دين ، ولكن دينهم غير دين الله ، قال تعالى ( قل يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون ... لكم دينكم و لي دين ) الكافرون ، أما السؤال من هو الإمام المهدي ، فهذه قضية أخرى ، حيث أنها الآن أصبحت "حصرية " بمعنى أنها محصورة بإمام معين لا تتعداه إلى غيره ، أما لماذا ؟ فذلك لان جميع الأشهاد الذين اتخذهم الله سبحانه و اصطفاهم على الناس قُتلوا ، ولم يبق إلا شاهد واحد ، وهو الإمام الحجة بن الإمام الحسن العسكري عليهما السلام ، فأصبحت قضية حصرية به ، ولو شاء الله أن يجعلها في الإمام علي (ع) مثلا أو الإمام الباقر أو الإمام الجواد عليهم السلام لفعل ، ولكن هكذا أصبح الأمر بما كسبت أيدي الناس ، مع إن هذا الإمام (ع) بعينه هو الذي اخبر الله سبحانه و تعالى الأنبياء السابقين فضلا عن رسول الله صلى الله عليه و آله بأنه هو الإمام الذي يقوم بالسيف ، و يظهر الله به دينه على الدين كله ، ولكن هذا ما يعلمه الله ، وما يعلمه الله غير ما قضى به الله ، فانه أصبح قضاءا قضاه الله بعد أن وقع من الأمة ما كان يعلمه الله في سابق علمه من انقلاب الأمة على أعقابها ، و قتلها للأشهاد الأحد عشر الذين سبقوه ، و سيتضح لنا هذا الأمر في " السنن والأمثال" ، و" تفسير سورة البروج" في الجزء الرابع إن شاء الله .


من هو الإمام المهـدي (ع) :
لعل من المهم أن نبين الآن بكلمة مختصرة هوية الإمام المهدي (ع) ، التي ستبين لنا بشكل أوضح من خلال فهم قضيته في الأجزاء اللاحقة ، أما الآن فنقول إن محاولات التلبيس على شخص الإمام الشريف لعبت فيها عدة دوافع و عوامل مختلفة بين الجهل، و التآمر السياسي، و الإصرار على الغي . ولكن هل لذلك خلفية تاريخية وهل هي من سنن الأولين و أمثالهم ؟ أم هي قضية طارئة تخص الإمام المهدي (ع) وحده ؟
و للبحث في هذا الموضوع نرجع إلى القرآن الكريم فانه الفيصل في كل هذه الأمور، فنقول :
لقد بشرت الكتب السماوية السابقة بالرسل و الأنبياء اللاحقين ، و بالأخص بالنبي الأمي الذي يختم الله به الرسالات السماوية ( و مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد ) (61) ، وبالطبع هناك رسل غيره (ص) بشرت بهم الكتب السماوية لهم علامات و خواص تميزهم عن غيرهم لئلا يلتبس على الناس أمرهم ، و هؤلاء يختلفون في صفاتهم و معجزاتهم عن رسول الله (ص) ، و من صفات أولئك و من معجزاتهم أن يأتون بقربان تأكله النار، وعندما بعث الله رسوله محمد صلى الله عليه و آله اشترط بعض بني إسرائيل عليه المجيء بقربان تأكله النار ليصدقوا بأنه مرسل من الله ، قال تعالى (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، قل قد جاءكم رسل بالبينات و بالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) (62)، أي أن الأنبياء الذين من معجزتهم أن تأكل النار القرابين التي تقدم لله ، قد بعثهم الله قبل النبي الأمي ، و كذبت بهم بني إسرائيل و قتلتهم ، و الآن هم يسالون عنهم و يحتجون بمعجزاتهم و كأنهم لم يبعثوا ، ولكن بني إسرائيل قتلتهم ، وجاءت أجيال من بني إسرائيل فيما بعد كانوا عنهم بين غافل و مكذب.
وكذلك الأمر مع الإمام المهدي (ع) ، فانه عندما اخبر رسول الله و الأئمة من بعده صلوات الله عليهم بخبر المهدي (ع) ، بالطبع فانه لم يكن قد ولد بعد ، و قالوا انه سيولد في مستقبل الزمان ، ثم جاء مستقبل الزمان وولد الإمام المهدي (ع) تماما في الأجل الذي اخبرهم الله تعالى به و اخبروا عنه ، ولكن بعضهم مازال إلى اليوم يقول بأنه لم يولد و انه سيولد في آخر الزمان ، مثلهم في ذلك مثل بني إسرائيل أصحاب القربان الذي تأكله النار, و إنما هي سنن و أمثال جارية في الأمتين .
وبالطبع فان هذه المقولة لها أكثر من دافع ، فبعضهم غافلون و ضالون ، و بعضهم يلبسون على الناس عن قصد و عمد، حقدا على أهل البيت (ع) و حسدا لهم ، كما قال تعالى ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) ، ولكن الأدهى من ذلك ، أن اليوم هناك نفر من الشيعة تأثروا بهذه المقولات ، ثم بدؤا يضعون لها النظريات و الأطروحات التي تدل على بيع هؤلاء أنفسهم لإبليس و مكره و يقولون على الله ما لا يعلمون ، وفيهم قوله تعالى(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى( (63)، فقد ورد في كتاب " تأويل الآيات " :
ما رواه علي بن محمد ، عن أبي جميلة ، عن الحلبي . ورواه أيضا علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن الفضل بن العباس عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (... وقوله تعالى " كذبت ثمود بطغواها " ، قال : ثمود رهط من الشيعة فان الله سبحانه يقول " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون " ، وهو السيف إذا قام القائم عليه السلام . ) (64)
فبالرغم من أن هؤلاء كالببغاوات التي لا تعي ولا تفهم ، يرددون القول ( إن الأرض لا تخلوا من حجة ) ، ولكنهم لا يتفكرون في هذا القول و يسالوا أنفسهم : إذا كان الإمام المهدي (ع) لم يولد بعد ، فمن هو الحجة على الخلق منذ استشهاد الإمام الحادي عشر الإمام الحسن العسكري (ع) إلى اليوم ؟ ومن هو الشاهد الذي يشهد على أعمالهم يوم القيامة و يوم يقوم الأشهاد في قوله تعالى (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) (65)؟ ومن هو الشهيد الذي يأتي مع أنفسهم في قوله تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ) (66)؟ الم يقرأ هؤلاء قوله تعالى على لسان السيد المسيح (ع) (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) (67) ، فهل الشهيد هو ملك ؟ أم هو الحجة في الأرض من نبي أو وصي نبي ؟ ولأهمية هذا الموضوع ، و لبيانه بشكل مفصل خصصنا له في البحث موضوع السنن و الأمثال في الجزء الرابع و بحثه في سورة البروج في نفس الجزء ، لنرى إن كان الله سبحانه و تعالى جعل علينا شهيدا يشهد أعمالنا في الدنيا ، وشاهدا يشهد علينا يوم القيامة ، وهو الفرق بين الشاهد ، و الشهيد ؟ أم إن الأمر كما يظن الجاهلون حيث يقول تعالى ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) !
إن المسلمين يقرون جميعا بقوله تعالى } مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) (68)، فانه لا نبي بعد محمد (ص) ، و الشاهد و الشهيد هو بمنزلة النبي في العصمة و إقامة الحجة لله على الخلق ، وهو لا يكون من احد من رجالكم ، مهما تمنيتم ذلك لان محمداً (ص) ليس أبا احد من رجالكم ، و لكن له أبناءه من ابنته فاطمة عليها السلام ، هم من رسول الله ، وهو منهم بنص القرآن الكريم ( ذرية بعضهم من بعض ) ، و الإمام المهدي (ع) هو الشاهد الثاني عشر على الخلق أجمعين ، هو ابن رسول الله من ابنته فاطمة عليها السلام ، هو القائم بدين الله بالسيف بعد إن لم تنفع الوسائل الأخرى ، وهو ابن الإمام الحسن بن الإمام علي بن الإمام محمد بن الإمام علي بن الإمام موسى بن الإمام جعفر بن الإمام محمد بن الإمام علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين ، ولد سنة ( 255 هج ) ، و من كان له إمام غيره ، فان الله سيبعثه مع إمامه بقوله تعالى (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (69) ، فلينظر لنفسه إن كان الله تعالى انزل بإمامه سلطان ؟ أم إنْ هي (إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) (70)
و سنأخذ عينات مختلفة من الروايات عن أهل البيت (ع) ، وعن الكتب السماوية السابقة ، ولما كان الإمام الحسين (ع) هو ابن رسول الله بنص القرآن الكريم ، وهو ابن الإمام علي وابن فاطمة الزهراء عليهما السلام ، فللاختصار ، سنركز على بعض الروايات التي تخصه و تسميه بأنه الابن التاسع للإمام الحسين (ع) ووصيه التاسع ، ففيها الغنى و التحديد المختصر .
1 ـ قال سليم ، سمعت سلمان الفارسي يقول : كنت جالسا بين يدي رسول الله صلى الله عليه و آله في مرضه الذي قبض فيه ، فدخلت فاطمة عليها السلام ، فلما رأت ما برسول الله صلى الله عليه و آله من الضعف خنقتها العبرة حتى جرت دموعا على عينيها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه و آله :
{ " يا بنية ، ما يبكيك ؟
قالت : يا رسول الله ، أخشى على نفسي و ولدي الضيعة من بعدك . "
في حديث طويل لرسول الله صلى الله عليه و آله مع ابنته فاطمة عليها السلام ، نأخذ منه :
( فأنت سيدة نساء أهل الجنة، و ابناك الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة ، و أنا و أخي و الأحد عشر إماما أوصيائي بعد أخي ، الحسن ، ثم الحسين ، ثم تسعة من ولد الحسين ، في منزل واحد في الجنة ، وليس من منزل اقرب إلى الله من منزلي ) ... إلى أن قال :
قال (ص) : ( يا بنية : إنا أهل بيت أعطانا الله سبع خصال لم يعطها لأحد من الأولين ولا احد من الآخرين غيرنا : أنا سيد الأنبياء و المرسلين و خيرهم ، ووصيي خير الوصيين و وزيري بعدي و خير الوزراء ، و شهيدنا خير الشهداء ، اعني عمي حمزة .
قالت : يا رسول الله ، سيد الشهداء الذين قتلوا معك ؟
قال : لا ، بل سيد الشهداء من الأولين و الآخرين ، ما خلا الأنبياء و الأوصياء ، و جعفر بن أبي طالب ذو الهجرتين و ذو الجناحين المضرجين يطير بهما مع الملائكة في الجنة .
و ابناك ، الحسن و الحسين سبطا أمتي و سيدا شباب أهل الجنة ، و منا ـ و الذي نفسي بيده ـ مهدي هذه الأمة ، الذي يملأ الله به الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملأت ظلما و جورا .
قالت فاطمة (ع) : يا رسول الله ، فأي هؤلاء الذين سميت أفضل ؟
فقال صلى الله عليه و آله : أخي علي أفضل أمتي ، و حمزة و جعفر أفضل أمتي ، بعد علي و بعدك و بعد ابنيّ و سبطيّ الحسن و الحسين و بعد الأوصياء من ولد ابني هذا ـ و أشار صلى الله عليه و آله بيده إلى الحسين عليه السلام ـ فمنهم المهدي ، و الذي قبله أفضل منه ، الأول خير من الآخر ، لأنه إمامه ، و الآخر وصي الأول .) (71) }
2 ـ قيل للإمام علي (ع) عندما جاء على ذكره في خطبة البيان : يا أمير المؤمنين صف لنا هذا المهدي ، فان قلوبنا اشتاقت إلى ذكره . فقال عليه السلام :
(هو صاحب الوجه الأقمر و الجبين الأزهر، وصاحب العلامة و الشامة ، العالم غير المعلَم ، و المخبر بالكائنات قبل أن تُعلم ، معاشر الناس ألا وان الدين فينا قامت حدوده ، واخذ علينا عهوده ، ألا وان المهدي يطلب القصاص ممن لا يعرف حقنا ، وهو الشاهد بالحق ، و خليفة الله على خلقه ،اسمه كاسم جده رسول الله صلى الله عليه و آله ، ابن الحسين بن علي ،من ولد فاطمة (ع) ، من ذرية الحسين ولدي ، فنحن الكرسي و أصل العلم و العمل ، فمحبونا هم الأخيار، وولايتنا فصل الخطاب ، و نحن حجبة الحجاب ، ألا وان المهدي أحسن الناس خلقا و خلقة . ) (72).
3 ـ و عن أبي عبد الله (ع) قال : ( لما علقت فاطمة (ع) بالحسين صلوات الله عليه، قال لها رسول الله صلى الله عليه و آله : يا فاطمة إن الله قد وهب لك غلاما اسمه الحسين تقتله أمتي ، قالت : فلا حاجة لي فيه . قال (ص) : إن الله عز و جل وعدني فيه أن يجعل الأئمة من ولده . قالت : رضيت يا رسول الله . ) (73).
4 ـ قال سليم : اقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين (ع) ، فنزل العسكر قريبا من دير نصراني ، فخرج إلينا من الدير شيخ كبير جميل حسن الوجه و الهيئة و السمت ، و معه كتاب بيده ، حتى أتى أمير المؤمنين عليه السلام فسلم عليه بالخلافة ، فقال له علي (ع) : مرحبا يا أخي شمعون بن حمون ، كيف حالك رحمك الله ؟
فقال : بخير يا أمير المؤمنين و سيد المسلمين ووصي رسول رب العالمين ، إنني من نسل رجل من حواري أخيك عيسى بن مريم عليه السلام ، وأنا من نسل شمعون بن يوحنا وصي عيسى بن مريم (ع) .... الخ ، فالحديث طويل ، فنأخذ نص ما في الكتاب الذي معه :
نص ما في كتاب عيسى (ع)
( بسم الله الرحمن الرحيم ، احمد رسول الله ، و اسمه محمد ، و ياسين ، و طه ، و ن ، و الفاتح ، و الخاتم ، و الحاشر ، و العاقب ، و الماحي ، وهو نبي الله و خليل الله و حبيب الله ، و صفيه و أمينه و خيرته ، يرى تقلبه في الساجدين ، يعني في أصلاب النبيين ،و يكلمه برحمته ، فيُذكر إذا ذُكر ، وهو أكرم خلق الله ، و أحبهم إلى الله ، لم يخلق الله خلقا ـ ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ، من آدم فما سواه ـ خيرا عند الله ، ولا أحب إلى الله منه ، يقعده الله يوم القيامة على عرشه ، و يشفعه في كل من يشفع فيه ، و باسمه جرى القلم في اللوح المحفوظ في أم الكتاب و بذكره ، محمد رسول الله ، ثم أخوه صاحب اللواء يوم الحشر الأكبر ، أخوه ووصيه و وزيره و خليفته في أمته ، و أحب خلق الله إلى الله بعده : علي بن أبي طالب ، ولي كل مؤمن بعده ، ثم احد عشر إماما من ولد أول ألاثني عشر ، اثنان سميا ابني هارون : شبر و شبير ، و تسعة من ولد أصغرهما وهو الحسين ،واحد بعد واحد ، آخرهم الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه . ) (74) .
5 ـ في مسائل الإمام الخضر (ع) لأمير المؤمنين (ع) ، و أمر الإمام علي (ع) الإمام الحسن (ع) أن يجيبه عليها ، ووردت في أمهات المصادر الشيعية وهو حديث طويل نأخذ منه ، قال الخضر (ع) : ( اشهد أن لا اله إلا الله ولم أزل اشهد بها ، وحده لا شريك له ، و اشهد أن محمدا رسول الله ، ولم أزل اشهد بها ، و اشهد انك وصي رسول الله ، القائم بحجته ـ و أشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام ـ و اشهد انك وصيه و القائم بحجته ـ و أشار إلى الإمام الحسن (ع) ،و اشهد أن الحسين بن علي وصي أبيه و القائم بحجته بعدك ، و اشهد على علي بن الحسين انه القائم بأمر الحسين ، و اشهد ..... " حتى عد الأئمة إلى أخرهم ، إلى أن قال" ، و اشهد أن رجلا من ولد الحسين لا يسمى ولا يكنى ، حتى يظهر الله أمره ، فيملاها عدلا كما ملئت جورا ، و السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة الله . ) (75)
6 ـ وفي قوله تعالى فيما قصه عن إبراهيم (ع) و دعائه : ( و جعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ) , عن الإمام الباقر (ع) ، أنها الإمامة جعلها باقية في العقب بعد العقب ، فهي في الإمام علي (ع) وصي رسول الله (ص) ، ثم في الإمام الحسن (ع) ، ثم في الإمام الحسين (ع) ، ثم في عقبه الإمام علي بن الحسين (ع) ، فالباقر فالصادق فالكاظم فالرضا فالجواد فالهادي فالعسكري وآخرهم الذي هو عقب الإمام الحسن العسكري ، كلمة الله الباقية و أمره النافذ صلوات الله عليهم أجمعين .
وفي علل الشرائع ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : ( و جعلها كلمة باقية في عقبه ، في عقب الحسين ، فلما يزل هذا الأمر إلى الحسين ينتقل من ولد إلى ولد ، لا يرجع إلى أخ ، و لا عم .) .
و فيه أيضا : حدثنا سعد بن عبد الله عن محمد بن عيسى بن عبيد عن حماد بن عيسى عن عبد العلى بن أعين قال : سمعت أبا عبد الله " ع " يقول : { إن الله عز وجل خص عليا " ع " بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وما يصيبه له ، فاقر الحسن والحسين له بذلك ، ثم وصيته للحسن وتسليم الحسين للحسن ذلك ، حتى أفضى الأمر إلى الحسين لا ينازعه فيه احد له من السابقة مثل ماله ، واستحقها علي بن الحسين لقول الله عز وجل ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) فلا تكون بعد علي بن الحسين إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب . } (76) .
7 ـ عن حذيفة بن اليمان قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و آله ثم اقبل علينا بوجهه الكريم و قال : معاشر أصحابي ...(و قص حديث الثقلين بطوله ، إلى أن قال حذيفة) ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله : ( فان وصيي وخليفتي من بعدي ، علي بن أبي طالب ، قائد البررة و قاتل الكفرة ، منصور من نصره مخذول من خذله .
فقلت : يا رسول الله ، فكم يكون الأئمة من بعدك ؟
قال : عدد نقباء بني إسرائيل ، تسعة من ولد الحسين ، أعطاهم الله علمي و فهمي ، خزان علم الله ، و معادن وحي الله .
قلت : يا رسول الله ،فما لأولاد الحسن ؟
قال : إن الله جعل الإمامة في عقب الحسين ، و ذلك قوله تعالى " و جعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون" .
قلت : أفلا تسميهم لي يا رسول الله ؟
قال : نعم ، لما عرج بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش ، فرأيت مكتوبا بالنور " لا اله إلا الله ، محمد رسول الله ، أيدته بعلي ، و نصرته به " و رأيت أنوار الحسن و الحسين و فاطمة ، و رأيت ثلاثة مواضع ، عليا عليا عليا ، و محمد محمد ، و جعفر و موسى و الحسن ، و الحجة يتلألأ من بينهم كأنه كوكب دري ، فقلت ، يا رب ، من هؤلاء الذين قرنت اسمهم باسمك ؟
فنوديت : يا محمد ، إنهم الأوصياء و الأئمة من بعدك ، طوبى لمن أحبهم ، و الويل لمن ابغضهم ، فبهم انزل الغيث ، و بهم أثيب و أعاقب . ) (77).
8 ـ و في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام ، فقام إليه رجل يقال له عامر بن كثير ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرتنا عن أئمة الكفر و خلفاء الباطل ، فاخبرنا عن أئمة الحق و ألسنة الصدق بعدك .
قال عليه السلام : ( نعم ، انه لعهد عهده إلي رسول الله صلى الله عليه و آله : أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماما ، تسعة في صلب الحسين (ع) ، ولقد قال النبي صلى الله عليه و آله : " لما عرج بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش ، فإذا مكتوب فيه " لا اله إلا الله ، محمد رسول الله ، أيدته بعلي ، و نصرته بعلي " ، و رأيت اثنا عشر نورا ، فقلت : يا رب أنوار من هذه ؟ فنوديت : يا محمد هذه أنوار الأئمة من ذريتك . " .
فقلت ( أي الإمام علي "ع" ) : يا رسول الله ، أفلا تسميهم لي ؟
فقال : نعم ، أنت الإمام و الخليفة بعدي ، تقضي ديني ،و تنجز عداتي ، و بعدك ، ابناك الحسن و الحسين ، و بعد الحسين ، ابنه علي زين العابدين ، و بعده ، ابنه محمد يدعى الباقر ، و بعد محمد ، ابنه جعفر يدعى الصادق ، و بعد جعفر ابنه موسى يدعى بالكاظم ، و بعد موسى ابنه علي يدعى بالرضا ، و بعد علي ابنه محمد يدعى بالزكي ، و بعد محمد ابنه علي يدعى بالنقي ، و بعد علي ابنه الحسن يدعى بالأمين ، و بعده القائم من ولد الحسين ، سميي ، و أشبه الناس بي ، يملآها قسطا و عدلا بعدما ملئت ظلما و جورا . ) (78) .
و الروايات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و آله في انه التاسع من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، بالغة حد التواتر ، و عن أئمة أهل البيت علهم السلام بما لا يدع لجاهل ولا غافل أي عذر في أن ينخدع بهويته ،فإنها تسع آيات بينات من أولاد الحسين (ع) ، كآيات موسى التسعة إلى فرعون ، تاسعهم قائمهم بالسيف عليه السلام .
9 ـ وفي خطبة ( تطنجية ) في جوابه لابن قدامة ، قال أمير المؤمنين عليه السلام عليه السلام : ( يا بن قدامة ، أنا و ابناي شبر و شبير و أمهما الزهراء بنت خديجة الكبرى ، الأئمة فيها واحدا بعد واحد ، إلى القائم اثنا عشر إماما ، من عين شربنا و إليها رددنا .
قال ابن قدامه : قد عرفنا شبر و شبير و الزهراء و الكبرى ، فما أسماء الباقي ؟
قال عليه السلام : تسع آيات بينات ، كما أعطى الله موسى تسع آيات ، الأول ، علموثا .. علي بن الحسين ، و الثاني ،طيموثا .. الباقر، و الثالث دينوثا .. الصادق، و الرابع بجبوثا.. الكاظم، و الخامس هيملوثا.. الرضا، و السادس اعلوثا.. التقي ، و السابع ريبوثا .. النقي , و الثامن علبوثا .. العسكري . و التاسع ريبوثا ، وهو النذير الأكبر
قال ابن قدامه : ما هذه اللغة يا أمير المؤمنين !
قال (ع) : أسماء الأئمة بالسريانية و اليونانية ، التي نطق بها عيسى ، و أحيى بها الموتى ، و أبرء الأكمه و الأبرص . ) (79).
أما شهادة أولياء الله السابقين على الإسلام ، على هوية الإمام المهدي (ع) بأنه التاسع من ولد الحسين (ع) الذي لا يسمى ولا يكنى ،. و شهادة عدد من اليهود و النصارى الذين اسلموا بعد رسول الله صلى الله عليه و آله على يدي أمير المؤمنين (ع) ، وهي كثيرة جدا ، راجعها في كتاب الهداية الكبرى ، أو الاحتجاج ، أو كتاب سليم بن قيس ، علما إن كتاب سليم بن قيس الهلالي ، شهد على صدقه و صحته خمسة من الأئمة المعصومين (ع) أولهم الإمام علي ثم الإمام الحسن ثم الإمام الحسين ثم الإمام علي بن الحسين ثم الإمام محمد بن علي عليهم السلام .
ومع ذلك ، فسيأتي في هذا الوقت ، وقت ظهور الدجالين ، من يدعي إن الإمام المهدي غير ذلك ، فاعلموا أنكم إن اتبعتموهم فإنكم إن تتبعون إلا شيطانا مريدا ، و دجالا عنيدا ، ولو جاءكم بأحلى القول ، واعلموا أن " ألسامري" لعلمه بمنزلة موسى (ع) بقلوب المؤمنين من بني إسرائيل ، عندما جاءهم بالعجل قال لهم ( هذا إلهكم و اله موسى فنسي ) ، فلم يُخرج موسى (ع) من الأمر ولم يتهمه بالكذب أو السحر ، بل بالنسيان ، لكي لا يستفز مشاعرهم و يجعلهم ينفرون من قوله الباطل . و سيأتيكم سامريكم بعجل لا يستفزكم فيه ، و يقول في أئمة أهل البيت (ع) أحلى القول و أكثره زخرفا ، ثم يدس لكم سمومه في كلام معسول ، فالحذر الحذر، إلا أن يشاء الله إضلالكم ، فلا نملك لكم عندئذ نفع ولا ضر ، ولا تنفع العذر و النذر ، و كفى بالله حسيبا .
و أما عن عمره الشريف حين الولاية ، ففي الإمامة و التبصرة في حديث معنعن ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال أبو بصير : دخلت إليه و معي غلام يقودني ، خماسي ( ابن خمس سنوات ) لم يبلغ ، فقال لي (ع) : ( كيف انتم إذا احتج عليكم بمثل سنه ، ( أو قال : سيلي عليكم بمثل سنه ) ؟
أي يعنى انه يكون حجة الله على الخلق وعمره خمس سنوات .
و فيه ، عن أم هانئ ، قالت : لقيت أبا جعفر ، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، فسألته عن هذه الآية " فلا اقسم بالخنس ، الجوار الكنس " ، فقال عليه السلام :
( إمام يخنس في زمانه ، عند انقضاء من علمه ، سنة ستين و مائتين ، ثم يبدو كالشهاب الثاقب في ظلمة الليل ، فان أدركت ذلك ، قرت عيناك .) (80).
قوله عليه السلام " عند انقضاء من علمه " أي بعد أن يحصل العلم به ، و تثبت له الحجة على المؤمنين ، فلا يقولون " انه لم يولد بعد " وغير ذلك من الأقوال ، ففي هذه خمسة السنوات يكون انقضاء من العلم به ، قبل الغيبة .
وفي عقد الدرر، عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) :
( .. إلى أن قال : " يكون هذا الأمر في أصغرنا سنّا ، وأجملنا ذكرا ، ويورثه الله علما ، ولا يكله إلى نفسه ) (81) . وورد في بعض المنسوخات ( أخملنا ذكرا) بدل ( أجملنا ذِكرا) وهو خطأ من النساخ ، ويعني أجملنا ذكرا : أن ذكره جميل وفيه تطييب للنفوس ومواساة للأحزان ، فإننا لا ذكر احد من أهل البيت (ع) إلا فاضت عيوننا بالعبرات ، وتقرحت قلوبنا بالألم والحزن لما أصابهم ، إلا الإمام المهدي عليه السلام فان ذكره جميل ، فانه يمثل الأمل المأمول ، ويمثل الفرح الذي يدخله الله في قلوب المؤمنين عندما ينصره الله ، كما قال تعالى (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )

دولة السيف
بعد أن عرفنا من خلال التاريخ ومن خلال الكتب السماوية ما حصل من الأمم السالفة ، من أين نعرف أن دولة الإمام المهدي (ع) لا يتم الانقلاب عليها في حال قيامها بإذن الله ، كما حصل مع ما سلف ؟
قبل فتح هذا الموضوع الذي هو الأهم لنعرف أين نحن ؟ وفي أية مرحلة ؟ يجب أن نعرف أن دولة الكفر والاستكبار ستدمر قبل قيام دولة الوعد الإلهي بقليل بقيام الحرب التي لا تُبقي ولا تذر، والتي يقتل فيها أكثر من ثلثي أهل الأرض وتدمر فيها بلاد وتعذب أخرى كما وعد سبحانه وتعالى بقوله : )و إن من قريةٍ إلا ونحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ( (82). و: ) فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب اليم ( (83).
فأن الناس عندما يرون العذاب لن يجدوا من يلجئون إليه فيستغيثون به إلَّا الله العلي القدير فيذكرون آنذاك أنه هو ربهم وينسون الأرباب الذين يظلون ويعجزون عن نصرتهم بل يعجزون عن حماية أنفسهم ) ربنا اكشف عنّا العذاب إنّا مؤمنون ( (84)، وقد كفروا وكذبوا من قبل بالرسل ومع ذلك يرأف الله بهم ويرحمهم ويستجيب لاستغاثتهم ) إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون ( (85).
لكن الانتقام هو يوم البطشة الكبرى ، فينجي من يشاء برحمته من الغبار الذري والإشعاعات والدخان والحرارة الشديدة والحرائق وتنكشف الحرب عن مليارات من الرؤوس المشوية ، فذلك يجعل الناس أكثر رجاءً بالله وأكثر طوعاً لولي الله وأكثر تقبلاً لأمر الله . ولكن الظالمين والمستكبرين لو أدخلهم الله سبحانه وتعالى في نار جهنم ثم أخرجهم منه ) لعادوا لما نهوا عنه ( (86)وهو علاّم الغيوب والأعلم بخلقه .

اليأس من الانقلاب :
هناك أمور يجب أن يكون لدينا تصور واضح قبل بسط الطرح المتصور عن ضمان فشل أي انقلاب يقوم به أعداء الله :
العلم وأثره في الحياة .
الوسائل المتوقعة للانقلابيين في ضوء السُنَنِ السابقة .
ديمومة الدولة
1- العلم وأثره في الحيــــاة :
إن قول ملائكة السماء: ) سُبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا ((87) ، هو منتهى الإدراك لحقيقة كل ما يتيسر للمخلوق الحصول عليه من العلم فأن مردّه إلى الله سبحانه وتعالى ولكن الذين ظلموا أنفسهم كلما آتاهم الله شيئاً من العلم أو حققوا إنجازا قالوا : ) إنما أوتيته على علمٍ عندي ((88) ، وأصابه الغرور فظل وهوى وإنما العلم كما هو وسيلة آتاها الله لأهل العلم لجعل الحياة أيسر ، فأنه قبل ذلك - وأهم من ذلك - حجّه لله على خلقه مع حججه الأخرى ، خاصة عند خفاء الحجج المرسلة كما في مدَّة خفاء إبراهيم (ع) وخفاء موسى (ع) ومدَّة خفاء الإمام الحجة (عج) ولم يؤتِ الله سبحانه وتعالى العلم دُفعة واحدة بل ينزله بقدر ، فأنه في الواقع تراكمي يفتح الله سبحانه وتعالى أبوابا منه بالتدريج لعدم مقدرة العقل البشري على احتماله دُفعة واحدة ، وإلا فأنه سيكذب ويكفر ، ويمكن حمل قوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسوءكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم * قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ((89) ، بهذا المعنى والقرآن ليس هذا القرطاس الجامد بين أيدينا ، لكننا لو أننا أحسنا بالقرآن وتمسّكنا بما أمرنا الله ولم نقتل من ولََّى الله علينا وجعلهم أئمة فإننا بالقرآن نقطع الأرض ونُسيّر الجبال ونكلّم الموتى كما ذكر الله تعالى : ) ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا ... ( (90)، وهو ) شفاء ورحمة للمؤمنين ( (91)، أن العلم حجة لله لولا يتعجلون أو يسألون عن أشياء لا تنفعهم ، ثم إنهم لم يسألوا أهل العلم بل المدعين والمتفقهين والمتعسفين فضلوا و أضلوا ، وحرمت الأمة من عجائب و غرائب العلوم في آيات هذا الكتاب السماوي ، لكن حتى حين، إن شاء الله . أما ما أظهره الله سبحانه وتعالى من حججه على خلقه بالعلم فعلى سبيل المثال لا الحصر ، فكل الذين خاضوا في المادية والمثالية وتجادلوا في أسبقية المادة على الفكر والفكر على المادة وادعاء الماديين أن للمادة " وجود مستقل خارج الشعور والإدراك تتميز بالطابع الأول وإن الفكر عنصر مشتق منها وقرروا على ذلك أن كل ما في الوجود إنما هو مظاهر مختلفة للمادة وحركتها أو تطورها وإن الإدراك والوعي هو نتاج للمخ وهو عضو مادي وإن الأفكار والتطورات هي انعكاس للمادة " (92) ، هذه هي خلاصة نظريتهم ، وردّ الله عليهم بالحجة العلمية فيسر الصناعات الإلكترونية والحاسوب ، فالحاسوب ليس إلا قطعا معدنية وبلاستيكية على الرغم من جماليتها ، لكن مقدرتها على العمل والتحليل والاستنتاج والتتبع والتشخيص والتحديد والفرز إنما يعتمد على أمرين أساسيين : أحدهما ؛ البرنامج الابتدائي الذي توضع فيه المعلومات جميعها تحت تصرف الحاسوب ، تلك المعلومات يمكنه التعامل معها ويستند إليها ويعمل على ضوئها . والأمر الآخر : البيانات التي نقدمها للحاسوب وتطلب منه تحليلها وإجراء العمليات الأخرى عليها كالاستنتاج والتتبع والتشخيص والتحديد والفرز وما إلى ذلك . هذان الأمران ليسا من أصل المادة بل لا علاقة لهما بالمادة ، وإنما صانع المادة أو صانع الحاسوب هو الذي صمم البرنامج الذي يمكن للحاسوب أن يتعامل مع البيانات على أساسه ، زيادة على أن البيانات ليست من أصل المادة بل هي من وضع صانعها ، وخالقها زوَّد الحاسوب بها ليتعامل معها . هذا إذا صرفنا النظر عن الطاقة التي تجعل المادة حية ، فالحاسوب بلا طاقة كهربائية مجرد مجموعة من الحديد والبلاستك ، إذاً الطاقة هي الروح ، والبرنامج الابتدائي والبيانات هي العقل والفكر ) وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ( (93).
وكما أن الاستنساخ من الخلايا الحية المأخوذة من الضرع أو الثدي أو الخلايا الجذعية وغير ذلك إلا ليكفّ الذين يقولون : ( المسيح ابن الله ) و ( عزير ابن الله )* ، سبحان الله عمّا يصفون ، الذي خلق كل شئ من غير مثال خلا من غيره ولم يقتبس من أحد وهو على كل شئ قدير ، وها هو يقول لهم، لم يكن عسيراً عليه أن يخلق عيسى من خلية من خلايا أمه (ع) من أي مكان أراد .
علما أن لهذا الأمر دلالة أخرى أعظم خطورة ، فهو وإن كان فيه الحجة عليهم ، إلا انه بعض مما ظن إبليس انه قادر على أن يحتنك الناس به و ويجعلهم يعتدون و يعلون على الله بقوله تعالى (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) (94)، فان ما يقوله القرآن الكريم أن ظن إبليس هذا الذي يشير إليه ، هي مخططات و أفكار وضعها إبليس، منها بعيدة المدى ، إذ قال (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) (95) ـ و الاحتناك هو الأخذ بالحنك دلالة الانقياد الكامل و السيطرة الكاملة على المأخوذ به من حنكه ـ ، و منها قريبة الأجل .
فالتي كانت بعيدة المدى :
ما كان من ظنه انه قادر على فعله ، هو ما هدد بفعله في أن يأمرهم بتغيير خلق الله ، إذ قال في كتاب الله : ( وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ) (96)، و المقصود بتغيير خلق الله هو (الاستنساخ ) و محاولات استنساخ البشر بشكل سري ، وهو من علامات وعد الآخرة وبالطبع لن ينجح ولن يتم ، ولكن المحاولة بحد ذاتها هي استكبار ما بعده استكبار ، علما أن الذين خلقهم الله تبارك وتعالى بهذا الخلق يكونون (حصورا ) مثل يحيى (ع) و السيد المسيح (ع) " سيدا و حصورا " أي ليس له جهاز تناسلي أو غير قادر على الإنجاب و التكاثر ، فهل يعلم أصحاب الاستنساخ بهذه الحقيقة ؟
و التغيير الآخر لخلق الله ( النباتات و البذور المعدلة وراثيا و جينيا ) ، وما ثبت مؤخرا خطورتها الشديدة على سلامة الإنسان و صحته ، وقامت حملة عنيفة ضده من منظمات حماية البيئة، وتم تدمير مزارع كبيرة منه ، و تمتنع كثير من الدول الأوربية من استيراده أو إنتاجه ، ولكن الشركات تقوم بتصديره إلى الدول المستضعفة و الفقيرة و المحاصرة ، غير عابئين بسلامة البشر، بل بجيوبهم و استثماراتهم و أمر إبليس لهم بتغيير خلق الله . و يزعم هؤلاء الذين صدق عليهم إبليس ظنه ، أنهم اكتشفوا الخارطة الجينية الوراثية التي تحملها الكروموسومات ، ويحاولون السيطرة عليها و التحكم بها ، و بالطبع لكي يخلقوا لنا إنسان من نوع (سوبر مان) يرعبوننا به ، و يحاربون به " الإرهاب" !!!
أما صدق ظن إبليس عليهم في مخططاته القريبة ، فما ورد عن الإمام علي (ع) ، انه في يوم غدير خم ، إذ خرج إبليس حزينا شديد الكآبة عندما نصب رسول الله صلى الله عليه و آله الإمام علي (ع) خليفة بعده ، وقال ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه .... ) ، و هانت نفس إبليس عليه أمام جنده و رجاله ، و بدء محاولاته و مخططاته و أفكاره الجديدة ، فكان صدق ظنه الذي ظن و أشار إليه قوله تعالى (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ) هو يوم السقيفة ، فانتصر و انتقم من يوم "غدير خم" .
جاء سلمان إلى الإمام علي (ع) وهو يكفن رسول الله صلى الله عليه و آله ، و اخبره أن القوم بايعوا أبا بكر في سقيفة بني ساعدة ، فسأله الإمام علي (ع) ، قال : ( ولكن هل تدري من أول من بايعه حين صعد المنبر ؟
قلت : لا ، و لكني رأيت شيخا كبيرا يتوكأ على عصاه ، بين عينيه سجادة شديدة التشمير ، صعد المنبر أول من صعد ، وخر وهو يبكي و يقول ( الحمد لله الذي لم يمتني حتى رايتك في هذا المكان .. ابسط يدك ) ، ثم قال ( يوم كيوم آدم ) .
فقال علي (ع) : يا سلمان ، أتدري من هو ؟
قلت : لا ، لقد ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسول الله .
قال علي (ع) : فان ذلك إبليس لعنه الله .
ثم قال علي عليه السلام : أخبرني رسول الله صلى الله عليه و آله ، و قال : يبايع الناس أبا بكر في ظلة بني ساعدة ، بعد تخاصمهم في حقنا و حجتنا ، ثم يأتون المسجد ، فيكون أول من يبايعه على منبري ، إبليس في صورة شيخ كبير مشمر يقول كذا و كذا ، ثم يخرج فيجمع أصحابه و شياطينه و أبالسته ، فيخرون سجدا فيقولون (يا سيدنا ، يا كبيرنا ..أنت الذي أخرجت آدم من الجنة ) فيقول : أي امة لن تظل بعد نبيها ؟ كلا .. زعمتم أن ليس لي عليهم سلطان ولا سبيل ؟ فكيف رأيتموني صنعت بهم حين تركوا ما أمرهم الله به من طاعته ، وأمرهم به رسول الله ، و ذلك قوله تعالى ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ.) (97).
كما أن كثير من الناس ـ إلى يومنا هذا ـ هم ضحايا لأعمال السحر والشعوذة ، وينسب المغفلون من الناس هذه الأعمال إلى المعجزات ، فهنالك دجالون يزعم أتباعهم أن لهم معجزات بحيث أنهم إذا سجدوا سجد معهم النخيل ، وأمثال هذه الأعمال السحرية ، بينما يمكن لأبسط الناس كشف سحرهم و دجلهم بتصوير هذه ( المعجزات ) بكاميرات الديجيتل و الكاميرات الرقمية وغيرها من الوسائل المماثلة ثم عرضها في مكان آخر أو وقت آخر ، فسيكتشف أن ما رآه من سحر لم يكن سوى خداع بصر وان الكاميرات لم تصور أيما شيء مما رأى ، لأنها مادة لا ينخدع بصرها ولا تصور إلا ما هو حقيقي ، بينما المعجزات تراها عيانا و تصويرا وتسجيلا ، وهذا حجة على السحرة و المشعوذين و دعاتهم .

دورة العلوم ... و دورة الدولة :

سيبين لنا بشكل واضح ما أردنا قوله في المقدمة وما سنتناوله في شرح و تفسير خطبة البيان في الجزء الرابع ، إن الدولة العالمية التي هي من المقادير الإلهية ، والتي تظهر وفق متوالية زمنية ثابتة ، ومنها ما ذكرناه من الدول ، أن كل دولة من هذه الدول هي التي يفتح الله لها أبواب العلم بشكل غير مسبوق ، أما بإيتاء من الله ، أو بإذن الله . أي بمعنى : إن الأمة التي تكون لها الدولة ، سواء كانت من الدول العادلة أو الظالمة ، تكون متقدمة جدا في العلوم عامة ، أما بايتاءهم العلم من الله سبحانه وتعالى ، كدولة ذي القرنين و دولة النبي سليمان عليهما السلام ، أو بإذن من الله سبحانه بوسائل متعددة ومختلفة ، يدخل يضمنها الافك و السحر و التنجيم وتسخير الشياطين و الجن ، كدولة نمرود ، ودولة بخت نصر، و دولة الفراعنة ، ودولة الفارسيين وغيرها، أو بوسائل ( العلم البديل) ، حيث يختلط فيها الحق و الباطل، و الشبهات و اليقين ، كدولة الاسكندر، ودولة العرب المسلمين ، ودولة التتار المغول , ودولة الروم الحالية . فان كل من تكون له الدولة يكون له العلم ، فعندما كانت الدولة للعرب المسلمين على سبيل المثال ، كانت أوربا تعيش في تخلف شديد وجوع وفقر ، ويروي المؤرخون أن لندن كانت بيوتا من الطين في عصر الخلافة العباسية ، وفي عصر الدولة الأموية في الأندلس التي بلغت فيها النهضة " العلمية والفكرية " و العمرانية أوجها ،ولا زالت آثار الحضارة الإسلامية ماثلة في الأندلس و صقلية و اشبيلية و غيرها مما كانت محط أنظار الشعوب الأوربية ، و مزارهم الذي يثير دهشتهم و إعجابهم ، حتى أدى ذلك إلى مهاجمة النورمانديون لها و الاستيلاء على معظمها لنقل هذه الحضارة و العلوم و العمران إلى أوربا الحديثة حسب كتابات المؤرخين الأوربيين ، وعندما انتقلت الدولة إلى التتار و الصينيين ، تراجعت العلوم وعم الخراب عند العرب ، وازدهرت الحضارة الصينية ، ثم تراجعت تلك الدولة وازدهرت دولة الروم ومن والاهم ، ولكن النظرة العامة عند الناس عن ( التطور ) الذي يتمتع به الغرب عموما الآن هي نظرة جاهلة لهذه الحقيقة ، وربما يسندون ذلك إلى "التطور العقلي" الذي يقصدون به (التفوق العنصري) لأمة معينة على امة أخرى ، بل إن ما يروج له البعض من أن العرب المسلمين نقلوا العلوم الإغريقية و استفادوا منها و طوروها هو الآخر قول ينم عن الجهل بحقيقة المقادير الإلهية ، التي ترتبط فيها دورة العلم و دورة الدولة بشكل جدلي ، وذلك قوله تعالى ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) فان مداولة الأيام شاملة لكل شيء و كل شان من شؤون الحياة و من ضمنها العلوم بمختلف أبوابها ، وسنكتشف من خلال تاريخ الدول العالمية ، إن بعض العلوم التي تمتعت بها بعض الدول السالفة هو مما لم تتمكن الإنسانية من اكتشاف أسراره إلى اليوم و الاستفادة منه ، ذلك لأنها علوم تعتمد الافك و السحر و تسخير الشياطين أكثر مما هي علوم يمكن للإنسان المستقيم الصالح أن يتعلمها أو يحتاج إليها .
و في قوله تعالى (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (98). ما يحذر منه تعالى ألا يغتر المتأخرون مما آتاهم الله ، فلقد آتى غيرهم ممن سبق ، مثل ذلك و أكثر ، و لكن أين هم الآن ؟ وبالطبع فان المخاطب مباشرة في هذه الآية هم الروم ، فهي في سياق السورة النازلة فيهم ، والكلام هو عن الملحمة العظمى وغرور الروم بعلومهم وأسلحتهم التي سيسلطها الله عليهم .
أما العلم الإلهي فهو شيء آخر حرمت منه الإنسانية بسبب تفريطها بحملته و المستودعين عليه من خلفاء الله في الأرض و أمناءه فيها ، بالهدى الذي وعدهم أن يأتيهم منه تعالى و أرشدهم إلى إتباعه ( فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) (99)، فرفع الله هذا العلم ، لينزله في دولة الوعد الإلهي على يد الإمام المهدي (ع) وهو علم إذا قيس بما عند أهل الأرض اليوم من العلوم المتقدمة ، فهو كالفرق بين الجحيم و النعيم ، وذلك بسبب إعراض الناس عن هذا الهدى و استبداله بالكفر بهذه النعمة الإلهية كما فال تعالى ( الم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا و احلّوا قومهم دار البوار ) (100) . ، ووجدنا عند القدماء من المصريين والبابليين من عجائب العلوم وغرائبها ما لم تستطع البشرية حتى الآن معرفة أسراره وأغواره ، تقول كتب القدماء من الأقباط وغيرهم إن هذا العلم الذي كان عندهم إنما كان بتعليم من الملكين ( هاروت وماروت ) اللذين ورد ذكرهما في القرآن الكريم ، ويقال إنهما كانا في مصر قبل أن يكونا في بابل والله العالم ، وعلى كل حال إن هذا العلم الذي علَّموه للناس آنذاك وأساءت الناس استعماله ، فرفعه الله سبحانه ، لا يظهر إلا في زمن الإمام المهدي (ع) ،وفي روايات انه مخبأ في صخرة في احد الأهرامات يستخرجه الإمام المهدي (ع) ، أما العلم الذي يأتي به الإمام المهدي (ع) فهو( علم الكتاب) ، سنأتي عليه .

2- الوسائل المتوقعة للانقلابيين في ضوء السنن السابقة :
يبين لنا من خلال ادراك سامري هذه الامة ( عمر بن الخطاب ) لاهمية التوثيق ، و اهمية الاعلام ـ من خلال اعتداءه على رسول الله و اتهامه بالجنون و الهذيان عندما اراد توثيق استخلافه لامير المؤمنين عليه السلام بقوله ( ان رسول الله يهجر ) ـ يبين لنا اهمية و خطورة هذا السلاح ذو الحدين ، فكما انه وسيلة لنشر الحقائق و توثيقها بما لا يستطيع الظالمون صرفها عن الحق الى الباطل ، وفي نفس الوقت فانها اخطر وسيلة لنشر الاكاذيب و قلب الحقائق ، و الترويج لمشاريع اهل الباطل ، لذا سنتناول بعض ما جاءت به الروايات في هذا الخصوص .
الإعلام و أهميته :
إن العديد من الروايات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن الأئمة الأطهار تعلقت بالاتصالات وما سيضعه الله سبحانه وتعالى في خدمة الإمام وحركته ودولته حملت جميعها على محمل الإعجاز عبر القرون الطويلة حتى أظهر الله بقدرته الأعم والأشمل من ذلك بالعلوم التي يسَّرها في يد خلقه لتكون سلاح الإمام الرادع بوجه الانقلابيين وهي تنقسم على قسمين :
1- الفضائيات .
2- الانترنيت.
1 ـالفضائيات :
يبدو لنا من عدد من الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام الأهمية البالغة التي أولاها الله سبحانه وتعالى لوصول الدعوة إلى المؤمنين أينما كانوا في وقت واحد في بداية إعلان الدعوة ، فعندما كان الناس يسألونهم ؛ كيف لنا أن نعرف بظهور الإمام ؟ فيجيبونهم : " إنكم ستنعمون بذلك وأنتم جالسون في بيوتكم أينما كنتم وكلٌّ بلغته "(101) . و عن الإمام الصادق (ع) قال : ( إن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي بالمغرب ، وكذا الذي في المغرب ليرى أخاه الذي في المشرق ) (102).
وعنه كذلك قال : ( إن قائمنا إذا قام مد الله لشيعتنا بإسماعهم و أبصارهم حتى لا يكون بينهم و بينه بريد يكلمهم فيسمعونه و ينظرون إليه وهو في مكانه . ) (103)
وكان الجميع يحمل ذلك على محمل الإعجاز حتى انتشر التلفزيون ،و لعل الروايات لا تتحدث عن التلفزيون بشكل عام وإنما عن الفضائيات بشكلٍ خاص التي تنقل الحدث بشكل حيّ فور وقوعه ، أولا بأول . لقد أولى الله سبحانه وتعالى العالم ببواطن الأمور والخبير بما في ذات الصدور للإعلام أهمية خاصة كتيسره وتسخيره في خدمة الإمام عليه السلام وقضيته الكبرى لماله من أثر في توعية الناس وحشد الطاقات وإثارة الهمم في المؤمنين ، بعد كشف الحقائق لهم وإخراجهم من ظُلمات الظلال في أرجاء المعمورة ، كما إن للفضائيات أهميتها التي لا غنى عنها في نقل المعجزات التي يقوم بها الإمام (ع) نقلاً حيّا حين يقوم بإخراج الكتب المنزلة من جبلٍ في أنطاكيا وهي ألواح التوراة والإنجيل كما أنزلت قبل أن تتعرض للتزوير والتشويه فلا بد أن يكون أمام أنظار العالم ، كي لا يكذب مكذّب ولا تبقى حجة لأحد بل إن للنقل المباشر لاجتماع الإمام (ع) مع الأنبياء والأولياء الصالحين وعلى رأسهم السيد المسيح عليه السلام وإقامة الصلاة في بيت المقدس ودعوة السيد المسيح عليه السلام له ليقوم بإمامة الصلاة وقوله : " إن هذه الصلاة أقيمت لك " إن لإطلاع العالم بأسره على شاشات التلفزة على هذه المواقف والصور، الحجةَ البالغةَ لله سبحانه وتعالى ليصدق تأويل قوله تعالى منذ ذلك الحين ) ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ((104) .
2 ـ الانترنــيت:
لقد ورد في بعض الروايات ما يشير إلى بعض الوسائل و الصناعات التكنولوجية المتقدمة التي يسخرها الله للإمام المهدي (ع) ويتعامل مع أصحابه بأثرها.
قال أبو عبد الله عليه السلام : " إذا قام القائم بعَث في أقاليم الأرض ، في كل إقليم رجلا ، يقول : عهدك في كفك ، فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ، ولا تعرف القضاء فيه ، فانظر إلى كفك واعمل بما فيها ... " (105) .
إن العهد كما هو في كتاب أمير المؤمنين (ع) إلى مالك بن الأشتر حين ولَّاه مصر ، عبارة عن مجموع الأوامر والإرشادات والنصائح والتعليمات والتوجيهات والتحذيرات التي يعهد بها الإمام إلى عامله على البلد الذي يوليه أمره... كان ذلك في قديم الزمان ، أما الآن فإلى جانب هذه الأمور هناك أشياء أخرى يحتاج إليها عامل الإمام على البلاد ، كالمعلومات ؛ فهي الأخرى متشعبة إلى عسكرية وسياسية وإدارية واقتصادية وإحصائية . وهذه المعلومات متطورة ومتغيرة ، ويشكل الإحاطة بها في الوقت المناسب الفوري أمراً حاسماً في إدارة الدولة العالمية .
فعلى أطروحة أولى : لربما إن الله سبحانه قد يسر للإمام (ع) الحاسوب المحمول في الكف المرتبط بشبكة المعلوماتية الدولية عبر الأقمار الاصطناعية ليحمله عامل الإمام في كفه دائما ، لذلك يسر الله سبحانه شبكة المعلوماتية الدولية ( الانترنيت ) ليتصل عامل الإمام (ع) بالشبكة ويصل إلى مركز قيادة الإمام حيث من المتصور أن ينشأ الإمام (ع) ( بنك ) للمعلومات المفصلة لكل أمر وشان بشكل يفوق تصورنا الحالي عن كل ما سيقوم به عليه السلام في هذا المجال .
وإذا عرفنا من الروايات أنه عليه السلام سيزداد العلم بظهوره المبارك (25) ضعفاً لنا أن نتصور أي غرائب وعجاب أودعها الله سبحانه وتعالى في مادة هذه الأرض وأي أسرار سيكشف عنها الإمام من أسرار المادة التي تكفي رقاقة كمبيوتر الآن لخزن كمٍّ هائل من المعلومات عليها ، فأي خيال علمي قادر على تصور ما يمكن أن يفجره الإمام (ع) بإذن الله من العلوم والتطور السهل واليسير في عالم المعلوماتية والاتصالات وأي مفاصل عجز العلماء الآن عن الوصول إليها لتجنب الآثار الجانبية لكل مفصل من مفاصل العلوم .
إن الرواية الثانية توضح لنا إمكان قبول هذه الأطروحة :
عن الإمام الباقر (ع) قال : ( كأني بدينكم هذا لا يزال موليا يفحص بدمه ، ثم لا يرده عليكم إلا رجل منا أهل البيت ، فيعطيكم في السنة عطائين و يرزقكم في الشهر رزقين ، و تؤتون الحكمة في زمانه ، حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله و سنة رسوله ) (106)، وإذا عرفنا معنى القضاء ، وإذا عرفنا أن الشارع الإسلامي المقدس حرم ثلاث مجالات على المرأة : أحدها ؛ القضاء ، فلا يعني ذلك أن النساء سيتحولن إلى قاضيات ، بل إن الإمام عليه السلام والدولة العالمية الإلهية ستتبنى إيصال شبكة المعلوماتية إلى كل بيت ، كالكهرباء والماء حاليا وبإمكان المرأة بواسطة الحاسوب أن تدخل إلى بنك المعلومات ، وتحصل على ما تريد من القضاء وهي في بيتها .
وفي تصورنا ؛ إن الإمام (ع) - كي لا يدع في مستقبل الزمان أي أمل لأي انقلابي في إضلال الناس - لا يترك شان من العلوم الفقهية وتشعباتها ، وسيوثق الكتب السماوية المنزلة كما أنزلت وتاريخ الأمة والأمم الأخرى الذي تعرض للتزوير وقلب الحقائق ، ويوثق أيضا أي شيء آخر تحتاج إليه البشرية مستقبلا مما لم ندرك الحاجة إليه حاليا ، لكن لماذا كل ذلك؟
من المؤسف والمحزن إن بعض الذين يجتهدون ويقضون ويخطئون لا يحصلون إلا على أجر واحد ويحرمون من الأجر الثاني ، ليس كالذين يجتهدون ويصيبون فلهم أجران ، كما يزعم الانقلابيون .
لذلك إن الإمام (ع) يوفر جهدهم ولا يتعبهم ليجتهدوا بما هو خطأ بنصف الثمن ، أي بأجر واحد . فمن المحزن أنْ لا يحصل أصحاب السقيفة على أجرين لأنهم أخطئوا ، وإن أصحاب الجمل اجتهدوا وأخطئوا ، وإن القاسطين في صفين اجتهدوا وأخطئوا، وإن ألطف ومآسيها كانت خطأ في اجتهاد يزيد ، وهذا أمر مؤسف لأنه لا يحصل على أجرين بل أجر واحد !!!!!
ويبدو أن الخطأ في الاجتهاد أصبح شائعا جدا في ذلك الوقت حتى قُتِلَ أوصياءُ رسول الله بالسمِّ وغيره في عهد الأمويين و العباسيين وهذا هدر في الأجور ، ولا أدري أين يضع المفتون بهذه الفتوى ، قتلة العلماء الذين قُتِلوا على أيدي الحكام والسلاطين الجائرين لمعارضتهم سياستهم ، هل في باب الخطأ والأجر الواحد ، أم في باب الصواب والأجرين ؟!
لذلك إن الإمام (ع) سيوفر جهدهم لأنهم إذا هم قد نسوا أو تغافلوا أو كانت على قلوب أقفالها ، فان الإمام عليه السلام لن ينسَ ولن يتغافل بقلبه الذي ينكت الله فيه العلم نكتا قوله تعالى : ) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن... ( إلى قوله تعالى : ) ... وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ((107).
فكيف لمن يقول على الله ما لا يعلم ويقضي بالخطأ أجرا واحدا وليس أبواب جهنم ... ! لكن لا عجب أنهم الانقلابيون .
إذاً المرأة تقضي في بيتها ولم تعد بحاجة إلى قاضٍ خاطئ ، وسيوثق الإمام عليه السلام ذلك كله بصوته وصورته وإمضائه وليقول آنذاك من يريد أن يقول انه : ( يهجر ) !
إن قوله تبارك وتعالى : ) ... وأنزلنا إليكم الحديد فيه بأس شديد... ( (108)، فالحديد لم يكن في السماء لينزله الله تعالى لكنه أنزل الأمر الإلهي باستخراج الحديد من التراب وأنزل العلم بكيفية تعدينه وصهره وصبه ومن ثم تصنيعه واستعماله ، فكان من مادة الأرض منذ خلقها الله لكن إنزال الأمر باستخلاصه واستعماله نزل فيما بعد بوقت طويل . ولعل من ذلك هو إنزال الأمر الإلهي باستخراج المواد اللازمة لصناعات معينة كالصناعات الإلكترونية والليزرية والألياف الضوئية وما شابهه ، ثم إنزال العلم بكيفية صناعتها وكيفية استعمالها والاستفادة من القدرات التي أودعها الخالق فيها . والله العالم .
الأطروحة الثانية :
جاء في غيبة النعماني عن أبي عبد الله (ع) أنه قال : " قوم يزعمون أني إمامهم ، والله ما أنا لهم بإمام ، لعنهم الله كلما سترت سترا هتكوه ، أقول كذا وكذا ، فيقولون: إنما يعني كذا وكذا ، إنما أنا إمام من أطاعني " (109) . وظهرت في الآونة الأخيرة نزعة تأويلية تحاول تأويل كل رواية أو حديث بالرمزية ، بغير علم ولا أساس معرفي ، وهذا ما يعنيه الإمام الصادق (ع) ، فليس إلاّ القليل من الروايات والأحاديث هي رمزية ، والأعمّ الأغلب هي عين ما يقولون ، وإن استعظمتها عقولنا الصغيرة ، فإننا بذلك نقيس قدرة الله تعالى على قدرة عقولنا ، وهي جهالة و ضلالة .
لنأخذ على سبيل المثال جواب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عن سؤال ابن الكواء عن الغضب ، فقال : " هيهات الغضب ، هيهات ، موتات بينهن موتات، وراكب الذعلبة ، وما راكب الذعلبة ، مختلط جوفها بوضينها ، يُخبرهم بخبر فيقتلونه ، ثم الغضب.. عند ذلك الغضب "(110) . وذلك عندما يُخبرهم بخبر لم يبينه الإمام علي (ع) في هذه الرواية ويتضح من روايات اخرى ان المقصود هو ( النفس الزكية) والخبر هو خبر ظهور الامام المهدي عليه السلام ، وبالطبع فإن الذعلبة(111) المختلط جوفها بوضينها لها تأويل حقيقي ربما لا يختلف عليه اثنان لو عرفوا المعنى ، فالوضين هو الحزام الجلدي ، أو المحاك من الخيوط الصوفية الغليظة ويُربط به السرج على الدابة ( الناقة أو الفرس أو غيرها ) وعادةً يُربط على ظهر الدابة وبطنها(112) ، وليس مُختلط بجوفها كما يقول الإمام (ع) ، لكنه وصف عجيب في وقته لمقعد السيارة وحزام الأمان ، حيث يكون في جوف الذعلبة ، أي السريعة ، فهذا لا بأس من تأويله. أما أن يأتي من يقول بتأويل الركن والمقام ، الذي هو مكان أول ظهور للإمام المهدي عليه السلام بأن المقصود منه : الكوفة والنجف ، على الرغم من تأكيد أئمة أهل البيت (ع) أن البيعة لا تصحّ إلا عند الحجر الأسود ليكون هو الشاهد على البيعة ، فهي بين الركن والمقام في الكعبة الشريفة ، فمن يقول بتأويل مثل هذه الأمور ، أو الرجعة ، أو استدارة الفلك وطلوع الشمس من المغرب ، أو المسخ ، أو الخسف والقذف وغيرها من الآيات الموعودة والتي نزل بها قرآن ، فهؤلاء فيهم قول الإمام الصادق (ع) الذي قدمناه : ( أقول كذا وكذا فيقولون ، إنما يعني كذا وكذا ) . على هؤلاء أن يحذروا ، ولا يقولوا بغير علم فتحل عليهم لعنة الإمام الصادق عليه السلام .
و بناءا على قول الإمام الصادق (ع) فان هذه الأطروحة الأولى التي لابد و أن تراود عقول الكثير, هي عندنا غير مرجحة ، أو يمكن قبول البعض منها .
أما في هذه الأطروحة ، فإننا يجب أن نؤمن بظهور العلم الإلهي المرفوع حاليا ، وهو علم الكتاب ، حيث أشارت الآية الكريمة إليه بقوله تعالى ( قل الله شهيد بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب ) (113).
وقد قال الإمام علي (ع) : ( هو أنا ).
وقال عليه السلام : ( والذي فلق الحبة وبرء النسمة إني لأملك من ملكوت السموات والأرض ما لو علمتم ببعضه لما احتمله جنانكم ، إن الاسم الأعظم على اثنين وسبعين حرفا ، وكان عند آصف بن برخيا حرف واحد فتكلم به فخسف الله عز وجل الأرض ما بينه وبين عرش بلقيس ، حتى تناول السرير، ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين ، وعندنا والله اثنان وسبعون حرفا، وحرف واحد استأثر الله به في علم الغيب ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عرفنا من عرفنا وأنكرنا من أنكرنا ) (114).
عن أبي عبد الله (ع) قال : ( الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين عليه السلام . فقيل له : أيهما اعلم ، الذي عنده علم من الكتاب ، أم الذي عنده علم الكتاب ؟ قال عليه السلام :
ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب ، عند الذي عنده علم الكتاب ، إلا بقدر ما يأخذ جناح بعوضة من ماء البحر ) (115).
بشكل مختصر جدا نقول ، إن علم الكتاب هو ما أشار إليه تعالى في قصة النبي سليمان (ع) و بلقيس ، في طلب النبي سليمان (ع) احظار عرش بلقيس (* قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك... ((116) ، و روي انه آنذاك كان آصف بن برخيا ، فانه بعلم من الكتاب يقول للشيء كن فيكون ، وذلك بأمر الله تعالى ، إلا أن الذي احضر العرش عنده قبل أن يرتد إلى سليمان (ع) طرفه ، حسب الآية ( عنده علم من الكتاب ) وكما قيل فان" من " هنا للتبعيض أو الجزئية ، أي بمعنى عنده بعض أو شيء من علم الكتاب ، أما الذي جعله الله شهيدا لرسوله (ص) فانه ( عنده علم الكتاب ) أي كل علم الكتاب من غير نقصان أو تجزئة ، وبالطبع فان هذا قد آتاه الله تعالى من العلم و القدرات مما يفوق قدرات العقل البشري على تصوره ، وقد قال الإمام على (ع) : ( علمني أخي رسول الله صلى الله عليه و آله ألف، كلمة كل كلمة تفتح ألف باب من أبواب العلم ) والمعلوم عن أئمة أهل البيت (ع) إن هذا العلم يتوارثه أئمة أهل البيت (ع) حتى وصل أخيرا إلى الإمام المهدي (ع) آخرهم و قائمهم ، فليس بمقدور احد أن يقدر ما عنده من العلم و القدرات ، ولكن على الأقل مما هو مشهور انه (عج) تطوى له الأرض ، كما في الروايات ، وطي الأرض يعني إمكان الحضور في أي مكان من الأرض في مشرقها أو مغربها ليس بسرعة الانتقال ـ إذا آمنا بالسرعة القصوى المعلومة اليوم وهي سرعة الضوء ـ فان هذه السرعة الخيالية تحتاج إلى زمن حسب قانون ( السرعة تساوي المسافة مضروبة بالزمن ) ،وهي ربما السرعة التي يستطيعها الجن الذي قال فيه تعالى ( قال عفريت من الجن انأ آتيك به قبل أن تقوم من مقامك هذا واني عليه لقوي أمين ) (117)،
أما طي الأرض فان الزمن فيه صفر ( قبل أن يرتد إليك طرفك ) الذي هو تعبير آخر لقوله تعالى ( كلمح بالبصر) في قوله تعالى ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) (118)، وهو يعني أنها سرعة الأمر الإلهي ( كن فيكون ) في قوله تعالى ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) (119).
و قال الإمام علي عليه السلام ، وهذا العلم عندي أورثه للأوصياء من بعدي .
ولقيام الحجة على الناس ، قام أمير المؤمنين (ع) بخوارق تفوق كل ما قام به الأنبياء السابقين من خوارق و معجزات ، من ركوب على الغمام مع جمع من الصحابة و أخذهم إلى ردم يأجوج و مأجوج والى جبل "ق" و لقاء النبي سليمان (ع) و العودة في اقل من ساعة ، و أمور عظام راجعها في كتب ، المحتضر، والهداية الكبرى ، و مدينة المعاجز ، ومناقب آل أبي طالب ، و مناقب أمير المؤمنين ، وغيرها لا يسع المجال لذكرها ) .
ولكي نفهم ما يقوله القرآن الكريم بهذا الخصوص ، نأخذ رواية من مئات الروايات بهذا المعنى و زيادة .
عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبيه عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال : ( إن سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده و شك في أمره ( ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ) و كانت المردة و الريح و النمل و الجن و الإنس و الشياطين له طائعين ، و مع ذلك غضب على الهدهد و قال ( لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ) ، و إنما كان غضبه على الهدهد لأنه هو الذي يدله على الماء ، فهذا وهو طير أعطي ما لم يُعط لسليمان ، و إنما أراده أن يدله على الماء ، فهذا لم يعط لسليمان ، فلم يكن يعرف الماء تحت الهواء ، و كانت الطير تعرفه . وان الله يقول في كتابه ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ) ، فنحن ورثنا هذا القرآن ، فعندنا ما نسير به الجبال ، و نقطع به البلدان ، و نكلم به الموتى بإذن الله ، و نحن نعرف ما تحت الهواء ، و إن كان في كتاب الله لآيات ما يراد به أمر من الأمور التي أعطاها الله للماضين من النبيين و المرسلين ، إلا و جعله الله ذلك كله لنا في أم الكتاب ، أن الله تبارك و تعالى يقول ( وما من غائبة في السماء و الأرض إلا في كتاب مبين ) ، ثم قال عز و جل ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) ، فنحن الذين اصطفانا الله ، فقد ورثنا علم هذا القرآن الذي فيه تبيان كل شيء . ) (120) .
وفي أصول الكافي في قوله تعالى : ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) : قال أمير المؤمنين عليه السلام : ( إن العرش خلقه الله من أنوار أربعة ، نور احمر ومنه احمرت الحمرة ، ونور اخضر ومنه اخضرت الخضرة ، ونور اصفر ومنه اصفرت الصفرة ، ونور ابيض ومنه ابيض البياض وهو العلم الذي حمله الله الحملة ، وذلك نور من عظمته ، فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين ، فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حملهم الله علمه )
وفيه عن أبي عبد الله (ع) : ( والعرش : هو العلم ، ويحملونه ثمانية ، أربعة منا ، وأربعة ممن شاء الله ) . وفي حديث آخر قال ( حملة العرش ثمانية ، أربعة من الأولين ، وأربعة من الآخرين ، فأما الأربعة من الأولين ، فهم : نوح و إبراهيم و موسى و عيسى عليهم السلام ، وأما الأربعة الآخرون ، فهم : محمد ، وعلي ، والحسن ، و الحسين عليهم السلام ) 121) .
وفي ينابيع المودة ، عن أبي عبد الله (ع) قال : ( علمنا غابر ومزبور، وكتاب مسطور في رق منشور، ونكت في القلوب ، ومفاتيح أسرار الغيوب ، ونقر في الأسماع ، ولا ينفر عنه الطباع ، وعندنا الجفر الأبيض و الجفر الأحمر و الجفر الأكبر والجفر الأصغر، ومنا الفرس الغواص ، والفارس القناص ) (122) .
وفيه عن عبد الأعلى بن أعين قال : سمعت جعفر الصادق ( ع ) يقول : قد ولدني رسول الله ( ص ) وأنا أعلم بكتاب الله وفيه خبر بدء الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة ، وفيه خبر السماء ، وخبر الأرض ، وخبر الجنة ، وخبر النار ، وخبر ما كان وما يكون ، وأنا أعلم ذلك كله كأنما أنظر إلى كفي ) (123) .
إلا أن علم الكتاب وكثير من العلوم رُفعت ، ففي الكافي ، قال : كتب أبو جعفر (عليه السلام ) إلى سعد الخير: ( بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب ـ إلى أن قال ـ : وكل امة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه و ولاّهم عدوهم حين تولوه ، وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية ، وكان من نبذهم الكتاب أن ولوه الذين لا يعلمون ، فأوردوهم الهوى وأصدروهم إلى الردى وغيروا عرى الدين ، ثم ورثوه في السفه والصبا ، فالأمة يصدرون عن أمر الناس بعد أمر الله تبارك وتعالى وعليه يردون ، فيئس للظالمين بدلا ولاية الناس بعد ولاية الله ، وثواب الناس بعد ثواب الله ورضا الناس بعد رضا الله .) (124)
و بالطبع من هنا نفهم بان الإمام المهدي (ع) قد آتاه الله من العلم و القدرات ما يفوق قدراتنا على وضع أطروحات صحيحة عن كيفية قيامه بما كلفه الله تعالى به من الأمر.
وهنا كان دائما يتبادر إلى أذهان الذين لم يؤتهم الله إلا قدرا محدودا جدا من المعرفة ، و يسالون أئمة أهل البيت عليهم السلام بنوع من الاستفهام الاستنكاري ، وهو، انه لما كان الله سبحانه أعطاهم كل هذه القدرات و هذا العلم الذي يفوق كل ما أعطي السابقين ، فما هذه الغلبة التي يبدو أنهم مغلوبون بها ، و كل هذا القتل فيهم ، و كل هذا السلب لملكهم ، و الظلم الذين ما انفكوا يتعرضون له ، ثم لا ينتصرون ، ولا يبطشون بأعدائهم و يمحقونهم عن وجه الأرض ؟؟
و الحقيقة انه هنا تكمن عظمة خلق أهل البيت عليهم السلام ، وهنا يكمن سر الاختصاص الذي خصهم الله به ، و سر كل هذا الحب لهم عند الله .
ذلك انه رأينا من الأنبياء و المرسلين السابقين عدم الصبر على العدو ، بل أحيانا البطش به مع إمكان اتخاذ سبيل أهون و اقل شدة ، وعدم وجود اضطرار كلي يستوجب الانتقام من العدو ، إن كان بالدعاء الملحاح عليه و استعداء الله عليه لإنزال أقصى درجات العذاب به ، أو باستخدام ما مكنهم الله به من العلم و القدرات . و دعاء الأنبياء و المرسلين على أممهم العاصية و المعادية لهم هو مما نزل به القرآن الكريم بما نزل ، من دعاء يونس (ع) إلى درجة المغاضبة (و ذنون إذ ذهب مغاضبا) (125) ، إلى غضب موسى (ع) و كسره للألواح بسبب غضبه من ارتداد قومه ( ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) (126)، إلى دعاء نوح (ع) } وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } (127) ، إلى حسرة لوط (ع) ( لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) هود ، إلى عزم سليمان (ع) على ذبح الهدهد أو تعذيبه لمجرد غيابه لأمر ما ( لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه ) (128)، وغير ذلك مما نزل به القرآن الكريم .
إلا أن أحدا من هؤلاء جميعا لم يكن قد أعطاه الله ما أعطى أهل البيت عليهم السلام ، سواء في زمن رسول الله (ص) أو في زمن آخر الأئمة الناطقين (ع) ، وفي نفس الوقت ، فان أحدا من الأولين ولا الآخرين لم يتعرض لما تعرض له رسول الله و أهل بيته من الظلم ، ليس في ألطف و مقتل الإمام الحسين (ع) ، بل قبل ذلك ، و بعد ذلك و إلى اليوم ، ولكن الله سبحانه أعطاهم ما أعطاهم ، و استحفظهم على ما استحفظهم ، و أمرهم بالصبر الجميل ، انتظارا لليوم الموعود ، الذي يظهر الله فيه دينه على الدين كله ، بقائمهم عليه السلام ، فمن ذا الذي يستطيع أن يصبر كل هذا الصبر ، وهو يمتلك كل هذه الأسلحة المدمرة التي يستطيع أن يزلزل الأرض بها ولا يترك لعدوه أثرا ولا خبر ؟ كل ذلك تحببا إلى الله و تقربا إليه ، و طاعة لأمره ، و رغبة في الآخرة التي وعدهم إياها ، و رغم كل ذلك ، فكما جاء في الروايات ، أن الأنبياء و الرسل تقول يوم القيامة ، نفسي نفسي ، و رسول الله صلى الله عليه و آله يقول : أمتي أمتي ، فصلوات الله و رحمته و بركاته عليكم من أهل بيت لا سبقكم سابق ، ولا يلحق بكم لاحق
ففي ثاقب المناقب : عن جابر الجعفي ، عن أبي جعفر صلوات الله عليه ، قال : ( بينما أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في مسجد الكوفة يجهز إلى معاوية ، ويحرض الناس على قتاله إذ اختصم إليه رجلان ، فعلا صوت أحدهما في الكلام . فالتفت إليه أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، وقال له : اخسأ يا كلب ، فإذا رأسه رأس كلب ، فبهت الذين حوله ، فمال الرجل بأصابعه ، وتضرع إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، وقال من حوله : يا أمير المؤمنين ، أقله عثرته ، فحرك شفتيه ، فعاد كما كان . فوثب أصحابه وقالوا : يا أمير المؤمنين أنت بالقدرة على ما تريد ، وأنت تجهز إلى معاوية ؟ ! فأطرق هنيهة ورفع رأسه ، ثم قال : والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لو شئت أن أطول برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي التي تسيرونها ، وهذه الجبال والأودية حتى أضرب بها صدر معاوية لفعلت ، ولو أقسمت على الله تعالى أن أؤتى به قبل أن أقوم من مجلسي هذا ، أو قبل أن يرتد إلى أحدكم الطرف لفعل ، ولكن * (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (129).
و روى من كان في مجلس معاوية في تلك الساعة ، أن رِجلا بساقها دخلت من باب القصر في تلك الساعة وضربت معاوية في صدره فسقط من مجلسه على الأرض وهو يقول : " يا أمير المؤمنين .. النظرة " .

3 ـ ديمومة الدولة :
لقد قامت من الدول العالمية دولتان مرضيتان عند الله سيطرتا على الرقعة الأكبر من الأرض التي خص الله بها سام بن نوح (ع) ، وتجاوزت هذه الحدود ، و قامت دول أخرى من صنف آخر ، ولكن أي من هذه الدول لم يكن لها ضمان الاستمرارية ، بل هي دول مؤقتة لها اجل ، كما أن لكل شيء اجل ، ولكن دولة الإمام المهدي (ع) هي الدولة التي لها الضمانة الإلهية أن تبقى قائمة إلى يوم القيامة ، ولا يرفع الله راية بعدها لأهل الكفر و النفاق ، ذلك أن هذه الدولة في الحقيقة تبدأ بالإمام المهدي(ع) ولا تنتهي عنده ، وذلك بعدة عناصر ، منها :
* إن ظهور الإمام المهدي (ع) يتوافق مع رجعة المستخلفين السابقين من الأنبياء و المرسلين ، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه و آله ، و رجعة أئمة أهل البيت عليهم السلام ، و رجعة المؤمنين الممحصين ، فان هذه الدولة تبدأ بالإمام المهدي ، و تنتهي بآبائه الأطهار عليهم السلام ، وخصصنا البحث في موضوع الرجعة في الجزء الرابع ، وسنرى كيف تناوله القرآن الكريم .
* إن هذه الدولة هي الدولة التي تقوم بالسف ، و تبقى قائمة بالسيف إلى يوم القيامة ، و سيتضح لنا هذا المعنى في حديث الرجعة في الجزء الرابع ، و نرى معنى ما نقوله ولا نفهمه ، حيث أننا نسمي الإمام علي (ع) " الكرار" و نقتدي بهذه التسمية و نسمي أبناءنا بها ، ولكننا لا نفهم حقيقة أصل التسمية ، و سنرى أن أمير المؤمنين (ع) له كرات و رجعات كثيرة ، لا يظهر شيء من الباطل أو المؤامرات أو المحاولات الانقلابية ، إلا رجع أمير المؤمنين (ع) و كر عليهم و قطع دابرهم ، وانه هو الشاهد الأخير على الخلق قبل يوم القيامة .

كلمــة في التدبــير الإلهي :
يتساءل كثير من الناس عن كيفية التغلب على القوة العسكرية المعادية للإمام المهدي (ع) ، و التي يبدو و كأنهم يحكمون قبضتهم على العالم بها !
علينا أن نتوقع حدوث آيات كبرى وعظيمة في الأشهر القليلة التي تسبق الظهور ويتحقق تأويل قوله تعالى:)وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها...((130) ، وقوله تعالى : )سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم... (131)(. ، آيات عجيبة في مجال الفضاء ودورة أفلاك ومواقع الكواكب بناءً على روايات أهل البيت (ع)(132) ، ، لكن آية واحدة أو علامة واحدة تأولها من المتأخرين سماحة السيد الشهيد محمد صادق الصدر (رحمه الله) في ( الموسوعة المهدوية )(133) اعتقاد قد يكون هو حقيقة الأمر ، على الرغم من أنه فتح أبواب الاجتهاد و التفكر والاستنباط على مصراعيه في هذا الموضوع بشكل غير مسبوق ، وله الفضل في كل ذلك ، فجزاه الله خيرا عن الأمة كلها ، ذلك هو حدوث الكسوف والخسوف على الترتيب في شهر رمضان وهو ما جعله يعتقد باحتمال ظهور كوكب غير الأرض والقمر يحول بين الأرض والشمس يسبب الكسوف قبل الخسوف وهو ما لم يحدث سابقا ، بحسب دورة الأفلاك المعروفة حاليا ، وهو بالطبع يشير هنا إلى ( الكوكب المذنب) المسمى نجم الآيات ، وهو ما نتناوله في موضوع استدارة الفلك إن شاء الله الذي يعطينا تفسيرا أكثر إقناعا ، وربما يكون سبب آخر ، و ذلك يعتمد على معرفة هل إن هذه الظاهرة ستكون هي الوضع الدائم و الطبيعي ؟ أم أنها محدودة بهذه الفترة فقط ؟ ولكنه يبقى طرحا قائما على كل حال .
ان ظاهرة الكسوف و الخسوف وهي من الروايات المتواترة عن أهل البيت (ع)
ففي رواية عن الامام الباقر (ع) قال : " اثنان بين يدي هذا الامر، خسوف القمر لخمس ،و كسوف الشمس لخمسة عشر ، ولم يكن ذلك منذ هبط آدم الى الارض ، وعن ذلك يسقط حساب المنجمين "(134) .
وفي رواية أخرى عنه قال (ع) : " آيتان تكونان قبل القائم لم تكونا منذ هبط آدم (ع) الى الارض ، تنكسف الشمس في النصف من رمضان ، والقمر في آخره ، فقال رجل : " يابن رسول الله تنكسف الشمس في آخر الشهر و القمر في النصف ؟ فقال عليه السلام : اني لاعلم بما تقول ، ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم الى الارض "(135) .
ان الغريب في هذا الامر هو حصول كسوف للشمس في منتصف شهر رمضان ، و خسوف في الخمس الاولى من الشهر على رواية ، وفي آخر الشهر على رواية اخرى ، بينما الامر الطبيعي ان يكون الخسوف للقمر يحدث في منتصف الشهر .
فإذا أخذنا هذه الروايات مع روايات متواترة ومشهورة عما سيحدث في زمن الإمام (ع) من طول عمر البشر بحيث يصبح متوسط عمر الإنسان مئات السنين ، ومع الروايات المتواترة وفي الديانات الأخرى تتفق على ذلك في التوراة والإنجيل ، عن الخيرات والرخاء ووفرة الأمطار حتى تعشب الأرض كلها ولا تبقى صحارى ، والأمن الذي يسود الأرض ليس بين بني البشر فقط بل بين الحيوانات والوحوش والهوام والسوام أيضا.
إذا أخذنا هذه الروايات مجتمعة وحاولنا أن نوجد ترابط بينها وبين ما حدث في الطوفان الذي حدث في زمن النبي نوح (ع) ، ولاحظنا أنه منذ الطوفان بدء عمر الإنسان بالتناقص من خلال دراسة تواريخ السلالات الحاكمة وأوقات الحكم وأعمار البشر آنذاك فما دون ، وترادف البلاء والشدائد وانحسار الخير والبركات ،هو الذي كان له التأثير على فسلجة خلايا جسم الكائن الحي وهو السبب في تناقص عمر الكائن الحي ، وهو السبب في المؤثرات النفسية التي تنشأ عنها الروح العدوانية والشحناء والتباغض والتنافر والتوتر ، مما أدى إلى كثرة الحروب وظهور التناقضات وانتشار الاختلاف بين الخلائق إلا ما رحم الله ، وهو ما يعود إلى ما كان في زمن ظهور الإمام عليه السلام .
ثم إذا تفكرنا قليلا في قول الخليل إبراهيم (ع) لنمرود لمّا حاجّه : (. إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب )(136) ، هل كانت هذه مجرد فكرة طرأت على بال إبراهيم (ع) عن آيات الله التي يعجز عنها المخلوق ؟ أم إنه كان فيما أوحي إليه أن الله يأتي بالشمس من المغرب في زمن من الأزمان ؟ وهو وإن تحقق ذلك عدة مرات ، منها ليوشع بن نون (ع) ، ومنها لأمير المؤمنين(ع) .
عن أبي بصير، عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) قال ، قلت له : ( يا سيدي كم من مرة ردت الشمس على جدك أمير المؤمنين (ع) ؟ قال : يا أبا بصير ردت له مرة عندنا بالمدينة و مرتين عندكم بالعراق . ) (137).
فهل هذا هو الذي يقصده النبي إبراهيم (ع) أم هناك أمر آخر يكون دائميا وليس مؤقتا ، فقط لأداء الصلاة إظهارا لأهمية أدائها في وقتها ؟
إننا نرى أنه لا يجوز لمن يؤمن بالغيب إلا أن يأخذ هذه الروايات على محمل الجد ، ويتوقع آيات كبرى في مجال الفلك ، وربما تغير قطبية الأرض المغناطيسية بتبادل القطب الشمالي محل القطب الجنوبي والله أعلم .
ولكن ما علاقة هذا بموضوعنا ؟
نقول ببساطة ، إن ذلك يعني أولا، تغير مواقع الأقمار الصناعية التجسسية والعسكرية وأقمار الاتصالات بحيث يَحْرِم الله سبحانه وتعالى أعداء الإمام المهدي (ع) من الاستفادة منها ، وثانيا يعني هذا أن المسح الأرضي الذي هو الآن بحوزة الانقلابين وبفضله استطاعوا تعيين إحداثيات كل موقع على الأرض مهما كانت أهميته ضئيلة ، أي ( نظام جيورف) للإحداثيات المبني على تقاطع خطوط الطول والعرض للكرة الأرضية ، هذا النظام المثبت على شاشات الرادارات ، التي تلتقط صورها من الأقمار الصناعية والرادارات الأرضية ، أو الرادارات المحمولة جواً كما في طائرات الاواكس وأمثالها . هذه الرادارات التي بواسطتها يوجهون صواريخهم وطائراتهم وقطعهم العسكرية وتحديد مواقعها ومواقع العدو فأن ذلك كله سيصبح في خبر كان .على الرغم من أن بعض الأقمار الاصطناعية التجسسية والعسكرية سيتم إسقاطها و تدميرها كم تدل بعض الإخبار على ذلك .
وما نعتقد من الأسلحة التي ستستخدم قبل ذلك هو ( الصيحة ) ، فالصيحة هذه المرة قد لا تكون بصوت جبريل عليه السلام ، لكنها كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: ) ... فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( (138)، فالصيحة ليست إلا أمرا إلهيا بالهلاك الجماعي أو الهلاك الواسع النطاق ، وبحثنا هذا الموضوع مفصلا في الجزء الثاني ( الصيحة والحرب النووية ) .
إن ما تحدث به بعض المؤرخين من "صراع الحضارات" (139) هو حقيقة ، تناولها القرآن الكريم في اغلب السور القرآنية ، و في آيات متفرقة ، سنتناولها بشكل يفي بالغرض و البيان إن شاء الله ، في ملحمة الفتح .
في قوله تعالى ) ... أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض... ((140) ، في تفسير ألقمي ، وقوله ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم باس بعض ) فقوله " يبعث عليكم عذابا من فوقكم " قال السلطان الجائر ( أو من تحت أرجلكم ) قال السفلة ومن لا خير فيه ( أو يلبسكم شيعا ) قال العصبية ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) قال سوء الجوار . وفي رواية أبي الجارود عن أبى جعفر عليه السلام في قوله " وهو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم " هو الدخان والصيحة " أو من تحت أرجلكم " وهو الخسف " أو يلبسكم شيعا " وهو اختلاف في الدين وطعن بعضكم على بعض " ويذيق بعضكم بأس بعض " وهو أن يقتل بعضكم بعضا ) (141).

إذن لا بد من وقوع الصراع المهلك بين أعداء الله أنفسهم ويهلك الله بعضهم ببعض على الرغم من أنهم في البداية يبدون ) ... تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى ... ((142) ، فكأنهم متحالفين في أول الأمر وينقسمون إلى فريقين ثم إلى فرق متعددة . ليبدأ بالعراق ثم يتشعب إلى الدول المجاورة كما نتوقع بناءً على ما تصف الروايات وهو بحدود محرم من العام ( 1424 ) على ما يبدو لنا الآن .
ولكن علينا أن نتطلع في الروايات لنفهم خلفية الصراع وأسبابه وأطرافه ونتائجه . ذكر نعيم بن حماد في كتاب الفتن ما يلي :
عن هرقل عظيم الروم قال : ( مثلنا ومثل العرب كرجل كانت له دار فاسكنها قوما ، فقال اسكنوا ما أصلحتم وإياكم أن تُفسدوا فأخرجكم منها ، فعمروها زمانا ثم أطلع إليهم وإذا هم قد أفسدوها ، فأخرجهم عنها وجاء بآخرين فأسكنهم إياها واشترط عليهم كما اشترط على الذين من قبلهم . فالدار هي الشام وربها الله تعالى ، أسكنها بني إسرائيل فكانوا أهلها زمانا ثم غيروا وافسدوا ، فأطلع إليهم فأخرجهم منها وأسكنا بعدهم زمانا ، ثم أطلع إلينا فوجدنا قد غيرنا وأفسدنا ، فأخرجنا منها وأسكنكم إياها معشر العرب ، فإن تصلحوا فأنتم أهلها ، وإن تغيروا وتفسدوا أخرجكم منها كما أخرج عنها من كان قبلكم )(143) .
إذا فهمنا خلفية الصراع من خلال هذا القول الحكيم لملك الروم ، لنا أن نفهم كيف يبدأ الصراع ؟ وهو ما يوضحه الحديث النبوي الشريف :
عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله (ص) قال : " لن تفنى أمتي حتى يظهر فيها التمايز ، والتمايل ، والمعامع . فقلت يا نبي الله ما التمايز ؟ ] قال [* : عصبية يحدثها الناس بعدي في الإسلام . فقلت فما التمايل ؟ قال : ميل القبيل على القبيل فيستحل حرمتها . قلت فما المعامع ؟ قال : مسير الأمصار بعضها إلى بعض ، تختلف أعناقها في الحرب "(144) .
إذن فما نعيشه الآن من اضطهاد طائفي وقومي وعرقي ستكون له نتائج خطيرة في المستقبل القريب ، وما نعيشه من هيمنة دولية للقوى العظمى على الدول الضعيفة ستكون له نتائج وخيمة وفق ما تخبر به الأحاديث ، فالتعصّب سيبلغ درجة اتخاذ الجميع قرار ( أن نكون أو لا نكون ) ومعنى أن نكون ، أي أسياد متحررين ، وعندما يتحقق ذلك يصبح الهدف أسيادا مالكين ، وعندما يتحقق ذلك يصبح أسيادا متبوعين ، ثم يتطوّر هذا التطلّع عند الجميع حتى يفني بعضهم بعضا ، أو لا يبقى ألا قليل ، وهذا ما قامت عليه الصراعات التاريخية ، لكن المتصارعين لا يعون أبدا حقيقة ما يجري ، وهو إن فسادهم هو الذي جعل خالقهم يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض ويهلك بعضهم ببعض ، بأساليب غير محسوسة ، منها التعصّب المُدَبّر، وذلك بتقييض القرناء من شياطين الإنس والجن ، أو أساليب أخرى .
وفي رواية عن بريد العجلي قال : " قلت لأبي عبد الله عليه السلام ، ما أدنى ما يصير به العبد كافراً ؟ قال : فأخذ حصاة من الأرض ، فقال : أن يقول لهذه الحصاة إنها نواة ، و يبرئ ممن خالفه على ذلك ، ويدين لله بالبراءة ممن قال بغير قوله ، فهذا ناصب قد أشرك بالله وكفر من حيث لا يعلم "(145) .
والواقع إن التعصّب للرأي بهذه النزعة الجاهلية مهما كان رأيا فاسداً وباطلاً ، أصبح اليوم ميزة العصر ، ومن خُلُق أهل هذا الزمن ، لا يستثنى من ذلك عنصر أو اُمّة أو دين أو مذهب أو طائفة على الإطلاق ، لكنه أشدّ عند التيارات السلفية والتكفيرية من الخوارج وغيرهم ، بتعصّبهم الجاهلي المعهود ، ذلك كله من مقدمات الوعد الإلهي بالاستخلاف الموعود .
واخرج احمد و صححه الذهبي عن معاذ بن انس عن النبي (ص) قال : ( لا تزال الأمة على شريعة ما لم يظهر فيهم ثلاث ، ما لم يقبض العلم ، ويكثر فيهم ولد الخبث ،و يظهر فيهم السقارون ! قالوا ، وما السقارون ؟ قال : ( بشر يكونون في آخر الزمان تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن ) (146).
وأما أطراف الصراع ، فلا يكاد أحد من أهل الأرض ينجو ، فذكرت الروايات بني الأصفر وبني قنطورا وبني حام والإفرنج والعجم والديلم والهند وأقوام أخرى من الأجانب ، أما من العرب ، فالصراع بالدرجة الأولى بين قريش ، من أهل البيت وشيعتهم ، وبني العباس وشيعتهم وبني أمية وشيعتهم التي تتشعب أيضا إلى شُعَب متصارعة من بني سفيان وشيعتهم وبني مروان وشيعتهم ، ثم إلى عموم العرب بأصولهم إلى القحطانيين والعدنانيين ، وهو ما سنحاول متابعة خيوطه في الأجزاء اللاحقة إن شاء الله تعالى .
و بشكل مبسط نحاول في هذا الجزء التمهيد لما سنتناوله بشكل أكثر تفصيل لاحقا ، نقول : إن ما توحي به هاتان الروايتان السابقتان ، إن الإحباط و اليأس الذي تشعر به الشعوب الضعيفة أمام رغبتها بالتحرر من التسلط الأجنبي ، وهيمنة قرارات الدول العظمى على قرارات حكوماتها ، سيجعل من بعض تيارات هذه الشعوب التغني بالأمجاد الماضية ، و العودة إلى عوازب الأحلام لاستنهاض قدرة أممها على المقاومة و بعث التاريخ من جديد ، إلا أنها لا تتلمس طريقها بشكل صحيح ، ولا تبحث في أخطائها التي أوصلتها إلى هذا الحال لكي تقوم ببحثها و تجاوزها ، لان ما يثير حفيظتها هو ليس ما إذا كانت مخطئة أو ظالمة فسلط الله عليها من لا يرحمها ، بل تحاول استعادة أمجادها بالمزيد من الظلم ، و الإصرار على أن أسلافهم كانوا على حق ، و أنهم بذلك الحق استحقوا الملك و الدولة ، وهو مما يؤدي إلى تفاقم الأمور إلى درجة الانهيار الكامل ، ثم الخراب و الدمار ، وقد بدءنا نلاحظ نشوء التيارات السلفية و الأصولية الإسلامية بعد "عاصفة الصحراء" ، إلا أنها لم تستمد ثورتها من دعاة الحق الذين كانوا المثل الأعلى للأمة ، بل من الأشرار و المفسدين الذين تسلطوا على رقاب الأمة عبر التاريخ و أوصلوها إلى هذه الحال المتردية عبر حقب التاريخ ، ذلك لان هذه التيارات لا تعتبر بالأسباب بل تعتبر بالواقع ، و الواقع عندها هو الملك و الدولة بأي شكل كانت ، ظالمة أو عادلة ، مفسدة أو مصلحة ، وهنا تكمن الطامة الكبرى ، فتجري الأمور بالمقادير التي قدرها الله بمحق الظالمين من الأولين و الآخرين و الراضين بإعمالهم ، باعتبار أنهم شركاؤهم بالجريمة ، نظرا لرضاهم بما فعل السابقون ، فبدل أن يسلكوا طريق الإمام علي (ع) ، يسلكوا طريق معاوية ، و بدل أن يسلكوا طريق الحسين (ع) ، يسلكوا طريق يزيد ، ويكون نتيجة ذلك أن يكونوا عبرة لغيرهم بدل أن يعتبروا هم بغيرهم .
إلا أن كل ذلك بالطبع هو التمهيد للأمر و بداية الملاحم و الفتن وصولا إلى الفتنة العظمى و الملحمة الأكبر في تاريخ الأرض منذ بدء التاريخ ، التي يقتل فيها عدة مليارات من شعوب الأرض ، وأما الأمر الأهم و الحاسم فهو مجيء الأمر الإلهي الذي جاء على الأمم السابقة التي أخذها الله بعذاب الاستئصال ، وتوعد الله به هذه الأمة و الأمم المعاصرة لها ، و فصله القرآن الكريم بأدق التفصيل ،وهو ما وصفه القرآن الكريم بـ ( أيام الله ) ، كما في قوله تعالى (قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ(147).
وهي الأيام التي يأتي فيها الأمر الإلهي على الأمم التي جاء اجلها ، و نزل بها عذاب الاستئصال ، و اهلك الله تلك الأمم ، كقوم نوح ، و قوم هود ، و قوم صالح ، وقوم شعيب ، و قوم لوط ، و آل فرعون وغيرهم ، و توعد الله هذه الأمة بيوم لهم كأيام الذين خلوا من قبل ، وهذه الأيام هي التي يسميها القرآن الكريم ( أيام الله ) ، ذلك أن الله سبحانه يجعل الأمم في مهلة كما قال تعالى ( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) ، فينذرهم و يحذرهم ، حتى إذا وقع القول عليهم و استحقوا الهلاك ، أهلكهم الله بموعد جعله لهم ، هو يوم من أيام الله ، كما قال تعالى (} وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُا لْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ) (148) ، أي بمعنى : إن هؤلاء الذين انزل عليهم القرآن ثم ظلموا أنفسهم ، فبرحمة من الله لم يعجل بيوم عذابهم و هلاكهم ، و لكن لهم يوم موعود ، كما كان للأمم التي كانت من قبلهم ، لما ظلموا ، أهلكناهم بيوم موعود ، لا يتقدم ساعة ولا يتأخر ساعة .
وهو ما سنتناوله في موضوع "الأمر الإلهي" في الجزء الرابع ، ونبين قبله السنن الإلهية في الجزء الثالث إن شاء الله . و بشكل عام ، فان ما نفهمه من الروايات بان ( أيام الله) قد مضى منها ما مضى ، ولم يبق منها إلا ثلاثة أيام ، كما عن الإمام الصادق (ع) إذ قال : ( أيام الله ثلاثة ، يوم يقوم القائم عليه السلام ، و يوم الكرة ، و يوم القيامة ) (149),
وقد لا يعني اليوم من أيام الله ، بالمعنى الراسخ في أذهاننا عن اليوم ، أي أربع و عشرين ساعة ، أو نهار وليلة ، بل قد يدوم اليوم من أيام الله عدة أيام ، كما كان أمر الله في عاد قوم هود (ع) ، قال تعالى (} وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(150). وربما كان اليوم من ( أيام الله ) الموعودة المتبقية ، يدوم أشهر. ولذلك تضمنت اليومان الاولان من ايام الله وهما ( يوم الكرة ويوم الرجعة )، مشاهد ومراحل كثيرة ، لكل موقف ولكل مرحلة ومشهد يومه ، ومن هنا كثرت الايام ( ايام الله ) وتعددت في القرأن الكريم ، كيوم التغابن و يوم الحسرة ويوم الدين ويوم الحشر واليوم الموعود واليوم المشهود.

التوقيت والوقّاتون :
إن مما أكد عليه الأئمة المعصومون (ع) هو تكذيب العلم بوقت ظهور القائم من آل محمد (ص) وقالوا في روايات :
عن الإمام الصادق (ع) قال : ( كذب الوقاتون ، و هلك المستعجلون ، و نجا المسلمون ، و إلينا يصيرون ) (151).
و عن الإمام الباقر (ع) قال : ( كذب الوقاتون ، كذب الوقاتون ، كذب الوقاتون ، إن موسى عليه السلام لما خرج وافدا إلى ربه واعدهم ثلاثين يوما ، فما زاد الله على الثلاثين إلا عشرا ،قال قومه : قد اخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا ، فإذا حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم فقولوا " صدق الله " ، و إذا جاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا " صدق الله " تؤجروا مرتين .) (152).
فلماذا ذلك ؟ وهل إذا توقعنا نحن وقت الظهور المبارك نكون من الوقاتين ؟ فيما يلي نبحث هذين الأمرين :
الغاية من تكذيب التوقيت:-
من الواضح أن وضع موعد محدد للظهور بوقت معين إذا لم يتحقق ، خاصة إذا تكرر هذا التوقيت وتكرر معه عدم التحقق لا بد أن تكون له آثارا سلبية جداً على نفوس الناس . فالمؤمنون المنتظرون للظهور سيصابون بالقنوط واليأس والإحباط ويزدادون ذلةً على ذلتهم وخوفاً إلى خوفهم ، وربما أدى بضعاف القلوب منهم إلى الارتداد وتكذيب الأمر برمته ، وهو ماله نتائج خطيرة على العقيدة الإسلامية الأمامية المؤمنة المترقبة والمنتظرة لظهور الإمام (عج) . أما النواصب والأعداء والمكذبون أصلاً فيجدون في ذلك فرصتهم للتهكم والسخرية والاستهزاء ، وربما أدى إلى الاشتداد في مناصبتهم وعداوتهم ، وتعاظم جرأتهم على محاربة الدين وإيذاء المؤمنين به .
ولا بد من أن كثيراً ممن يدعون العلم أو يظنون أنهم أوتوا العلم يخوضون في هذا الأمر بغير علم ويضعوا مواقيت ومواعيد للظهور لا على أساس علمي أو موضوعي يقام عليه بناؤهم هذا ، إلا بعض الظواهر السياسية أو الاجتماعية الموعود ملاحظتها قبل الظهور المبارك ، وهي في الحقيقة ظواهر تتكرر في أوقات عدة كلما مرَّت البشرية بأزمات عامة أو حروب شاملة تؤدي إلى إفراز مثل هذه الظواهر ، وهي اشتداد الفتن وانتشار الفسوق والفجور وضيق العيش وتفشي المجاعة والمرض وكثرة الخصومات والنزاعات والتباغض والتحاسد والشحناء وتسلط السفاحين وسفك الدماء بلا وجه حق وغير ذلك من أمثال هذه الظواهر .
جواز التوقع:
إن يوم القيامة الذي لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مخلوق خلقه الله سبحانه هو يوم لا يعلمه إلا الله وحده ، لكن ذلك لا يعني أننا لا نعلم عصر القيامة ، وذلك من الاشراط التي نزل بها القرآن الكريم و التي وصفها النبي الأمي والأنبياء السابقون (ص) عن الروح الأمين عن الخبير العليم تبارك وتعالى ، فقد وصف الشروط والعلامات التي تكون عليها الدنيا قبل يوم القيامة ، بناء على هذا الإخبار عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله يمكننا أن نضمن ضماناً أكيداً عدم قيام القيامة من الآن وحتى الحادي عشر من محرم ( 1425 ) .
كيف ذلك ؟ قال الامام الرضا (ع) لدعبل الخزاعي : ( يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملاها عدلا كما ملئت جورا وظلما، وأما متى ؟ فأخبار عن الوقت ولقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام أن النبي ( ص ) قيل له : يا رسول الله ( ص ) متى يخرج القائم من ذريتك ؟ فقال : مثله مثل الساعة ( لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا يأتيكم إلا بغتة)"(153) ، فانه ما لم يظهر الإمام المهدي (ع) فلا تقوم القيامة. من دون ذلك إننا كذبنا الغيب ومن أخبر به ومن أخبر إليه والعياذ بالله أن نكون من المكذبين . فان لم يكن ظهوره في هذا الموعد ضمنّا سنتين أخريين لاحقتين .
من هذا المدخل البسيط يمكننا أن نقول : نعم ، إن موعد الظهور المبارك للإمام (ع) لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ، وهذا الموعد له مقدمات وعلامات وشروط أخبر بها عالم الغيب جلّ شأنه ، متى ما وقعت وابتدأت بالتحقق فقد دخلنا في عصر الظهور ، وجاز لنا أن نتوقع ونترقب تحقق العلامات القريبة التي لم تتحقق للآن ، خاصة العلامات التي هي من القدر المحتوم كما روي عن المعصومين (ع) .و منها العلامات التي اشترك فيها القران الكريم مع روايات أهل البيت (ع) وجاء بعضها مفسراً لبعض وشارحاً لبعض ، من ذلك الوعد الإلهي لبني إسرائيل في سورة الإسراء بقوله تعالى: ) ... فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ( (154) ، وهو جمعهم في فلسطين بعد تفرقهم في البلاد المتفرقة وقيام دولة بني اسرائيل. ولا تزول هذه الدولة الا بظهور القائم من آل محمد (ص) ، وهو ما نتناول تحليله وتتبع سير أحداثه في" ملحمة الفتح " إن شاء الله .
ان كل ما اخبر الخبير العليم به رسوله الكريم ، لم يعد غيب ولا هو من علم الغيب ، بل خرجت من عالم الغيب إلى علم النبي (ص) ، واستودع عليها الأوصياء من بعده (ع) وعلينا الأخذ بها والإيمان بها ، فإنها من أهم صفات المؤمنين التي قدّمها الله سبحانه وتعالى على كثير من الصفات الأخرى في سورة البقرة بقوله : ) ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ( (155)، فجعل الله سبحانه وتعالى الإيمان بالغيب من أوليات معتقداتهم وأركان إيمانهم ، وذلك الغيب هو غير غيب الآخرة ، الذي وضع له شرطاً خاصاً به بقوله تعالى : ( وبالآخرة هم يوقنون ) .
فان كذبنا أصبحنا خارج دائرة الإيمان وهدمنا ركناً أساسياً من أركان الإيمان ، وهو الإيمان بالغيب والله علام الغيوب .
إنما هذه العلامات ليس من السهل تمييزها ومعرفة محكمها من متشابهها ومعرفة أوقات وقوعها بشكل دقيق ، ووجدنا أن أكثر العلماء تمرّسا في هذا الموضوع لم يسلموا من الوقوع في الخطأ في تقدير الأمور ، وهو أمر طبيعي ، لأنه سرّ من أسرار الله لا تنكشف كل حقائقه لأحد إلا وقت الظهور ، و الحقيقة إننا في هذا الوقت و هذا الزمن ، نجد انه من السذاجة بمكان أن يكون احد من المؤمنين الذين عاشوا قبل قرون ، بل حتى قبل نصف قرن ، أن يتوقعوا الظهور ، ذلك لأنه لم يكن شيء قد تحقق مما أخبرت به الروايات ، و خاصة خطب أمير المؤمنين عليه السلام ، إلا في هذا الوقت ، كما بينا بعضها سابقا ، و سنأتي على أخرى تباعا ، لترى انه لم يكن شيء مما وعد الله به و أخبرت به الروايات قد تحقق ، واهم ما في ذلك هو وقوع الملحمة العظمى بين طرفي الأرض الشرق و الغرب ، في معركة يقتل فيها ثلثا أهل الأرض ، ثم بينت هذه الروايات إن ثلثي أهل الأرض هو (ثلاثة آلاف ألف ألف ) أي ثلاثة مليارات من سكان الأرض ، وفي وقت معين بشكل تقريبي وهو القرن الثاني عشر من احد الدورات التاريخية ، وهذه الدورة لها خاصية غريبة من المقادير الإلهية ، وهي أن كل أقطاب هذه الملحمة من ملوك و رؤساء و قادة و مخططين و أصحاب القرار و أهل الحل و العقد في كل العالم ـ وخاصة الدول التي تشترك في الملحمة العظمى ـ تبدأ أسماؤهم بحرف واحد ، وهو ( حرف بسم الله ) كما سنبين ذلك لكم في حل الصحيفات الجفرية للامام الصادق عليه السلام إن شاء الله ، و بالطبع ذلك ما لم يحصل أبدا سابقا ، و حصل الآن ، ثم بعد هذا يبدأ الترقب و التوقع .
وتبقى الروايات هي المرجعية الأصل لفهم علامات الظهور ، ففي رواية عن أبي عبد الله (ع) قال : قال رسول الله (ص) : " طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه ، يتولى وليه ويتبرأ من عدوه ، ويتولى الأئمة الهادية من قبله ، أولئك رفقائي و ذوو ودي ومودتي ، وأكرم أمتي عليّ "(156) .
وعن هذا القائم من آل محمد (ع) جاءنا توجيه ودعوة إلى الرجوع إلى الروايات لدراستها وملاحقتها ومتابعتها وترقبها ، ففي رسالة بعثها إليه الكليني مع السفير الثاني ( محمد بن عثمان العمري ) فيها مسائل كثيرة أجابه الإمام المهدي (ع) عنها ووردت بتوقيعه ، قال الإمام المهدي (ع) ضمن أجوبته : " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله عليكم "(157) ، وفي هذه الرسالة أمور أخرى هامة نأتي عليها في محلها إن شاء الله .
لكننا أردنا أن نقول : إن الروايات تبقى هي المرجع ، وقد جاء تأويل كثير منها حتى الآن ، ونتناولها بالتحليل والفحص والمطابقة في الأجزاء التالية إن شاء الله ، ليبقى هذا الجزء مدخلا تاريخيا لفهم قضية الإمام المهدي (ع) وعلاقتها الجدلية بالدعوة للعولمة ، وأيهما الحق وأيهما الباطل ؟ واعتقادنا أن من حق هذا الجيل الذي يعيش الفتنة ، والحوادث الواقعة قبل الظهور ، أن يفهمها على وفق معايشته لها ، وملاحظته لها ، وقراءته لها على وفق معايير عصره ، مستندا في كل ذلك على كل الميراث الثر الذي تركه لنا العلماء والمفكرين والباحثين الذين تناولوا هذا الموضوع بكل الاهتمام اللائق ، ولا سيما السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر ( قدس) الذي حرث هذا الموضوع حرثا ، وحرث لجيلنا حرثا أينع زرعه واخضرت أوراقه وأتت ثماره أكلها ، فجزاهم الله جميعا

وصلى الله على البشير النذير، الخاتم لما سبق والفاتح لما استُقبل ، وعلى آله صلاةً لا تنقطع ولا تضمحل، المنتظرين لوعده بكل رجاء و أمل ، وعلى قائمهم ما ظهر نجمٌ وأفل ، والحمد لله رب العالمين .

تم بعونٍ من الله إنجاز الجزء الأول
ويليه الجزء الثاني إن شاء الله .

صفر 1423هـ






*نقصد بالتاريخ الأكاديمي ، الذي تكتبه معاهد الدراسات الإستراتيجية ، أو الجامعات، أو الأفراد الذين يعملون في خدمة بلاطات الأنظمة السياسية عبر التاريخ .

** كورش الفارسي : فتح بلاد الفرس ، امتدت دولته لتشمل العراق ومصر. ينظر :بلاد ما بين النهرين ، صالح أحمد العلي ،بغداد ، العراق ، دار الحرية للطباعة ، 1985 : 220 .

1( ) تواترت الأخبار على أن ذا القرنين رجل صالح ( ينظر : الكافي ، للكليني : 5 / 70 ، وشرح أصول الكافي ، للمازندراني : 6 / 62 ) وقد اختلف في شخصه واسمه كما ذكر مؤلف هذا الكتاب واختلف أيضا في سبب تسميته بذي القرنين ( ينظر ذلك مفصلا في : كتاب الغارات ، لإبراهيم بن محمد الثقفي : 2 / 743 – 744 ) .
2( ) تواترت الروايات على أن ذا القرنين التقى الخضر (ع) ، ( ينظر : شرح أصول الكافي ، للمازندراني: 7 / 372، وكمال الدين وتمام النعمة ، للصدوق : 298 ) .
3 ( ) سورة القمر 49
4( ) سورة المرسلات 23
5( ) الفرقان 2
6( ) مختصر بصائر الدرجات ـ حسن بن سليمان الحلي ص 142
7( ) مختصر بصائر الدرجات ص 139
8 ( )،. الأخبار الطوال للدينوري ص5
9( ):اخبار الزمان للمسعودي ص (4)
10( ):أخبار الزمان للمسعودي ص 91
11( ):الصافات 75 ،77
12( ):هود 58
13( ):الاخبار الطوال للدينوري 9
14( ):علل الشرائع للصدوق ج1 ص 32
15( ):الاخبار الطوال للدينوري ص 9
16( ):اخبار الزمان للمسعودي ص 102
17( ):البداية والنهاية ـ ابن كثير ج 2 ص 126
18( ):الانعام 41
19( ):يونس 98
20( ):هود 36
21( ):المائدة 41
22( ):الكهف 6
23( ):فاطر 8
24( ):البقرة 40
25( ) معاني الأخبار ، للشيخ الصدوق ( أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ
26( ) حسب الإلياذة الإغريقية وهو اوليس
27( ) حسب أساطير الإغريق في الانياذة وغيرها
28( ) حسب قول النصارى في القرآن الكريم و الإنجيل
29( ):آل عمران 83
30( ) ورد في خطبة الإمام علي (ع) : ( يحمل سيفه على عاتقه ثمانية أشهر)
31( ): الاسراء 104
32( ):العنكبوت 2،1
*أي كِيس ، كناية عن لقمة العيش اليومية.
*المقصود ( حسين كامل ) ابن عم صدام . و الوزير الذي اغتيل هو عدنان خير الله .
**الحسن البصري ، هو : أبو سعيد بن أبي الحسن يسار مولى زيد بن ثابت الأنصاري ، يقول بالقدرية ، قيل إنه يبغض علياً ويذمه.و(البصري)؛نسبة إلى مدينة البصرة في العراق.توفي ( 110هـ) . (ينظر : الكنى والألقاب ، للشيخ القمي:2 / 83 - 84 ).أحد تلامذته واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس شيخه ومنه نشأت فرقة الأزارقة . ( ينظر : رسائل المرتضى ، للشريف المرتضى : 1 / 9 ) ، وكان متقلب الولاء و الاعتقاد.
*** مظفر النواب : شاعر عراقي معاصر ، . وُلِد في بغداد جانب الكرخ في عام 1934م. عانى من الأنظمة التي حكمت العراق طوال حياته كان آخرها مطاردته من قبل أجهزة النظام الصَّدَّامِي لموقفه المضاد من النظام . ( ينظر التفصيل في حياته : مظفر النواب حياته وشعره ، باقر ياسين : 15 – 27 ) .
33( ):بحار الأنوار ـ ألمجلسي ج 36 ص 354
34( ):ينابيع المودة في ذوي القربى للقندوزي ج3 ص217
35( ):نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام ج 1 ص 182 :
*سلوفودان كاردتش – إلى محكمة جرائم الحرب في لاهاي .
36( ):صدام الهمجيات ـ جلبير الاشقر ص 63 ، 64
37( ): صدام الهمجيات ـ جلبير الاشقر ص 41
*عام 1998 أمرت الولايات المتحدة فرق التفتيش بمغادرة العراق ، وشنت حملة قصف جديدة على القصور الرئاسية والمنشآت .
*دك جيني .
38( ):البقرة 49
39( ):الذاريات 53
40( )كتاب سليم بن قيس الهلالي ص163 . قال سلمان ، قال رسول الله (ص) : الحديث
41( ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 6/135-136 .
42( ) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : 6 / 135 .
43( ) وردت هاتان العبارتان في خطبة له (عليه السلام) ، ينظر : المصدر نفسه : 9 / 137 .
44( ) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : 9 / 40 .
45( ):شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 9 / 41 .
*عمر بن مبارك : اسم ركَّبه المؤلف من اسمين : أحدهما ؛ عمر بن سعد قائد جيش يزيد بن معاوية (لع) ضد الإمام الحسين (ع) في واقعة الطف ، والاسم الآخر هو ؛ حسني مبارك الرئيس الحالي لجمهورية مصر العربية . وهذا التركيب المشتق من الاسمين له دلالته الواضحة عند المؤلف .
**ملك الري : أي ولاية الري ( إيران ) ؛ وهو وعد قطعه ابن زياد لعمر بن سعد بشرط قتل الإمام الحسين (ع) ، ولم يفِ ابن زياد به بعد تنفيذ ابن سعد شرطه .
46( ) ينظر حجة إبليس هذه في : قصص الأنبياء ، للجزائري : 41 .
*من قوله تعالى: )فأخرج لهم جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي ( ( طه / 88 ) .
47( ) نسبة الى الرئيس المصري السابق " انور السادات " ، كان يردد دائما : ان تسع وتسعين بالمئة من اوراق الحل لمشكلة الشرق الاوسط هو بيد الولايات التحدة
48( ):كتاب سليم بن قيس الهلالي ص 246 ـ 247
49( ) راجع كتاب ( الغدير ) للأميني النجفي . ينظر فيه : 1 / 8 و 17 و 19 و21 ... الخ .
50( ) الصراط المستقيم ، لعلي بن يونس العاملي : 1 / 242 و 243 .
51( ) النساء 63
52( ) ينظر قصة تولية الرسول (ص) لأسامة وعصيان من عصى؛نهج السعادة ، للشيخ المحمودي:5 / 258وما بعدها .
وأسامة بن زيد هو : أسامة بن زيد بن حارثة محب للرسول (ص) صحابي مات سنة 54هـ كما ورد في مختصر الذهبي ، ينظر : اختيار معرفة الرجال ، للشيخ الطوسي : 1 / 193 .
53( ) كتاب سليم بن قيس الهلالي ص
*المشفى في العربية الفصيحة : المكان الذي يعالج فيه المريض ، وقولنا في اللغة الدارجة (مستشفى) غلط .
54( ):كتاب سليم ص 212
55( ):سورة القيامة 35
56( ):كتاب سليم ص 240
57( ):سورة التحريم من الآية 10
58( ):كتاب سليم بن قيس الهلالي ص 165
59( ): المائدة 56
60( ):سورة محمد 11
61( ):سورة الصف 61
62( ):آل عمران 183
63( ):سورة فصلت 17، والحديث في تأويل الآيات ج2 ص 803 ، و البرهان ج 4 ص476
64( ):تأويل الآيات ـ شرف الدين الحسيني ج 2 ص 803
65( ):غافر 51
66( ):سورة ق 21، 20
67( ):المائدة 117
68( ):الاحزاب 40
69( ):الاسراء 71
70( ):يوسف 40
71( ):كتاب سليم بن قيس الهلالي ص 133 ـ 134
72( ):الزام الناصب ص 200
73( ): علل الشرائع ص 205
74( ):مناقب آل ابي طالب ص 246
75( ):مناقب آل ابي طالب ص 249
76( ):علل الشرائع للصدوق ج1 ص 207
77( ):مدينة المعاجز ج2 ص383
78( ): مدينة المعاجز ج2 ص 378
79( ):الزام الناصب ص 252
80( ):الامامة و التبصرة ـ ابن بابويه القمي ص 119
81( ):عقد الدرر ـ يوسف بن يحيى المقدسي السلمي ص 139
82( ):الاسراء 58
83( ):الدخان 10،11
84( ):الدخان 12
85( ):الدخان 15
86( ):الانعام 83
87( ):البقرة من الآية 32
88( ):سورة القصص من الآية 78
89( ):المائدة ، 102،101
90( ):الرعد 31
91( ):الاسراء من الآية 82
92( ):الإسلام والرأسمالية :
93( ): الحشر 21
*قال تعالى : )وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبلُ قاتلهم الله أنى يؤفكون ( ( التوبة / 31 ) .
94( ):سورة سبأ 20
95( ):الاسراء 62
96( ): النساء 119
97( ):كتاب سليم بن قيس ص 145
98( ):الروم 10
99( ):سورة طه
100( ):سورة ابراهيم 28
101( ) بحار الانوار 52 / 391
102( ):بحار الانوار 52 / 391
103( ):بحار الانوار 52 / 236
104( ):آل عمران 85
105( ) كتاب الغَيْبة ، للنعماني : 319 .
106( ):بحار الانوار 52 / 352
107( ):الاعراف من الآية 33
108( ):الحديد 25
109( ) كتاب الغَيْبة ، للنعماني : ص 37 .
110( ) المصدر نفسه : ص 268 .
111( ) الذعلبة : " الناقة السريعة " . لسان العرب ، لابن منظور : 1 / 388 مادة ( ذ ع ل ب ) .
112( ) الوضين : " بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرحل على البعير... وقال ابن جبلة : لا يكون الوضين إلا من جلد " . لسان العرب ، لابن منظور : 13 / 450 مادة ( و ض ن ) ، وينظر : تاج العروس ، للزبيدي : 9 / 362 مادة ( و ض ن ) .
113( ):الرعد 43
114( ):المحتضر ـ حسن بن سليمان الحلي ص 71
115( ):بحار الانوار 35 / 143
116( ): سورة النمل 39 ـ 40
117( ):سورة النمل 39
118( ):سورة القمر 50
119( ):سورة يس 82
120( ):بصائر الدرجات ص 135
121( ):تفسير نور الثقلين ج 5 ص 406
122( ):ينابيع المودة للقندوزي ص 222
123( ):ينابيع المودة للقندوزي ج 3 ص 362
124( ):الكافي للشيخ الكليني ج 8 ص 52
125( ):الانبياء 87 ::: - مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب ج 3 ص 281 :

تكلم محمد الباقر ( ع ) . وفي حديث أبي حمزة الثمالي : انه دخل عبد الله بن عمر على زين العابدين وقال : يا ابن الحسين أنت الذي تقول أن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي لأنه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف عندها ؟ قال : بلى ثكلتك أمك ، قال : فأرني آية ذلك إن كنت من الصادقين ، فأمر بشد عينيه بعصابة وعيني بعصابة ثم أمر بعد ساعة بفتح أعيننا فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه ، فقال ابن عمر : يا سيدي دمي في رقبتك الله الله في نفسي ، فقال : هيه وأريه إن كنت من الصادقين ، ثم قال : يا أيتها الحوت قال : فأطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم وهو يقول : لبيك لبيك يا ولي الله ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا حوت يونس يا سيدي ، قال : أنبئنا بالخبر ، قال : يا سيدي إن الله تعالى لم يبعث نبيا من آدم إلى أن صار جدك محمد إلا وقد عرض عليه ولايتكم أهل البيت فمن قبلها من الأنبياء سلم وتخلص ومن توقف عنها وتتعتع في حملها لقي ما لقي آدم من المعصية وما لقي نوح من الغرق وما لقي إبراهيم من النار وما لقي يوسف من الجب وما لقي أيوب من البلاء وما لقي داود من الخطيئة إلى أن بعث الله يونس فأوحى الله إليه أن يا يونس تول أمير المؤمنين عليا والأئمة الراشدين من صلبه ، في كلام له قال : فكيف أتولى من لم أره ولم اعرفه ، وذهب مغتاظا ، فأوحى الله تعالى إلي أن التقمي يونس ولا توهني له عظما ، فمكث في بطني أربعين صباحا يطوف معي البحار في ظلمات مئات ينادي انه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قد قبلت ولاية علي بن أبي طالب والأئمة الراشدين من ولده ، فلما آمن بولايتكم أمرني ربي فقذفته على ساحل البحر ، فقال زين العابدين : ارجع أيها الحوت إلى وكرك ، واستوى الماء .

126( ):الاعراف 150
127( ):نوح 26
128( ):النمل 21
129( ):مدينة المعاجز ـ هاشم البحراني ج 2 ص 297 ، نقلا عن الثاقب في المناقب .
130( ):النمل من الآية 93
131( ):فصلت من الآية 53
132( ) القول المشهور لامير المؤمنين (ع) : فيا عجبا كل العجب بين جمادي و رجب .
133( ) ينظر : الموسوعة المهدوية :
134( ) كمال الدين للصدوق ص 655
135( ) غيبة الطوسي ص 444 ـ 445
136( ):البقرة 253
137( ):الهداية الكبرى للخصيبي
138( ): العنكبوت 40
139( ):راجع كتاب ( صراع الحضارات ) لـ ( هنتغتن )
140( ):الأنعام 65
141( ):تفسير ألقمي ـ علي بن إبراهيم ألقمي ج 1 ص 203
142( ):الحشر 14
143( ) كتاب الفتن ، لنعيم بن حماد : 136.

*ما بين المعقوفتين زيادة على النص يقتضيه السياق .

144( ) المصدر نفسه( الفتن ) : ص 134 .
145( ) معاني الأخبار للصدوق : 393 0
146( ):الدر المنثور للسيوطي 6 / 55
147( ):الجاثية 14
148( ):الكهف 59
149( ):مختصر بصائر الدرجات ص 18
150( ):الحاقة 7
151( ):الامامة و التبصرة للقمي ص 95
152( ):الكافي للكليني ج 1 ص368
153( )عيون أخبار الرضا (ع) - الشيخ الصدوق ج 1 ص 297
154( ):الاسراء 104
155( ):البقرة 1 ـ4
156( ) غيبة الطوسي : 457 .
157( ) الاحتجاج ، للكليني :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق