الجمعة، 3 فبراير، 2012

*الجزءالرابع ب

عولمتنا - دولة الأمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
الجزء الرابع \ ب


خطبة البيان:

إن لخطبة البيان في الحقيقة خصوصية تنفرد بها وتميزها عمّا سواها، وذلك إنها تمثل تقويم تاريخي متجدد ومستمر ، وتمثّل من جهة أخرى القاعدة الأساسية لفهم فلسفة التاريخ الماضي و الحاضر و المستقبل ، فأما خصوصيتها التاريخية ، فإنها تعطينا الأحداث التاريخية من خلال القرون ، و أما أهميتها لفهم البعد التاريخي ، فإننا من خلالها نفهم معنى إن التاريخ يعيد نفسه ، و ذلك في كل اثني عشر قرن . كما إنها لأول مرة تعطينا معنى آخر و بُعد آخر للغيبة ، فبينما إن فهمنا لمعنى الغيبة من خلال قول آخر للإمام علي (ع) ـ وهو التيه ـ فانه هنا يعطينا معنى آخر ـ وهو الفترة ـ وهو تفسير قرآني آخر سنأتي عليه
فبعد فصول طويلة من الخطبة وصف عليه السلام حال الناس في كل البلاد وفي كل الأرض وصفا دقيقا لكل الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية يجعلك على يقين بأن الكرة الأرضية لا يسكنها الآن إلاً الشيطان وكل ما تراه من مخلوقات آدمية إنما هي شياطين بهيئة بشر إلاً الأقل من القليل ممن عصم الله وممن رحم الله بالثبوت على ولاية أهل البيت (عليهم السلام) .
وصف يفزع القلوب ويذبل العيون لمن خاف مقام ربه وصدّق بوعده ووعيده وتشعر كأنما باطن الأرض خير من ظهرها . حتى يصل إلى وصف العلامات الفلكية غير المنظورة إلى أن يقول عليه السلام ( وكملت الفترة , وسّدت الهجرة , وعزّت الكسرة وغمرت الغمرة , وظهرت الأفاطس , فحسمت الملابس , يؤمهم الكساكس , ويقدمهم العساعس , فيكدحون الجزائر , ويقدحون العشائر , ويملكون السرائر , ويهتكون الحرائر , ويجيئون الكيسان , ويخربون خراسان , ويفرقون الجليسان , ويلحون الرويسان , ويهدمون الحصون , ويظهرون المصون , ويقطفون الغصون , ويفتحون العراق , ويمتحون الشقاق , ويثيرون النفاق , بدمٍ يراق , فآه ثم آه لعريض الأفواه , وذبول الشفاه .)1.
فقوله (ع) : وكملت الفترة ، هو من قوله تعالى ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ليبين لكم على فترة من الرُسُل) 2 أي انقطاع الرسل ، والقصود هنا ليس انقطاع الوحي من السماء ، بل غلق باب الاتصال بين الخلق و بين الحجّة المنصوب من الله عليهم ، ولمّا بيّـنّا في الجزء الثالث في موضوع الخلافة معنى قوله تعالى ( فإما يأتينكم منّي هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) سورة طه ، وانّ الهدى يأتي من الله الى الخلق عن طريق الحجّة من رسول أو نبي أو وصي نبي ، فمعنى الفترة : هو قطع و منع الهدى عن الخلق بعد إن امتنعوا هم عن اتّباعه و كفروا بنعمة الله عليهم ، و ذلك ليخوضوا في الفتن و الضلال والعذاب فيذوقوا وبال أمرهم وما سولت لهم أنفسهم وما كسبت أيديهم .
فبعد اكتمال الفترة و انقضاء الأجل المضروب للتيه ، تبدأ علامات الظهور ، ويبدأها عليه السلام بظهور الافاطس ... وهنا نتوقف عن خطبة البيان وننتقل إلى خطبة(تطنجية ) ونلاحظ التفصيل في الأحداث والتوافق التام في مجرياتها . والتوافق في أوقاتها من خلال مسيرة الجيوش . ونعرف أيضا من خلال فهمنا لخطبة البيان ، لماذا يستعمل (ع) في خطبة تطنجية الأوصاف للأشخاص و ليس الأسماء ، مثل ( الكهب و الكهيب و الكشير و القنير و الشهيط و النخيط و الأرحب و الارعب ... الخ ) باستثناء (خاتم الأربعين ـ عبد الله المكين ) ، فقد أعطانا وقت متوقع للظهور في خطبة البيان بقوله (ع) : ( سيكون ذلك بعد ألف و مائة و أربع وثمانين سنة من سني الفترة بعد الهجرة ) (3). ولكنه من خلال سرد الأحداث يخبرنا بان الظهور يكون في القرن الثاني عشر ، و القرن الثاني عشر يمتد ما بين ( ستمائة وستين ـ سبعمائة و عشرين ) و قلنا إن الفترة يقصد بها الغيبة ، فقوله ألف و مائة و أربع وثمانين سنة من سني الفترة بعد الهجرة ، أي بعد هذه السنين من الغيبة ،( وبالطبع فان الغيبة بدأت سنة 260 هج ، على ما هو المشهور ـ ما لم يعني بها الغيبة التي وقعت منذ الولادة ـ كما تقول بذلك بعض الروايات ، أي اعتبارا من سنة 255 هج والله العالم . ) .
فقد اخبرنا عليه السلام بأن الدورة التاريخية الأولى ستمر ولا يكون فيها ظهور ، وعلينا انتظار الدورة الثانية ـ أي أربع و عشرون قرنا تقريبا . وهذا يعني إن استخدامه عليه السلام للأوصاف و ليس للأسماء باستثناء خاتمهم الأربعين ، إن أوصافهم و سلوكياتهم و أعمالهم ( أمثال ) ، فهي ثابتة لا تتغير في الدورتين على حد سواء و إن تغيرت أسماؤهم ، باستثناء خاتم الأربعين من بني العباس فيبقى اسمه ثابت في الدورتين (عبد الله ) ، الذي هو المستعصم في الدورة الأولى و اسمه الصريح عبد الله ، ولعله يكون في هذه الدورة ولي العهد السعودي ( عبد الله ) كما نتوقع و الله هو العالم .
وفي علل الدارقطني ( بسنده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تدور رحى الإسلام في خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من قد هلك ، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما . قال ، قلت : مما مضى أو مما بقي ؟ قال : بل مما بقي ) (4) ، فيبدو من هذه الروايات وما تقدم مثلها في الجزء الثاني ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى ( الآحاد والعشرات ) من السنة المتوقعة و تكتم عن ( المئات والآلاف ) ، أي انه يرمز رمزا إلى (خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين ) وقبلها عن أبي هريرة (خمس وثلاثين او سبع وثلاثين أو تسع وثلاثين ) ، أي بعد ألف وأربعمائة و (خمس وثلاثين أو سبع وثلاثين أو تسع وثلاثين ) والله العالم . وقد تقول أن هذا توقيت ، فنقول : أن رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما هما اللذان يقولان ذلك ، ولديك المصادر فراجعها .
إذن لنرى ماذا يقول في خطبة تطنجية ‘ فبعد تقديم نفسه والتعريف عن منزلته وفضائله تكلم في العلامات القريبة جدا أي في عام الظهور, ثم عدل على الأخبار عمَا يسبقها لكي يترقبها المرتقب . فقال عليه السلام (ألا وأن لكم بعد الحين طرقة تعلمون بها بعض البيان وينكشف لكم صنايع البرهان عند طلوع بهرام وكيوان على دقايق الاقتران , فعندها تتواتر الهدّات والزلازل , وتقبل الرايات من شاطئ جيحون إلى بلاد بابل ).
وبعد كلام آخر من منزلته وما أعطاه الله من تولي ( الأمر الإلهي ) الذي تكلمنا فيه وأخبرت به الآيات القرآنية الكريمة . دلّ المخاطبين على طريق النجاة والسلامة ثم عاد إلى العلامات مرة أخرى . فقال عليه السلام ( فتّشوا سرائركم , وسئلوا أحباركم , واستدلوا بذلك على الطريق تفوزوا الفوز العظيم , والنعيم المقيم . وكم يجري في العالم أعجوبات وكم فيه آيات لا لمزيةٍ , وأكثر العلامات بني قنطورا وملكهم العراق وأطراف الشام ..... ثم يملك الأنباط الأفكة والأعراب المناسبة في فلك البصرة حتى واسط وأعمالها , "إلى الأهواز وأظلالها , وأول خراب العراق في أيامهم , يكثر البلاء العظيم والقحط الشديد .. كل ذلك يكون في القرن الحادي عشر من الثلثين ويكون الفتك من فتك الجحيم ) ثم يليه تفصيل ما يجري في العراق وينتقل إلى الديلم فيقول:
(ويزول ملك ألديلم يملكها أعرابي وهو عجمي اللسان يقتل صالحي ذلك وهو أول الشاهد .ثم في العشر الثالث من الثلثين يقبل الرايات من شاطئ جيحون الى فارس ونصيبين تترادف إليهم رايات العرب فينادي نسائهم بقدر مجرى السحاب ونقص من الكوكب وطلوع القطر التالي الجنوب كغراب الابنور , وزلزال وهبّات وآيات , هنالك يوضح الحق ويزول البلاء )5.
وهنا نتوقف قليلاً لنثبت النقاط التالية :
1- أن خطبة (البيان) منذ بدء إخباره عليه السلام بعلامات الظهور بظهور الأفاطس ، فان تأويل ذلك وقع حقاً كما اخبر به ، و هو فتنة التتر المغول الأولى والثانية أي جنكيز خان وهولاكو , وذلك لأن الدخول والحرب والاحتلال يبدأ من إيران باتجاه العراق , فقوله عليه السلام (يخربون خراسان) ويشرح أعمالهم وبعدها يقول (ويفتحون العراق) وهذا ما جرى من جنكيز خان وهولاكو ،و أيضا ما هو واقع الآن كما سيتبين لك ، وسنقوم بمتابعة الأحداث في شرح النهج لأبن أبي الحديد فيما يخص الدورة الأولى.
2- في خطبة (التطنجية) لم يذكر عليه السلام (الأفاطس) وحدهم , بل بني قنطورا , وقلنا في ما سبق أن (الأفاطس والترك) أجمعهم هم بنو قنطورا , وهذا ما هو واقع الآن , بينما لم يكن الترك مشتركين في الفتنة الأولى . و يتبين تصديق كل من الخطبتين بعضهما البعض ، ويتبين تأكيد خطبة تطنجية على الخطبة التي قدمناها في الجزء الأول بخصوص حكم الأنباط في جنوب العراق ( إذا كثر الأخلاط وحكم الأنباط دنى خراب العراق ) .
3 ـ قوله عليه السلام ( إذا ظهرت الأفاطس فحسمت الملابس ) فأن حسم الملابس هو تعرية الأبدان وهتك الستر والمحارم وكشف العورات والسوءات التي قام بها هؤلاء الغزاة في( أبي غريب ) و (غوانتينامو) مما كشفه الإعلام ، وفي كل سجن ومعتقل مما لم يحصل الإعلام على كل صور الفضائح فيه والذي وعده أمير المؤمنين (عليه السلام) من فجورهم وشدّة كفرهم وانحطاطهم هو من طبيعة سلوكهم المعتاد المنحرف في الفتنتين أي مع فتنة ( جنكيز خان وهولاكو) ومع فتنة (بلاء بوش) .
قوله عليه السلام (يؤمهم الكساكس) هو إذن ما جرى في غزو التتار المغول , حسب الخطبة , والواقع الذي يعرفه الجميع الآن في الفتنة القائمة الآن , فأنه أيضا (يؤمهم الكساكس) وعرّفنا هويتهم بأنهم ( الأمريكيين "من أصول إنجليزية "والبريطانيين) , فأن الإمامة ، أي القيادة بأيديهم .وقلنا إن الكساكس جمع اكسّ وهو الذي يبرز لديه الفك الأسفل على الفك الأعلى ، و من خلال ملاحظتنا للقنوات الفضائية وما تجريه من لقاءات مختلفة ، لاحظنا أن هذه الصفة غالبة و مشتركة بين ( المحافظين الجدد ) سواء رجال أم نساء. وحقيقة إن الإنجليز و الأمريكيين من أصول إنجليزية هم الكساكس، أي يبرز لديهم الفك الأسفل على الفك الأعلى، أمر مشهور في أقسام " جراحة الوجه و الفكين" في كليات طب الأسنان العالمية ..
أما قوله (ع) : يَقدمهم العساعس .. فان العسعسة هي حركة الذئب ، كما في المعجم الوسيط ، فالعساعس استعارة تعني الذئاب ، أو المستأذبة أو.... ( لواء الذيب ) ، ويقدمهم : أي في طليعتهم و مقدمتهم أثناء الاقتحام , ويتبين لنا بشكل أوضح معنى العسعسة في قوله تعالى ( و الليل إذا عسعس ) : أي بمعنى إذا هامت فيه الهوام و السوام و الوحوش الضارية ، فيكون المعنى أوسع من ذلك ، فيعني (لواء الذيب ، وقوات العقرب ، ولواء النمور، ولواء الاسد ، وقوة الصقر) وأشباه هذه التسميات مما سمي بها ألوية وزارة الداخلية و ( الحرس الوطني ) فهم العساعس ، وهم يتقدمون القوات الأمريكية في الاقتحام و الاشتباكات عموما .
من هذا نستنتج أن بني قنطورا في المرتين أي في الدورة التاريخية الأولى (656هج) , والثانية(1424هج) ففي الحالتين فأن المحرض والمحرك للفتنة هم المتهودين من الكساكس , وهم خوارج النصرانية المتعصبين ، وتعّصبهم لها , هو المحّرض على غزو بلاد المسلمين , وهم في حقيقة امرهم فانهم وهابية الغرب وسلفيته ، فهم وتنظيم القاعدة وجهان لعملة واحدة .
4- في الغزو الأول وذلك من خلال الخطبة , وما جرى على أرض الواقع ، وفي الغزو الثاني كما نعيشه الآن ونحن الشهود عليه , فأن المستهدف الأول من الغزو هو ( محور الشر ) كما سماه الرئيس بوش (لع) , أي ( العراق , إيران , سوريا ) إعلامياّ , والحقيقة ( إيران , العراق , الشام كلها ) وهو ما تكلمنا فيه في الجزء الأول, قبل الحرب بعام أو أكثر .
5- ما تدّل عليه خطبة (التطنجية) وهو المتطابق تماماّ مع ما يجري الآن , حيث جاء بنو قنطورا من شواطئ جيحون (أي أفغانستان) إلى بلاد بابل ( مقر قيادة بني قنطورا ) وهو موزع ما بين مدينة بابل الأثرية والقصور الرئاسية فيها وما بين معسكر تدريب الحلة , وفندق بابل المقام على شط الحلة مقابل المعسكر وفيه القنصلية الأمريكية ، فانها تدّل على عدّة أمور غاية في الخطورة منها :-
أ ـ تقسيم العراق وتفتيته إلى عدّة قواطع متناحرة منها (يملك الأنباط الأفكة والأعراب المناسبة في فلك البصرة حتى واسط وأعمالها إلى الأهواز وأظلالها), أي شطر المحافظات الجنوبية من البصرة إلى الكوت , (وأول خراب العراق في أيامهم يكثرة البلاء العظيم والقحط الشديد ) , وهذا ما حصل في الدورة الأولى حيث استقلّ رؤساء العشائر والقبائل عن سيطرة الدولة فيما بعد خاصة أيام حكم الجلائريين كما هو معروف ، فراجع التاريخ ، و ما بدأت بوادره الآن تظهر بشكل جلي تحت فكرة الفيدرالية و زرع النزعة الانفصالية في نفوس سكان المحافظات ، فعن أي إعمار يتحدث المنافقون وحلفائهم؟ وعن أي ديمقراطية ؟ وأي مستقبل سوى الخراب والدمار؟
ب ـ أن المرحلة الثانية هي الشام( سوريا والأردن ولبنان وما تبقى من الأراضي الفلسطينية ) والعراق وأهل العراق من مشركين ومنافقين هم الذين سيقومون بالمهمة جنباً إلى جنب مع (الأحزاب) أو الغزاة . وأن هذا الغزو سيكون في أحد الأشهر الحرم – كما قلنا قبل سنتين في الجزء الثاني – وذلك قوله عليه السلام (وسيحبط ببلاد الأرم , في أحد الأشهر الحرم , أشد العذاب من بني حام , فكم من دم يٌراق بأرض العلايم ...) وهو إشارة إلى سوريا...
ج- ويكون هدفهم التالي احتلال إيران , وهو قوله عليه السلام ( ثم تقبل الرايات من شاطئ جيحون إلى فارس ونصيبين) . وهو يفسر لنا القواعد الأمريكية في أفغانستان و أذربيجان و قرغيزستان و طاجيكستان و أوزبكستان و غيرها ، فان غزوهم لإيران سيكون من هناك .
ومن هذه النقاط نكشف الحقائق لـ ( شر الدواب عند الله ) الذين لا يسمعون ولا يعقلون , عن مشروع الشرق الأوسط الكبير أي (إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات ) .
* إن العراق يجب أن يدمّر بشكل لا يسمح له بالنهوض بالأمر المندوب له والمتوقع منه بنصرة قضية الإمام بنصرة الإمام المهدي (عج) إذا ما ظهر.
*أن يكون العراق قاعدة عسكرية وأستخباراتية تنطلق منها القوات لتدمير الشام , وتدمير إيران و السيطرة على الجزيرة العربية وخاصة المملكة السعودية التي فيها البيت الحرام وفيها ( الركن والمقام ) .
*تمزيق وحدة الشيعة العراقيين بواسطة ديمقراطية الانتخابات وجعلهم أيادي سبأ، يأكل بعضهم البعض بواسطة مئات القوائم التي ليس لها مثيل في العالم ولا بتاريخ الشعوب , و ابتلعت الشيعة الطعم . ولم يسألوا الإدارة الأمريكية لماذا لم تسمح أمريكا نفسها لشعبها بالانتخاب إلا لحزبين رئيسيين لا ثالث لهما، بينما بلغت الأحزاب العراقية أكثر من عدد العوائل العراقية ؟!! هل هي ديمقراطية أم مؤامرة ؟ .
*تنصيب قيادات كارتونية ببغاويه لا دور لها سوى ترديد الشعارات الأمريكية الإسرائيلية بمعاداة (إيران وسوريا) والتهيئة للحرب ضدها.
*لف الحبل على أعناق جميع المخدوعين بالانتخابات بنفس الطريقة التي لفوا فيها الحبل (لصدام حسين) على شركائه ورفاقه في انقلابهم الأسود وباشخاص يحملون نفس المواصفات ونفس الأخلاقيات ونفس التطلعات ونفس الغرور ونفس النشأة ونفس الغباء ، والمتطوعون في طابور طويل ينتظرون دورهم .
*ترويج فكرة (تحرير المرأة) ومساواتها مع الرجل وجعل نسبة النساء في الحكم نسبة لا تجرأ الولايات المتحدة على إدخالها في مجالس الحكم الأمريكية (سواءً مجلس الشيوخ أو الوزراء أو كادر البيت الأبيض أو البنتاغون )، لسحق العقيدة الدينية والأعراف والتقاليد للبلد ، وجعل الشعب يشعر بأنه شعب بلا كرامة ولا قيم ولا دين فيكون كالخاتم في الإصبع، وفي هذه الفقرة لاحظ خطبة الإمام علي (عليه السلام) في المقطع الذي يقول فيه (تفتيكم ضوية , تفتيكم النساء المخدرات ) , وقوله بعدها ( حكم النسوان والصبيان والخصيان ).


خطبة البيان والحقائق التاريخية:
والآن نعود إلى خطبة البيان في الجزء الثاني أي بعد توقف أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أخبار مستقبل الزمان , ثم عودته أليها ومقارنة ذلك مع الحقائق التي جرت على أرض الواقع بشكل مختصر لنستخلص الحقائق الجديدة والتي تهمنا مما سيقع بعد الآن من خلال الخطبة الشريفة .
فبعد الأوصاف لحال المجتمع أو المجتمعات (الإنسانية) بأسرها – إن كانت إنسانية - يمكن تلخيصها بأن كل شئ أو كل أمر من أعظم الأمور إلى أوهنها من القيم والأعراف والشرائع والتقاليد والأخلاقيات والسلوكيات . فأن كل شئ بدون إهمال وبدون استثناء , هو مقلوب رأساً على عقب ... إلى أن بدأ عليه السلام يتكلم بأخبار المستقبل وأحداث الزمان فقال (عليه السلام) :
(إلاّ أن في المقادير في القرن العاشر سيحبط علج بالزوراء من بني قنطورا ، بأشرار وأي أشرار،وكفار وأي كفار ، وقد سلبت الرحمة من قلوبهم ، وكلفهم الأمل إلى مطلوبهم , فيقتلون الأيكة ، ويأسرون الأكمة , ويذبحون الأبناء ويستحيون النساء ، ويطلبون شذاذ بني هاشم ليساقوا معهم في الغنائم ، وتستضعف فتنتهم الإسلام وتحرق نارهم الشام ، فآهاً لحلب بعد حصارهم ، وآهاً لخرابها بعد دمارهم ، وستروى الضباع من دمائهم أياما وتساق سباياهم فلا يجدون عصاماً ثم تسير منهم جبابرة مارقين وتحل البلاء بقربة فارقين ، وستهدم حصون الشامات وتطوف ببلادها الآفات ، فلا يسلم إلاّ دمشق ونواحيها ويُراق الدماء بمشارقها وأعاليها ، ثم يدخلون بعلبك بالأمان وتحل البليات البلية في نواحي لبنان ، فكم من قتيل يفطر الأغوار وكم من أسير ذليل من قرى الطومار ، فهناك تسمع الأعوال وتصحب الأهوال ، فإذا لا تطول لهم ...... فإذا أتاهم الحين الأوجر وثبت عليهم التعدد الأقطر بجيشه الململم المكرر وهو رابع العلوج المستقر المظفر ونوايب القدر ، بجيش يلملمه الطمع ويلهبه فيسوقهم سوق الهميان وينكص شياطينهم بأرض كنعان ، ويقتل جيوشهم العفف ويحل بجمعهم التلف ، فيتلايم منهم عقيب الشتات من فلك النجاة إلى الفرات ، فيثيرون الواقعة الثانية ، إذ لا مناص وهي الفاصلة المهولة قبل المغاص ، فيغريهم على الإسلام الكثرة ، فهناك تحل بهم الكسرة ) .
والوقع أن الخطبة طويلة جداً وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاوز شئ منها لأنها تسلسل دقيق للأحداث .سنضطر لأخذ مقاطع منها ونتجاوز بعض التفاصيل لسير المعارك . ولكن لنعرف معنى ( العلج ) سنأخذ هذه الرواية :
في معاني الأخبار للشيخ الصدوق ، عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام قال : الناس ثلاثة ، عربي ، و مولى ، و علج . فأما العرب فنحن ، وأمّا الموالي فمن والانا ، و أمّا العلج فمن تبرّأ منا و ناصبنا .) (6).
ثم قال الإمام علي (ع) في الخطبة (وآخر القرن العاشر إذا هام بنو قنطورا كل الهيام وجمعهم في المرة الثالثة شهر الصيام) .
ثم يسرد المعارك والأحداث التي تقع في الهند وفي سحروت وصيصموت والأندلس والقفجاق (ولعلها القوقاز ) والقسطنطينية وسواحل الروم ، وكلها ؟انتصارات لبني قنطورا فيصيبهم المرح ، ثم عودة إلى خرا سان ثم مدينة الخطا ثم أندونيسيا أو (إقليم جاوة) كما في الخطبة , ثم ظهور علج سادس من علوجهم .ثم قال (ع) ( فالحذر كل الحذر من المشفق إذا ظهرت بخراسان الزلازل ونزلت بهمدان النوازل ، فرجفت الأراجيف بالعراق وتاخم الكفر عند العناق ) .ولعل المشفق هو محمد خاتمي والله العالم !
ثم يذكر (ع) خلاف في الشام وكذب في مصر وبناء عمارات شاهقة حول الكعبة في السعودية ( ويقصد الشركات العقارية الضخمة التي تعمل هناك اليوم) وخلاف بين أهل اليمن والعساكر ( وربما يشير إلى حركة بدر الدين الحوثي ) ثم فتن الجزائر والبربر , ثم يشير إلى اختلاف ما بين عساكر الروم .
قال (ع) (ووقع الخلف ما بين عساكر الروم ، وشاع ما كان مكتوم ، وأرتحل الأفاضل من العالم ، وولي الأسافل المظالم وغلب على الناس الفجور ، وملكتهم بقية الغرور،وأثم باللص الآثم ونبذ بذنبهم العالم ، فمُنِِِِع أصحاب الحقيقة الحقوق ، وأصاب لبعظهم البروق ، فإذا أقبل القرن الحادي عشر فأنا لله وأنا أليه راجعون ، عمّ البلاء ، وقل الرجاء ، ومنع الدعاء ، وعُدم الدواء ، وضاق دين الإسلام , أهلكه علج بالشام ، فإذا قام العلج الأصهب ، وعصر عليه القلب ، لم يلبث حتى يقتل ، ويطلب بدمه الأكحل ، فهناك يرد الملك إلى الشرك ، ويقتل السابع من الترك وتفترق في البيداء الأعراب ، ويقطع المسالك والأسباب ، وتحل البليات بأرض بابل ، وتشتد وتفترش المحن، وتكثر الوقايع في الآفاق ، ويقوم الحرب على ساق. )
فعلى هذه الآثار يذكر عليه السلام تولي خاتم الأربعين ( من ولد بني العباس ) عبد الله المكين ، "وأشرنا أليه في الجزء الأول" و سنعود لأمره مرة أخرى في الحديث عن الملحمة ، وعلى أثر مقتله يكون ظهور السفياني اللعين ، فيتضح الأمر بالنسبة لنا وما قدمناه في صفحات البحث ، فنكتفي بهذا القدر من الخطبة
(وهذه الخطبة التي قدمناها هنا هي النسخة الثانية من خطبة البيان التي خطبها في البصرة)7.
والآن سنقدم موجزا تاريخيا لما حدث على أرض الواقع من فتنة بني قنطورا وسنضع علامة نقاط بين قوسين بمعنى التجاوز عن فقرات للاختصار .

قال أبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة :
( وأعلم أن هذا الغيب الذي أخبر عليه السلام عنه قد رأيناه نحن عياناً ووقع في زماننا وكان الناس ينتظرونه من أول الإسلام حتى ساقه القضاء والقدر إلى عصرنا، وهم التتار الذين خرجوا من أقاصي المشرق حتى وردت خيلهم العراق والشام وفعلوا بملوك الخطا وقفجاق وبلاد ما وراء النهر وبخراسان وما والاها من بلاد العجم، ما لم تحتو التواريخ منه منذ خلق الله تعالى آدم إلى عصرنا هذا على مثله , فأن بابك ألخرمي لم تكن نكايته وإن طالت مدته نحو عشرين سنة إلا في إقليم واحد وهو أذربيجان ، وهؤلاء دوّخوا المشرق كله , وتعدت نكايتهم إلى بلاد أرمينية وإلى الشام ووردت خيلهم العراق . وبخت نصر الذي قتل اليهود إنما أخرب بيت المقدس وقتل من كان بالشام من بني إسرائيل (........) ولكنا وجدنا ذكر أصناف الترك من القفجاق واليمك والبرلو والتفرية واليتبة والروس والخطا والغرغر والتركمان . ولم يمر بنا ذكر هذه الأمة سوى كتاب واحد ، هو مروج الذهب للمسعودي فأنه لفظهم هكذا (التتر) والناس اليوم تقول (التتار) بألف . وهذه الأمة كانت في أقاصي بلاد المشرق في جبال طمغاج من حدود الصين (......) وخرجوا إلى بلاد تركستان فأوقعوا بقواد خوارزمشاه وعماله هناك وملكوا البلاد وتراجع من بقي من عسكر خوارزمشاه (.......) فمكثوا على ذلك نحو أربع سنين ثم أن المعروف بـ(جنكزخان ) والناس يلفظونه بالراء , وذكر لي جماعة من أهل المعرفة بأحوال التتر أنه جنكيز بالزاي المعجمة. وهو رئيس التتار الأقصين في المشرق (.......) فبعث خوارزمشاه إلى قائده بقتل تجار التتار وأخذ ما معهم من فضة وإنفاذها أليه (..........) فعاد الجواسيس وأخبروا خوارزمشاه بكثرة عددهم وأنهم من أصبر الناس على القتال ، وهم أصبر الناس على الجوع والعطش ومنهم من يلبس جلود الكلاب والدواب الميتة وأنهم أشبه شئ بالوحوش والسباع (......) فأشاروا عليه أن تذهب جميع العساكر إلى جانب (سيحون) وهو نهر كبير يفصل بين بلاد الترك وبلاد خوارزمشاه
فقال لا الرأي نتركهم يعبروا سيحون ألينا (........) وتجهّز خوارزمشاه وتصافوا للقتال ثلاثة أيام بلياليها لا يفترون نهاراً أو ليلاً فقتل من الفريقين مالا يُعد ولم ينهزم منهم أحد (.........) وأشتد الخطب بين الفريقين وجرى الدم على الأرض حتى كانت الخيل تنزلق فيه لكثرته ، ولم يحضر جنكزخان هذه الواقعة و أنما كان فيها ( قاآن) ولده وأحصي من قتل من المسلمين فكانوا عشرين ألف ولم يحص من قتل من التتار (........) وأمر فعاد للاستعداد إلى القتال وعبر هو إلى خوارزم و خراسان فيجمع العساكر ويستنجد بالمسلمين ، ثم رحل إلى خراسان فعبر (جيحون) وكانت هذه الواقعة سنة (ست عشر وستمائة ) للهجرة .
(........) فلما رأى أهل بخارى بذلهم للأمان فتحوا أبواب المدينة وذلك في (رابع من ذي الحجة سنة ست عشر وستمائة ) فلما فرغ من ذلك أمرهم بالخروج عن البلد بأنفسهم خاصة ثم أمرهم بقتلهم فقُتِلوا عن آخرهم ، وأمر حينئذ بنهب البلد ، فنُهب كل من فيه وسبيت النساء والأطفال وعذبوا أنواع العذاب ثم رحّلوا نحو سمرقند (......) وخيلت للجند الخوارزمي أنفسهم أنهم إن استأمنوا للتتار أبقوا عليهم ، فخرجوا بأموالهم وأهليهم إليهم مستأمنين فأخذوا سلاحهم وخيلهم ثم وضعوا السيف فيهم فقتلوهم كلهم ، ثم نادوا في البلد ، برئت الذمة ممن لم يخرج ومن خرج فهو آمن ، فخرج الناس إليهم بأجمعهم فاحتاطوا عليهم ووضعوا فيهم السيف ، ودخلوا سمرقند فخربوها ونقضوا دورها ، وكانت هذه الواقعة في ( المحرم سنة سبع عشر وستمائة ) .
ولما قضى جنكزخان وطراً من سمرقند سيّر التتار المغربة نحو خراسان بقيادة جرماغون ، وقصدوا من جيحون موضع آخر يسمى بنج آب "خمس مياه" فهرب خوارزم شاه إلى نيسابور ثم إلى مازندران ، وجرماغون خلفه ، حتى وصل خوارزمشاه بحر طبرستان ، فلما عرفوا نزوله البحر آيسوا منه ورجعوا ، وهؤلاء الذين ملكوا عراق العجم وأذربيجان فأقاموا في ناحية تبريز إلى يومنا هذا , وهرب خوارزمشاه إلى الهند عند شمس الدين أيللمش وجن جنونه وهو يقول (قراتتركلدي) أي التتر السود قد جاءوا فأن منهم صنف تتر سود يشبهون الزنوج (......)8
فأرسل التتار إلى قفجاق : أنتم إخواننا وجنسنا واحد واللان ليسوا من جنسكم لتنصروهم ولا دينكم دينهم ونحن نعاهدكم أن لا نتعرض لكم ونحمل إليكم من الثياب والمال ما يستقر بيننا وبينكم (....)
فلما فرغوا من اللان ساروا إلى بلاد قفجاق وهم آمنون متفرقون لما أستقر بينهم وبين التتار من الصلح ، فلم يشعروا بهم إلا وقد طرقوهم ودخلوا بلادهم ، فأوقعوا بهم الأول فالأول (....) ثم سارت طائفة منهم إلى بلاد الروس وهي بلاد كبيرة وعظيمة وأهلها نصارى (وذلك سنة ستة وعشرين وستمائة ) فأجتمع الروس وقفجاق عن منعهم عن البلاد فلما قاربهم التتار وعرفوا اجتماعهم رجعوا القهقرى9.حتى وصلوا إلى الطالقان وهي عدة بلاد وفيها قلعة حصينة وبها رجال أنجاد ، فأقاموا على حصارها شهور ، فلم يفتحوها ، فأرسلوا إلى الجنكز خان يُعّرفونه عجزهم عنها فسار بنفسه وعبر جيحون ومعه من الخلايق ما لا يحصى (.....) فلما رأى أهلها ذلك فتحوها وخرجوا وحملوا حملة واحدة فقتل من قتل وسلم من سلم وخرج السالمون وسلكوا تلك الجبال والشعب10.
ثم سيّر جنكزخان جيشاً عظيماً مع أحد أولاده إلى مدينة (مرو) وكان بها مائتا ألف من المسلمين ، فكانت بينهم وبين التتار حروب عظيمة شديدة صبر بها المسلمون ثم انهزموا ودخلوا البلد وأغلقوا أبوابه , فحاصره التتار حصاراً طويلاً ثم أمّنوا متقدم البلد ، فلما خرج إليهم في الآمان خلع عليه أبن جنكزخان وأكرمه وعاهده أن لا يتعرض لأحد من أهل مرو ، وفتحوا الناس الأبواب فلما تمكنوا منهم استعرضوهم بالسيف عن آخرهم فلم يبقوا منهم باقية11.
(.......) ثم عمدوا إلى طوس فنهبوها وقتلوا أهلها وأضربوا المشهد الذي به الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) والرشيد هارون أبن المهدي وساروا إلى هراة (......).
ولم يبق لهم إلاّ أصبهان فأنهم نزلوا عليها مراراً في سنة( سبع وعشرين وستمائة ) وحاربهم أهلها وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة ولم يبلغوا منها غرضاً , حتى أختلف أهل أصبهان في سنة (ثلاث وثلاثين وستمائة) وهم طائفتان (شافعية وحنفية) ، وبينهم حروب متصلة وعصبية ظاهرة فخرج قوم من أصحاب الشافعي ، إلى من يجاورهم ويتاخمهم من التتار، فقالوا لهم أقصدوا البلد نسلمه إليكم ، فنُقل ذلك إلى قاآن أبن جنكيزخان ، فأرسل جنود من المدينة المستجدة التي بنوها وسموها قراحد قم ، فعبرت جيحون (مغربة) فأنضم إليهم قوم ممن أرسلهم جرماغون فنزلوا على أصفهان في (سنة ثلاث وثلاثين) المذكورة وحصروها فأختلف سيفا الشافعية والحنفية في المدينة حتى قُتل كثيراً منهم ، وفتحت أبواب المدينة فتحها الشافعية على عهد بينهم وبين التتار بأن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية ، فلما دخلوا البلد بدءوا بالشافعية فقتلوهم قتلاً ذريعاً ولم يقفوا مع العهد الذي عاهدوه لهم ، ثم قتلوا الحنفية ثم قتلوا سائر الناس وسبوا النساء وشقّوا بطون الحُبالى ونهبوا البلاد وصادروا الأموال ثم أضرموا النار وأحرقوا أصبهان حتى صارت تلولاً من الرماد12.
إلى أن دخلت سنة (ثلاث وأربعين وستمائة) فأتفق أن بعض أمراء بغداد وهو سليمان بن يرجم وهو مقدم الطائفة المعروف بالإيواء وهو من التركمان قتل شحنة من شحنهم في بعض قلاع الجبل يُعرف بخليل بن بدر ، فأثار قتله أن سار من تبريز عشرة آلاف منهم يطوون المنازل ويسبقون خبرهم ومقدمهم المعروف ب(جكتاي الصغير) فلم يشعر الناس في بغداد إلاّ وهم في البلد وذلك في شهر ربيع الآخر من هذه السنة في فصل الخريف ، وقد كان الخليفة المستعصم بالله أخرج عسكره إلى ظاهر سور بغداد على سبيل الاحتياط ، فكان التتار قد بلغهم ذلك ، إلاّ أن جواسيسهم غرتهم وأوقعت في أذهانهم أنه ليس خارج السور إلاّ خيم وفساطيط مضروبة لا رجال تحتها (......)13.
فكان خروج شرف الدين إقبال ألشرابي خارج أسوار البلد في اليوم السادس عشر من هذا الشهر المذكور ، ووصلت التتار إلى سور البلد في اليوم السابع عشر منه ، فوقفوا بإزاء عساكر بغداد صفاً واحداً ، وترتيب العسكر البغدادي ترتيباً منتظماً ، ورأى التتار من كثرتهم وجودة سلاحهم وخيولهم ما لم يكن يظنونه ويحسبونه (.....) فحملت التتار على عسكر بغداد حملات متتابعة ظنوا إن واحدة منها تهزمهم (.....) فثبت لهم عسكر بغداد أحسن الثبوت (....) فلما أظلم الليل أوقد التتر نيران عظيمة وأوهموا إنهم مقيمون عندها , و ارتحلوا في الليل راجعين إلى جهة بلادهم14. .. انتهى ) .

وهذه المقتطفات التي أخذناها فيها الحكمة التي نريد أن نلفت الانتباه أليها ونستخلصها ، ولكن لا تمثل إلاّ شئ قليل جداً من أحداث هذه الفتنة ويستحسن مراجعة المصدر الأصلي للإطلاع على التفاصيل المفزعة التي وقعت .
أما دون ذلك فنلفت الانتباه إلى أمرين مهمين :-
الأمر الأول : هو الاستنتاج البحثي عن ارتباط خطبة البيان بالتاريخ .
الأمر الثاني : الاستنتاج السياسي الذي يجب الاعتبار به .

الأمر الأول
الاستنتاج البحثي :
ان الاستنتاج البحثي الذي نستنتجه من واقع التاريخ فهو :
في القول المشهور يُقال (التاريخ يعيد نفسه) وهي قضية فيها الكثير من الصحة والأكثر من الأسرار.
فان خطبة البيان يتحدث فيها عن مجريات التاريخ وما ستفعله الأمة وما سيقع لها. وقسم ذلك إلى (قرون) فيبدأ بالقرن الأول ثم ينتهي بالقرن الثاني عشر، ويبشر بظهور صاحب الأمر (عج) في القرن الثاني عشر. والقرون التي يتحدث عنها أمير المؤمنين عليه السلام هي ليست القرون المعرفة لديكم اليوم والمقتبسة عن الديانات اليهودية والمسيحية، والتي يكون القرن فيها (مئة عام) لأن أولئك كانوا يتخذون التاريخ الشمسي.
وإنما القرون التي يتحدث عنها هنا هي اقترانات القمر ضمن بروج السماء الأثني عشر، قال تعالى (والسماء ذات البروج)، وفترة الاقتران الواحد هي(ستون سنة) ويجب التمييز هنا بين (العام) و (السنة). قال تعالى (فلبث في قومه ألف سنةٍ إلاّ خمسين عاماً) ، وتعادل كل مئة عام مئة وثلاث سنين.
فالإثنى عشر قرنا التي يتحدث عنها الإمام علي (ع) هي من إثنى عشرة مرة (ستين)، أي سبعمائة وعشرين سنة ، هذا من جهة .
ومن جهة اخرى فانه عليه السلام قد اخبر فيها عن الظهور المبارك وقال : (سيكون ذلك بعد ألف و مائة و أربع وثمانين سنة من سني الفترة بعد الهجرة )
وهكذا فإن الدورة التاريخية الأولى مرّت دون أن يتحقق الظهور، وبدأت دورة تاريخية أخرى هي على وشك الانتهاء ، أي (ألف وأربعمائة وأربعين سنة)..وهذا ما يسميه الإمام علي (ع) المقادير، كما ذكرنا الآيات الدالة عليه سابقا.
فما نستنتجه من ذلك :
1ـ إن الأحداث وقعت في أول ظهور بني قنطورا , في القرن العاشر الهجري (613هج) كما ورد في الخطبة واستمراره إلى (الثلثين من القرن الحادي عشر 656 هج) وأسماء العلوج من بني قنطورا التي وردت في الشرح السابق لأحداث حروبهم ، ولم يحبط بالزوراء جنكيزخان ( 643 هج )، أي لم يسقط الحكومة وينزع الملك ، ولكن أحبط فيها فيما بعد(هولاكو) سنة 656 هجرية وكانت لهم خرجتان ، الأولى خرجوا فيها إلى أذربيجان كما قدمنا، والثانية هي التي سلكوا فيها نهر الفرات وأحبطوا بالزوراء .
وفي هذه الدورة التاريخية الثانية أيضا خرجوا خرجتان، في الأولى خرجوا إلى أذربيجان يعني الحرب العالمية الثانية ، وقيام حلف وارشو على أراضي البلاد التي دخلوها عنوة ، وهذه الخرجة الثانية التي دخلوا فيها البصرة والزوراء وسلكوا نهر دجلة ثم وقعات مابين دجلة والفرات ، ثم وقعات على الفرات وهو ما يقومون به الآن من تدمير و قصف و مواجهات عنيفة على طول نهر الفرات ابتدءا من مدخل الحدود السورية إلى القائم والكرابلة وهيت و حديثة و الانبار و الفلوجة ،و جلاء الناس إلى منابت الشيح و القيصوم ـ أي منطقة البادية التي تشتهر بنباتات الشيح و القيصوم الطبيعية ، تماما كما وردت في الخطبتين وفي الأحاديث النبوية الشريفة في مقدمة هذا الجزء الرابع . و أهم ما في الأمر ـ لأنه أمر خفي لا يلتفت إليه احد ـ إن علوج بني قنطورا الذين أحبطوا بالزوراء هذه المرة هم أيضا من بني قنطورا ، ولكنهم متخفين بالجنسية الأمريكية .
فالذي دمّر وخرّب في المرّة الأولى هو الجنرال الأمريكي ( شوارتزكوف ) قائد العمليات، وهو من الترك كما يدل اسمه و سيماه على ذلك ‘ وهو يقابل ( جكتاي الصغير ) الذي قاد قوات جنكيز خان و انتهت فتنته على أسوار بغداد .
أما الذي أحبط بالزوراء ، فهو الجنرال الأمريكي ( ريكاردو سانشيز) وهو من الأفاطس (التتار ) كما يدل اسمه و سيماه على ذلك ، و هو المسؤل و المشرف على حسم الملابس كما جاء في الخطبة ( فضائح السجون ) ، و سبحان الله الذي لا تخفى عليه خافية في السماوات و لا في الأرض ، وصدق أمير المؤمنين ( ع ) ، كما ان الفترة الفاصلة بين (جنكيز خان و هولاكو) هي ذات الفترة الفاصلة بين (عاصفة الصحراءـ شوارتزكوف ، و الضفدع النطاط ـ سانشيز ) ،وهي اثنا عشر عاما تقريبا .
أما في الحقيقة ، فان عائلة جنكيز خان هي المقابل و النظير لعائلة (بوش ) ‘ أي ان ( جورج بوش الأب ) هو المقابل لجنكيز خان ‘ وابنه (بوش الابن ) هو المقابل لابن جنكيز خان ( هولاكو ) على قول أو "حفيده" على قول ‘حيث إن جنكيز لم يقد الحملة بنفسه في غزو بغداد وإنما قادها العلج (جكتاي الصغير )وهو الذي لم يستطع إسقاط الحكومة ، فعاد ابن جنكيز ( هولاكو ) بعد اثني عشر عاما ـ بعدد سنوات و أيام الحصار ـ ليحتل و يملك و يحرق و يدمر، كما فعل (بوش) الابن حيث نزل في ( الزوراء) سرّا وهو يرتدي ملابس الطيارين و يتأبط خوذة الطيارين بزهو ما بعده زهو... أما دخول هذه القوات الغازية فكانت بدايته في المرتين في نفس اليوم من شهر محرم الحرام ، ففي الدورة الأولى كان يوم الاثنين ( الثامن عشر من محرم سنة 656 هج) كما في كتاب بن طاووس الشاهد على الغزو، حيث كان في أيامه، وفي هذه الدورة كان يوم الخميس ( الثامن عشر من محرم الحرام سنة 1424 هج) (15) ونحن الشهود عليه .
وأما بداية الفتنة ، فكان في الدورتين التاريخيتين في يوم ( السادس عشر/ السابع عشر من شهر ربيع الآخر من سنة 643 هج ، 1411 هج ) فهل هذه مصادفات ! أم هي المقادير الإلهية التي اخبر بها الإمام علي (ع) في خطبة البيان ؟
وهذا يعني إن خطبة البيان وخطبة تطنجية هي أخبار غيبية مستمرة مع كل دورة تاريخية وكل خروج لبني قنطورا ، وأحوال البلاد هي هي وأحوال الناس هي هي ، وهو يعني إن تأخر الوعد الإلهي بعض الوقت ( لا سامح الله ) فإننا سنشهد حفيدا لبوش يقابل (قبلاي خان) حفيد جنكيز خان ، الذي أقام الدولة العالمية الانقلابية و أصبحت (منغوليا ) عاصمة العالم ، تسيطر على العالم من الشرق إلى الغرب بعد ثلاثون عاما تقريبا ، ولكن النتيجة تختلف بإذن الله ، كما هو رجانا بالله أن يتحقق الوعد الإلهي قي نهايتها بظهور صاحب الأمر (عج) بمشيئة الله وإذنه ورحمته . و قطع الله دابر هذه العائلة اللعينة .
وهذا ما تؤكده حقيقة الأحداث التي تقع حالياً في العراق خاصة والشرق الأوسط عامة وبالعالم كله بشكل أعم .
والروايات المستفيضة والمتواترة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام لم تترك خافية يمكن أن يلتبس الأمر بسببها على المتتبع للأمر.
ففي القصيدة الميمية للشيخ البسطامي عن ظهور الإمام المهدي (ع) بيت يقول :

إذا دار الزمان على حـرف باسم الله فالمهـدي قامــا
و يخرج بالحطيم عقيب صوم ألا فاقرأه من عندي السلاما

دورة الزمان على حروف ( بسم ) الله :
و المقصود بدوران الزمان على حرف ( باسم الله ) أي على حرف الباء وهي من أسرار علم الحروف المأخوذ عن الجفر الذي وضعه الإمام علي (ع) و اشتهر في زمن الإمام الصادق (ع) . ففي ينابيع المودة ، عن الشيخ محي الدين الطائي الأندلسي في حل الصحيفات الجفرية قال : " وقال سيدي الشيخ أبو مدين المغربي ما رأيته شيئا إلا رأيت شكل الباء فيه ، فلذلك كان أول البسملة ،وهي آية من كل سورة، (يعني به الجفر). 16...
ودورة الزمان على حرف الباء بدأت منذ حرب عام 1991
ففي أمريكا ، من "بوش الأب" إلى "بل كلنتون" إلى "بوش الابن" ومعه كثير من القيادات السياسية والعسكرية ، مثل " بولتن" و " بول بريمر" و " بول وولفوفيتز" و " بترايوس" و " بيتر بيس" .
وفي بريطانيا ، بلير ، ومعه كثير من القيادات السياسية و العسكرية ، مثل "براون" و "بيكت" .
وفي إسرائيل ، "باراك" و " بنيامين ناتنياهو " و " بيريز " وغيرهم .
وفي ايطاليا ، "برلسكوني" و معه كثير من القيادات مثل " برودي " .
وفي روسيا ، من " بوريس يالتسين" الى الرئيس الحالي " بوتن " .
وفي باكستان ، من " بناظير بوتو" الى " برويز مشرف " .
وفي بلغاريا " بارانوف" .. وفي قرغيز ستان " باكاييف " .. وفي أذربيجان " باييف " .. وفي الشيشان " باساييف" .. وفي يوغسلافيا " بيغوفتش" .. ومن الأكراد " بارزاني " و " برهم صالح " ومن العرب " بشار الأسد" و "بوتفليقة" .
وكل أهل الملك من حرف " الباء" وهم كثير ، الاّ أن بوش هو المحور و الله العالم بخفايا الأسرار و مقدّر الأقدار ...
و معنى ذلك أن أقطاب الملحمة العظمى التي يكون ظهور الإمام المهدي (ع) على أثرها ، كلهم ـ أو الغالبية الساحقة منهم ـ تبدأ أسماؤهم التي يشتهرون بها إعلاميا و سياسيا و ترددها الألسن و تكتب في الصحف ، كلها تبدأ بحرف (الباء) وهو معنى ( حرف بسم الله)، وهذا ما هو واقع الآن بحمد الله .
وهكذا ترى إن الأحداث متطابقة مضموناً ولكن يجب التفكر و التأمّل بكل حدث من تدمير وغزو وحروب تشمل جميع البلاد . ومن ذلك مجيئهم من (سيحون وجيحون) إلى بلاد بابل ، وبابل اليوم غيرها في عهد جنكيزخان ، وسيحون وجيحون لم يكن حولهما آنذاك إرهاب طالبان أو أسامة بن لادن ، الذي في الواقع يقابل خوارزم شاه ، الذي كان هو السبب في اهاجة التتر ـ كما جاء بيان ذلك في العرض التاريخي ـ وكذلك كان أسامة بن لادن و تنظيمه هو السبب أو الذريعة في الغزو هذه المرة ...وأما قوله ( ع ) فإذا أتاهم الحين الأوجر... إلى قوله ( ع ) ( فيسوقهم سوق الهميان و ينكص شياطينهم بأرض كنعان ‘ و يقتل وجيوشهم العفف و يحل بجمعهم التلف ) فالذي حصل على ارض الواقع في الدورة الأولى هي معركة ( عين جالوت ) التي شكّلت بداية الانكسار و الهزيمة لجيوش التتر سنة ( 659 هج ) وبداية تحرير الأراضي العربية .. و نحن بانتظار ما يقابلها في ارض فلسطين ـ كنعان بإذن الله على أيدي الأحرار من أهل مصر( منبر الإمام المهدي (ع) كما في الروايات) .... وهناك أمر مهم آخر نودّ لفت الانتباه إليه وهو قول المؤرخ (ابن أبي الحديد ) وهو يعدد أصناف الترك ( أليمك و البرلو و القفجاق و التفرية و اليتبة و الروس و الخطا و الغرغر و التركمان ) و قوله انه لم يجد ذكر هذه الأمة (التتار ) إلا في مروج الذهب للمسعودي ، فهو مخطئ إذ اعتقد حسب المسعودي ، إن التتر من الترك ، ولكنهم إخوان الترك كما في روايات أئمة أهل البيت (ع ) ، ولا يبدو انه يعرف بأمر بني قنطورا ( الترك + الأفاطس ) . ولكنه لفت انتباهنا إلى أمر مهم و هو وجود صنف أسود من التتر ( يشبهون الزنوج ) ـ كما قال ـ ( قرا تتر كلدي )... التتر السود جاءوا ... أي إن من بني قنطورا مما بين الأمريكيين من هم من التتر السود ومن هؤلاء ، مستشارة الأمن القومي الأمريكي سابقا ، وزيرة الخارجية كوندو ليزا رايس .و كولن باول وزير الخارجية المستقيل .
أما تاريخيا :
فان ما نستنتجه من البحث هو الأمر العجيب من أعاجيب المقادير الإلهية التي تبقى سرا من أسرار القدر، وهو انه في نهاية كل اثني عشر قرن تقوم محاولة لوضع بديل للدولة العالمية الإلهية الموعودة بوعي أو لاوعي ،أو ظهور من يتقمص دور القائد و الإمام الموعود ، وهذا يفسّر التناقض الشديد و الاختلاف الحاد في تشخيص شخصية العبد الصالح ( ذو القرنين ) وتتجاوز أكثر من سبعة أقوال لكل منها أرضية متينة من الحجج و الدلائل وكما استعرض ذلك السيد الطباطبائي رحمه الله في الجزء الثالث عشر من تفسير الميزان . ولم يقع احد على الحقيقة ، لان البحث و الجدل هو حول الدولة التي قامت من مطلع الشمس إلى مغربها .
إلا أن البحث و بالاعتماد على خطبة البيان كقاعدة لفهم التاريخ ، يبين لنا انه في كل اثني عشر قرن كانت تقوم مثل هذه الدولة ، و منها دولة الملك الاكدي سرجون ، التي تسمى (مملكة الأركان الأربعة) ، ثم دولة للبابليين ، دولة للفارسيين ( كورَش ) ودولة ذو القرنين ، و دولة النبي سليمان (ع) ، و دولة لليمنيين ، و دولة الاسكندر المقدوني ، ودولة العرب المسلمين من حدود الصين إلى أواسط أوربا ، ثم دولة التتار المغول (عائلة جنكيز خان) ، وأخيرا محاولة (آل بوش ) لإقامة هذه الدولة ، لا أتمها الله لهم ... والذي يتبين أن هذه الدول جميعها من صنف ( المؤمّرون ) ، باستثناء دولة ذو القرنين (ع) و دولة سليمان (ع) بعدها بسبعمائة و أربعين سنة (كما جاء في البداية و النهاية لابن كثير) فإنها من صنف ( المستخلفون ) ـ حسبما صنفنا الولايات في الجزء الثالث من هذا الكتاب ، و أن هذه الدول الاثنى عشرية كلها تقوم على الرقعة الجغرافية الممتدة من أطراف الصين إلى أطراف أوربا أو أواسطها . وتبقى دولة الوعد الإلهي كما أمر الله سبحانه رسوله الكريم أن يجيب السائلين عنها بقوله تعالى (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ) 17 .
ويتبين من فحص العوامل المشتركة لجميع هذه الدول سيرها على نهج واحد في بناء (السد ، والردم ) ‘ فليس ذو القرنين (ع) وحده أقام ( ردم) ، بل جميعهم سائرين على هذا النهج ، ولذلك تجدها كثيرة و لا يُعرف بالتحديد أي منها هو الذي بناه ذو القرنين ، ففي الصين وحدها يوجد اثنين منها ، أي هناك حائط آخر غربي الصين غير حائط الصين العظيم المعروف ، وفي آسيا الوسطى هناك أكثر من سور في ارمينستان وفي أذربيجان و في مضيق داريال في بلدة تفليس ، وغيرها .
وهذا يفسّر لنا الأسوار الكونكريتية التي أقامتها القوات الأمريكية بآلاف الكيلو مترات في المدن العراقية، على مواقعها و مواقع حلفائها ، وعلى المقرات الحكومية، و يفسّر(الجدار العازل) الذي تبنيه إسرائيل في الأراضي الفلسطينية لتقطيعها إلى أوصال متفرقة ، وهي من عجائب وغرائب المقادير الإلهية التي أخبر عنها أمير المؤمنين (ع) في خطبة البيان التي خطبها في البصرة ، و أحصى فيها الأسوار التي أقيمت و ستقام ، فقال (ع):
( ألا و إن علامة ذلك تجديد الأسوار بالمدائن ، فقيل يا أمير المؤمنين صف لنا الأسوار، فقال: تجدد سور بالشام ، و العجوز و الحران يبنى عليها سوران، وعلى واسط سور، و البيضاء يبنى عليها سور، و الكوفة يبنى عليها سوران ،وعلى شوشتر سور، و على أرمينيا سور، وعلى موصل سور، و على همدان سور، وعلى ورقة سور، و على ديار يونس سور، و على حمص سور، و على مطردين سور، و على الرقطاء سور، و على الرهبة سور، و على دير هند سور وعلى القلعة سور). (18)..
وبالطبع فإن هذه الأسوار و إن كانت تقليدا غير واعٍ لسد ذي القرنين ، إلا إن القرآن الكريم أشار إليها بقوله تعالى ( لا يقاتلونكم إلا في قرىً محصّنة أو من وراء جُدُر ) فهذه الجدر و الأسوار يقيمونها لحماية أنفسهم ، ففي نهاية كل اثني عشر قرن يعودون لإقامتها و بنائها و لله في خلقه شؤون ، ومازالت آثار أسوار حول بابل الأثرية قرب سكة الحديد القديمة هي من آثار ما بناه التتار ومن سبقهم من أهل الدول .
إلا أن هذه الدول العالمية اجمعها بما فيها دولة ذي القرنين تختلف مع دولة الوعد الإلهي بقيادة الإمام المهدي (ع) فيما يخص الردم و السدود و الأسوار ، فانه عليه الصلاة و السلام يهدمها و يخربها و يزيل كل الحواجز و الحدود ، بل و حتى الجبال ، وهو قوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * ) (19)، وقوله تعالى (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ) (20) . وبالطبع فان السبب في نسف الجبال كما يبدو هو زوال الحاجة إلى وجودها بعد استدارة الفلك وتغيير موقع الأرض ، فان دور الجبال الآن هو لحفظ الأرض من أن تميد و تسيخ كما قال تعالى في كتابه الكريم (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) (21) ، أي إن دورها كدور زعانف الصاروخ أو المكوك الفضائى فمتى ما تخلص من الغلاف الجوي لم يعد بحاجة إلى الزعانف الكبيرة في محرك الإطلاق والله العالم.
ومنها ما يسيَّر وهو قوله تعالى (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) (22) ، وتسييرها بالقرآن الذي عند الإمام المهدي (ع) ( ولو أن قرآنا سيِّرت به الجبال أو قطّعت به الأرض.. ) كما مر سابقا ، وبهذا القرآن يقطع الأرض و يضع حدود جديدة للبلدان و القارات غير الموجودة اليوم . وذكرت الروايات أن الجبال التي تسيّر هي أربعة تكون أركان الجنة الأرضية ، والباقي يكون (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ) (23) ,و ( كثيبا مهيلا ) كما هو الظاهر من القرآن الكريم .
(عن الحكم بن نافع عن جراح عن أرطاة عن كثير بن مرة ويزيد بن شريح وعمرو بن سليمان قالوا : أخر طلوع الشمس من المغرب يوما واحدا قط وترفع الحفظة ويؤمر بأن لا يكتبوا شيئا فإذا كان ذلك سجدوا لله وتستوحش الملائكة بحضور الساعة وتفزع الشمس والقمر وتحرس السماء حرسا شديدا لا يستطيع شيطان ولا جان أن يدنوا وتستوحش الجن وتموج الجن والإنس والطير والوحش والسباع بعضها من بعض فيأتي الجن الخافقين والشياطين لتستمع فيرمون بشهب النار فلا يسمعون شيئا ويتغير لون السماء ، وتهد الأرض ، وتنسف الجبال إلا أربعة ، طور سينا ، والجودي ، وجبل لبنان ، وجبل ثابور الذي فوق طبرية ، فإن الله تعالى نصبها روضة خضراء ذات شجر بين الجنة والنار عليها بناء اللؤلؤ والزبرجد والدر والياقوت فيجعل عرشه عليها لتدين الخلق ) (24)
الاّ إن الملاحَظ من الفرق بين الدورة التاريخية الأخيرة و سابقاتها هو سرعة الزمن وسرعة الأحداث ، مع الاحتفاظ بنفس السيناريو ، فنجد أن الأربع والعشرين من بني العباس الذين ملكوا و يملكون في الدورة الأخيرة ، لا يحتاجون إلى نفس الزمن الذي احتاجه الأربعين أهل الدورة الأولى ، حيث إنهم يملكون كمجموعات في وقت واحد، بعد إن كانوا يملكون واحدا تلو الآخر ، حيث كان سابقا دار الملك واحد ، أما ألان فمتعددة ، أي كل واحد من الأربعين ، يملك في دولة عربية و يكون رئيسا لها ، و هذا اختصار للزمن يبدو انه يسري على أمور كثيرة و أحداث كثيرة تجري بنفس الاختصار و السرعة ، ولكن (السيناريو) ثابت و التسلسل ثابت ، وهو يعطينا انطباعا بأنه رغم أن ما زال هناك أحداث كثيرة ينتظر وقوعها ، إلا إن زمن وقوعها قصير ، والأوقات المقبلة مفعمة بالأحداث المتسارعة ، و المفاجئة .

الاستنتاج السياسي :
وهو الذي يجب الاعتبار به ، ومن خلال تفحصّ تاريخ الفتنة الأولى أي جنكيزخان ،وهولاكو، وما قدمناه من مقتطفات عن ذلك التاريخ نستنتج ما يلي:-
* إن المكر والخداع الذي يستخدمونه لتفريق صفوف أعدائهم للقضاء عليهم بشكل منفرد هو أسلوب متأصل في فطرتهم ، وراجع تفريقهم بين القفجاق واللان (أنتم إخواننا ومن جنسنا.........) .
* أنهم أقوام غادرة لا أمان لها ، يعطون العهود المواثيق وهم ينوون الغدر متى ما سنحت الفرصة لهم ، وهذا ظاهر في الفصول التاريخية التي قدمناها.
* أن أشد غدرهم وخيانتهم لمن يكون عميلاً لهم وهو أول من يغدرون به ويضعون فيه السيف ، وراجع فقرة تعاملهم مع الشافعية والحنفية ، وكيف إنهم بدءوا بالشافعية الذين فتحوا لهم أبواب مدينة أصفهان .
*أنهم متى ما وجدوا أعدائهم موحدين ومنتظمين ومجهزين لقتالهم ومصرين على الدفاع عن بلدهم ، انصرفوا عنهم إلى جهة أخرى . وهذا ما حدث مع الروس ، في بداية الأمر , ومل حصل في بغداد وما حصل في بعض المدن الأخرى فراجع الوقائع.
* أن سياستهم مع عدوهم هي الإبادة وقطع الدابر وحرق المدن وتخريب البلاد التي يحتلونها بعد انتهاك كل الحُرمات صغيرها وعظيمها في النساء والأطفال ثم ذبح الجميع ، فترى وكأنهم يخشون وجود أمم أخرى معهم على الأرض أو يكرهون ذلك ، ويميلون إلى أن يكونوا وحدهم على سطح هذا الكوكب ، وهذا ظاهر من كل سيرتهم التي في التاريخ المذكور.
* أنهم لا يدينون بدين على الإطلاق , وعقيدتهم الوحيدة هي شريعة الغاب ولكن يعلنونها متى ما تمكنوا من عدوهم .
وبعد فللمتفكر اللبيب أن يستنتج المزيد مما لم نلتفت أليه من خلال مراجعة التاريخ ومقارنته مع ما يحدث حالياً في العراق .ومنها ( ثم يأتي بني قنطورا من شواطئ جيحون إلى فارس و نصيبين ) وهو يفسر القواعد الأمريكية التي أقامتها في أذربيجان وقرغيزستان وطاجيكستان وغيرها للهجوم على إيران من هناك .
ً والآن وبعد هذه البينات التي نقدمها لكم , فمن حقنا أن نصرخ بالتساؤلات المريرة التي تعتلج في قلوبنا وضمائرنا .
أين أنتم يا علماء الدين ؟
أين الأحبار والرهبان الذين ...............والبقية في سورة التوبة (25).
أين دهائكم يا دهاة الساسة في المعارضة العراقية التي فتحت أبواب العراق لبني قنطورا و الكساكس و الأفاطس و الروم وبني إسرائيل وبني الشيطان ؟
أين أنتم يا مذاهب المسلمين عمّا فعلوه بالشافعية والحنفية في أصفهان ، والنصارى في روسيا وقفجاق ، ونصارى الروم في الشام، والذين هم بلا دين في بلاد أخرى ، ولم نسمع أو نقرأ عن خدش تعرض له يهودي في كل بقاع الأرض التي غزوها ؟
وفي أي فتنة عمياء تخوضون يا خوارج الإسلام من الوهابية والسلفية في دماء الأبرياء من المذاهب الأخرى وخاصة الشيعة ؟ أم تريدون بها الأموية ؟ فهيهات أن تكون في تيمي أو عدوي أو أموي كما قال الإمام علي بن أبي طالب (ع) .
في كتاب الفتن لنعيم بن حماد ...[ إن مروان بن الحكم لما ولد دُفع إلى رسول الله ليدعوا له ، فأبى أن يفعل ثم قال :
ابن الزرقاء ! هلاك عامة أمتي على يديه و يدي ذريته ] (26)
وفيه أيضا عن سفينة مولى رسول الله (ص) قال [ قال رسول الله (ص) : الخلافة بعدي في أمتي ثلاثين سنة . قال محمد بن يزيد في حديثه ، فحسبوا ذلك فكان ولاية علي ، فقالوا لسفينة : إنهم يزعمون إن عليا لم يكن خليفة ؟ فقال : من يزعم ذلك ؟ أ بنو الزرقاء ؟ أولى بذلك و أحقّ . ] (27) ثم ذكر في الهامش :
( بنو الزرقاء بنو أمية نسبهم هنا إلى إحدى جداتهم ، و قيل كانت من أصحاب الرايات ). أقول : من أصحاب الرايات ، يعني بغي ... فهل عرفتم ألزرقاوي ؟ وارجوا أن لا تذكر لي انه نسبة إلى محافظة الزرقاء الأردنية ...
وفي بحار الأنوار عن الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليهما السلام قال: ( لو أن أهل السماوات و الأرض خرجوا على بني العباس لسقيت الأرض من دمائهم حتى يخرج السفياني ، قلت له يا سيدي أمره محتوم ؟ قال من المحتوم ، ثم اطرق ثم رفع رأسه و قال : ملك بني العباس مكر و خداع ، يذهب حتى يقال لم يبق منه شيء ، و يتجدد حتى يقال ما مرّ به شيء) (28 )


إبن الأنسان:

بعد هذه الحصيلة من المعرفة التي توفرت لدينا من خلال استعراض الأمر الإلهي ، و معرفة ما يرمي إليه القرآن الكريم ، أصبح من الواضح جدا لنا أن نفهم و نعرف أمور كثيرة فيما يخص موضوع هام جدا ، وهو : من أين جاء النصارى بدعواهم عن السيد المسيح (ع) بأنه ابن الله ( وقالت النصارى المسيح ابن الله ) ؟ هل هو تعظيم للسيد المسيح ؟ أم هو خطا و سوء فهم لما ورد في الإنجيل الذي اخبرهم عن ( ابن الإنسان ) و جعلهم ذلك يفرقون بين ابن الإنسان و ابن غير الإنسان ؟ هل اعتقدوا عندما اخبرهم السيد المسيح عن ابن الإنسان ، فان ذلك يعني انه هو عليه السلام ليس ابن إنسان بل ابن الله ؟ سبحان الله عما يقولون !!!
و لبحث هذا الموضوع نرى أن ننطلق به في ثلاث نقاط :
الأولى : من أين جاءتهم هذه الفكرة الخاطئة ؟
الثانية : من هو الإنسان ؟ و من هو ابنه ؟
الثالثة : لماذا يسميه ابن الإنسان ؟

الأولى : من أين جاءتهم هذه الفكرة الخاطئة ؟
ربما من السهل أن نفهم أصل الفكرة الخاطئة عند النصارى بناءا على حقيقة لا يمكن دحضها ، وهي : أن الإمام الصادق (ع) سأله بعضهم عن حديث لرسول الله (ص) قدمناه سابقا ( ستحذو أمتي سنة بني إسرائيل ... الخ ، فقال الإمام الصادق (ع) : نعم إنها سنن و أمثال ، فحتى لو كانت هناك شاة برشاء ، سيكون هنا شاة برشاء ) . وما دمنا لا نعرف كل التفاصيل عن الافك الذي جاء به النصارى بعد السيد المسيح (ع) ، فسنأخذ القضية بشكل معكوس ، أي نستدل بما وقع عندنا على ما جرى مثله في بني إسرائيل ، أي يمكنك أن تسميه ( الهندسة العكسية ) .
إن من أعظم الافك الذي جيء به عندنا حديثا ، هو ما جاء به كتاب ( الطور المهدوي) ـ كما مر في الجزء الثالث ـ و لنرى هذا الرجل ماذا يقول :
( و إذن فالإنسان مختلف كليا عن البشر ... وكما تلاحظ فالسياق واضح جدا :الإنسان تقدم في الخلق ، ثم تطور إلى بشر ... لذلك نجد النظام القرآني دقيق الاستعمال من هذه الجهة ، فهو يفرق بين لفظ الإنسان ، و لفظ البشر، و من اجل ذلك تجد موارد الذم المستمر للإنسان و الثناء على البشر ، مثال ذلك ) و أورد بعض الآيات ( "إن الإنسان لكفور" ، " إن الإنسان لظلوم" ) الطور المهدوي ص 235 .
نقول : وكما أعطينا فكرة مبسطة في الجزء الثالث عن أقوال هذا الرجل ، وقول القرآن الكريم في الأطوار و التطور ، فان أقوال هذا الرجل كلها تدور حول فكرة التطور، و أن حتمية ظهور الإمام المهدي (ع) هي حتمية تطورية ، أي كما تتطور الحشرة من البيضة المخصبة ـ إلى يرقة ـ إلى عذراء داخل شرنقة ـ إلى حشرة كاملة ، و سبحان الله عما يقول ( الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه ) ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ، وبالطبع فان ما طرحه هذا الكتاب فيه الرد على كل مزاعمه بشكل ضمني ، فكما يقول المثل الصيني ( بدل أن تعلن عن الظلام أوقد شمعة ) فبدل أن نبقى في حيز الجدل ، نبين الحقائق ، وليس هنا مجال الرد على هذه الآراء الفاسدة ، رغم انه أضل كثيرا من الناس ، ولكن إذا كان هارون (ع) لم يستطع منع بني إسرائيل من عبادة العجل ، فإننا اضعف من هارون (ع) أن نمنع عباد العجول أن يتخذوا عجولهم ، فبما كسبت أيديهم .
على أية حال ، تبين لكم ما يقوله صاحب الطور المهدوي في استنباطاته و سفسطاته التي استنبطها من نظامه المزعوم ( قصدية اللغة ، اللغة الموحدة ) و غير ذلك من المصطلحات التي يضحكون بها على ذقون السذج من الناس ، فقد استنبط من سفسطته هذه : إن المخلوق الذي خلقه الله وهو آدم هو مخلوق غير كامل ، وهو في مراحل التطور ـ تماما كما يقول داروين في " أصل الأنواع" ـ وان (الإنسان) هي مرحلة بدائية في عملية التطور ، حيث إن الإنسان في مرحلة متقدمة يصل إلى مرحلة البشر، أما الإنسان فهو مذموم و متخلف.
وهذا بشكل ملخص جدا لما يقول . لقد أورد الباحث روية عن أمير المؤمنين (ع) ينهى عن تفسير القرآن بالرأي ، ولكن الباحث نفسه لم يلتزم بهذا القول ، فما معنى أن تنهى عن شيء و تفعله أنت ، أم انك يوحى إليك و انك مستثنى ؟؟؟ فنقول: إننا لا نقول برأينا ولا نفسر بلا علم ولا نقطع ولا نجزم ، ولكن نقول ما يقوله أئمة أهل البيت (ع) و نسلّم لهم تسليما كما أمر القرآن الكريم بذلك (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما).
و لنأخذ احد الإصحاح من الإنجيل و نرى ما يقول : ( ثم قال لتلامذته سيأتي زمان تتشوقون أن تروا فيه ابن الإنسان ، و لن تروا ولو يوما واحدا من أيام ابن الإنسان ، و لن تروا ، و سوف يقول بعضهم لكم ها هو هناك أو ها هو هنا ، فلا تذهبوا و تتبعوهم ، فكما أن الذي يلمع تحت السماء من إحدى الجهات يظن في جهة أخرى ، هكذا يكون ابن الإنسان يوم يعود ، ولكن لابد له أولا من أن يعاني آلاما كثيرة و يرفضه هذا الجيل ، و كما حدث في زمن نوح ، هكذا يحدث في زمان ابن الإنسان ) إنجيل لوقا الإصحاح 17 .
ولا بد من تثبيت نقطتين بهذا الخصوص :
1 ـ : طبقا للسنن و الأمثال الجارية في امة النبي و بني إسرائيل فلابد أن أفّاكا ( ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) استنبط من نظرية لغوية قصدية أخرى ، إن ابن الإنسان الذي يذكره الإنجيل هو للتدليل على أن السيد المسيح ليس" ابن إنسان" بل هو ابن الله ، وان الأمة المسيحية جاهلة و اعتباطية ولم تفهم ما يقصده الإنجيل و جاءهم هو بعلم عليم وصحح لهم أخطاءهم و بين لهم باطن الإنجيل و معانيه من خلال الألفاظ !!!
2 ـ : إن ما في هذا الإصحاح وهذا النص ما هو متطابق مع ما يقوله القرآن الكريم وما يقوله النبي و أئمة أهل البيت (ع) في عدة نقاط ، وفي ما يدل على صحة استنباطاتنا في نقطة هامة :
أ ـ قوله : ( ولن تروا يوما واحدا من أيام ابن الإنسان و لن تروا .) فقوله" لن " الأولى للبعد الزمني ، و "لن " الثانية ، لما تحدثنا عنه في السنن الإلهية في الجزء الثالث ، و قلنا إن الذين يشاهدون ذلك قلة قليلة ، وأما الغالبية العظمى فإلى الهلاك ، ومثل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه و آله " فيهم ذبح الله الأعظم " .
ب ـ قوله : : (وسوف يقول بعضهم لكم هاهو هناك وها هو هنا ، فلا تذهبوا و تتبعوهم ) ، هو قول أئمة أهل البيت (ع) : و سيأتي من شيعتنا من يدعي المشاهدة ، إلا فمن ادعى المشاهدة قبل الصيحة و السفياني فكذبوه .
ج ـ قوله : ( وكما حدث في زمن نوح هكذا يحدث في زمان ابن الإنسان . ) فهذا القول دليل آخر على اعتقادنا بحدوث استدارة فلك سابقة في زمن نوح (ع) ، و أن سنة الله في قوم نوح جارية في هذه الأمة و الأمم المعاصرة للظهور،( و للكافرين أمثالها ) (29) .

الثانية : من هو الإنسان ؟ ومن هو ابن الإنسان ؟
1ـ قوله تعالى (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا* وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) (30).
عن سيدة نساء العالمين عليها السلام قالت :
( أصاب الناس زلزلة على عهد أبي بكر، و فزع الناس إلى أبي بكر و عمر فوجدوهما قد خرجا فزعين إلى علي عليه السلام ، فتبعهما الناس إلى أن انتهوا إلى باب علي عليه السلام ، فخرج إليهم غير مكترث لما هم فيه ، فمضى فتبعه الناس حتى انتهى إلى تلعة ، فقعد عليها وقعدوا حوله ، وهم ينظرون إلى حيطان المدينة ترتج ، جائية و ذاهبة.
فقال لهم عليه السلام : " كأنكم هالكم ما ترون ؟
فقالوا : وكيف لا يهولنا ولم نر مثله قط ؟ " ، قالت عليها السلام : فحرك شفتيه ثم ضرب الأرض بيده ،ثم قال : " ما لك !! اسكني " ،فسكنت ، فعجبوا من ذاك أكثر من تعجبهم أولا حيث خرج إليهم .
قال : " فإنكم قد تعجبتم من صنيعي ؟
قالوا : نعم .
قال : " أنا الرجل الذي قال الله تعالى ( إذا زلزلت الأرض زلزالها * و أخرجت الأرض أثقالها * و قال الإنسان ما لها ) فأنا الإنسان الذي يقول لها : ما لك ! ( فيومئذ تحدّث أخبارها ) ، إياي تحدّث . ) (31).
و عن أسماء بنت عميس (رض) قالت : ( سمعت سيدتي فاطمة عليها السلام تقول : " ليلة دخل بي علي بن أبي طالب عليه السلام ،أفزعني في فراشي " .
قلت : فيم أفزعت يا سيدة النساء ؟
قالت : سمعت الأرض تحدثه و يحدثها ، فأصبحت و أنا فزعة ، فأخبرت والدي صلى الله عليه و آله ، فسجد سجدة طويلة ثم رفع رأسه ، و قال : " يا فاطمة ابشري بطيب النسل ، فان الله فضل بعلك على سائر خلقه ، و أمر الأرض أن تحدثه بأخبارها ، و ما يجري على وجهها ، من شرقها إلى غربها " . ) (32) .
و قد وقع العديد من المرات التي تزلزلت فيها الأرض و سكّنها الإمام علي عليه السلام ، وهو يقول ( أنا الإنسان الذي يقول لها: ما لك ! ) ، فالثانية كانت في البقيع في أيام عمر ، إلا انه عليه السلام قال بعدها : ( أما لو كانت هي هي لقلت : ما لها ! و لأخرجت لي أثقالها) (33) .
و الأخرى كانت في الكوفة ، و رواها الاصبغ بن نباته ، إلا انه عليه السلام قال بعدها : (هي هي الآن ، أما و الله أنا الإنسان الذي تنبئه الأرض أخبارها ، أو رجل مني ، أما و الله لو قام قائمنا ، قد اخرج من هذا الموضع أثنى عشر ألف درع ، و أثنى عشر ألف بيضة لها وجهان ، ثم البسها أثنى عشر ألف رجل من أولاد العجم ، ثم ليأمرنهم ،فليقتلن من كان على خلاف ما هم عليه .) (34).
وفي خطبة البيان ( أنا مزلزلها ، أنا مسكنها بقدرة الله ) .
وعن أبي ذر (رض) في حديث طويل عن أمر النبي (ص) بالسلام على الإمام علي (ع) بإمرة المؤمنين ، قال : ( قال لنا ـ يعني رسول الله ـ : " سلموا على أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي بإمرة المؤمنين ، فانه زر الأرض الذي إليه تسكن ، فلو فقدتموه ، أنكرتم الأرض و أهلها " . فرأيت عجل هذه الأمة و سامريها [يعني أبو بكر و عمر] راجعا رسول الله صلى الله عليه و آله في ذلك ، ثم قال (ص) : " حق من الله و رسوله ، أمرني الله بذلك " . ) (35).
أقول : هل يعلم عجل هذه الأمة و سامريها ومن تبعهما من عبيد العجول ، هل يعلمون معنى قول رسول الله صلى الله عليه و آله ( فانه زر الأرض الذي إليه تسكن ) ؟ وهل فهم أتباعهم من هذه الأجيال معنى ( زر الأرض ) وكيف تتحكم الأزرار الالكترونية في كل شيء ؟ فإذا كان العجل و سامريه لم يفهما ! فلا عذر لأتباعهما من أهل هذا الزمن ـ زمن الأزرار الالكترونية و الكهربائية ـ ما يعنيه رسول الله صلى الله عليه و آله .
2 ـ في قوله تعالى ( قُتل الإنسان ما أكفره ) عبس .
في تفسير القمي : دراج عن أبي أسامة عن أبي جعفر عليه السلام قال سألته عن قول الله " قتل الإنسان ما أكفره " قال : ( نعم نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام ، ما أكفره ؟ يعنى بقتلكم إياه ، ثم نسب أمير المؤمنين عليه السلام فنسب خلقه وما أكرمه الله به فقال : ( من أي شئ خلقه ) يقول من طينة الأنبياء خلقه ( فقدره ) للخير ( ثم السبيل يسره ) يعنى سبيل الهدى ( ثم أماته ) ميتة الأنبياء ( ثم إذا شاء أنشره ) قلت ما قوله : ثم إذا شاء أنشره قال : يمكث بعد قتله في الرجعة فيقضي ما أمره ) (36) . فقوله تعالى " ما اكفره " أي ما الذي جعله كافراً ؟ فقتلتموه وتقولون كفر .
3 ـ في قوله تعالى ( الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان* علمه البيان) (37)
عن الإمام الباقر (ع) في قوله تعالى ( إن علينا جمعه و قرآنه * فإذا قراناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه ) (38) ، قال : إنما نزلت ( ثم إن عليا بيانه ) أي إن علي بن أبي طالب بيانه ، وهي من الآيات التي نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام باسمه الصريح، فحرفه أصحاب السقيفة ، أما في سورة الرحمن ، فعاد إلى تسميته " الإنسان " لذلك قال تعالى ( خلق الإنسان *علمه البيان ) لأنه تعالى أمر علي بن أبي طالب (ع) أن يبين القرآن بقوله تعالى ( ثم إن عليا بيانه) ، فالإنسان الذي علمه الله البيان ، هو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام خاصة ، وهو عنده علم القرآن و علم الكتاب ، وهو اعلم الخلق من الأولين و الآخرين بعد رسول الله صلى الله عليه و آله .
4 ـ قوله تعالى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا* إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) (39)
في المناقب : جاء في تفسير أهل البيت عليهم السلام : ( إن قوله هل أتى على الإنسان حين من الدهر ، يعني به عليا ، وتقدير الكلام ما أتى على الإنسان زمان من الدهر إلا وكان فيه شيئا مذكورا ، وكيف لم يكن مذكورا وان اسمه مكتوب على ساق العرش وعلى باب الجنة ، والدليل على هذا القول قوله : إنا خلقنا الإنسان من نطفة ، ومعلوم أن آدم لم يخلق من النطفة ) (40) ، وفي الخطبة قال الامام علي (ع) :( انا الممدوح بهل اتى ) .
5 ـ قوله تعالى (} يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ ) (41) .
فقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام (الآية تنزل أولها في شيء ، و أوسطها في شيء ، و آخرها في شيء ) ولا يستطيع أي" منهج لفظي" فهم مراميها من خلال القواميس ، ففي هذه الآية الكريمة ، يتنقل الخطاب من جهة إلى جهة ، فالإنسان الذي غره الغرور بربه الكريم ، هو غير الإنسان الذي " سواك فعدلك ، بأي صورة ما شاء ركبك " فتبدأ الآية بإنسان ، ثم تنتقل إلى " الإنسان " الذي يركبه الله بصور شتى مع الأنبياء السابقين و يؤيدهم به ، وهو سوي معتدل (سواك فعدلك ) ، وهو الذي يظهر مع الإمام المهدي (ع) بأحسن صورة ( دابة الأرض ) ، و الصور التي ظهر بها مع الأنبياء السابقين يطول المقام بذكرها راجعها في ( مدينة المعاجز ) ، و حديث رسول الله (ص) مع الهام بن الهيم حفيد إبليس عليه اللعنة ، و مع الجن الذين قطع أمير المؤمنين (ع) يد احدهم عندما أراد قلب سفينة نوح (ع) ، وباختصار ، فان الإنسان الذي سواه الله و عدله ، و ركبه بصور متعددة كما شاء الله ، هو أمير المؤمنين عليه السلام ، الذي بين كل ذلك في خطبة البيان ، و هذا معنى قوله تعالى .{ هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى * أَزِفَتْ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ) 42 .أي : نذير مع الأنبياء السابقين وفي كتب الأولين ، فان شئت أن تقيس قدرة الله على قدر عقلك الصغير و تتعجب من هذا الأمر ، فسترى الأعجب و الأعجب في رجب ، إن أدركته ، ولا عجب في أمر الله ، كما قالت الملائكة لسارة زوجة إبراهيم (ع) عندما بشروها بغلام حليم فتعجبت من ذلك لكونها عجوز في السن (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ ) (43).
الثالثة : لماذا يسميه القرآن و الإنجيل " الإنسان " ؟
بكلمة مختصرة نقول ، إن هذا التأكيد على تسميته عليه السلام بالإنسان ، ليقطع العذر و الحجة على المغالين من محبيه ، أو الجهلاء الذين لا يفقهون ، في أن يقولوا فيه ما قالت النصارى في عيسى بن مريم (ع) ، حيث قالوا بإلوهيته وقالوا ابن الله وقالوا ( ثالث ثلاثة ) ، وأقوال وصفها القرآن الكريم بقوله تعالى (تكاد السموات يتفطرن منه و تنشق الأرض وتنهد الجبال هدا ) ، وكل ما شاهدوه من السيد المسيح (ع) يكاد لا يساوي قطرة من بحر مما سيشاهدون ، ومما شاهدوا بالفعل من آيات و معجزات أمير المؤمنين عليه السلام ، ولكن القضية التي يجب أن يعيها المؤمن ، إن هذه القدرة هي قدرة الله عز و جل ، وان كل ما عنده هو فضل آتاه الله إياه ، وانه في النهاية ليس سوى إنسان ، وإنما الاختصاص من الله سبحانه و تعالى ، وكان عليه السلام يؤكد و يشدد على هذه الحقيقة و يتبرأ إلى الله ممن يقول بغير ذلك ، وقد قال لابن قدامة في خطبة تطنجية ( يابن قدامة نحن مربوبون لا أرباب ، نحن المدبرون بقدرة الله ، نحن نكحنا النساء و حملتنا الأرحام و أكلنا الطعام ) وذلك عندما ذهلوا مما رأوا من معجزاته و خوارقه ، ومن هنا فان القرآن و الإنجيل ينبه على هذه الحقيقة قبل وقوعها ، ليقول إن هذا الرباني الذي هو سيد الأوصياء لسيد الأنبياء والذي عنده علم الكتاب ، هو إنسان خلقه الله بقدرته ، و آتاه من فضله ما شاء الله .
و الآن بعد هذا البيان ، إذا كان الإنسان الذي هو في عدة آيات قرآنية يشار به إلى الإمام علي (ع) ، هو مخلوق غير "متطور" ولم يصل بعد إلى مرحلة البشر ـ حسب المنهج اللفظي ، و قصدية اللغة ، واللغة الموحدة ...الخ ـ فليس على هذا المنهج سلام ، ولا على الذين يتبعونه و يتسفسطون به ، فانه أضل كثيرا من سذج الناس التي تنعق وراء كل ناعق ، وتنعق بما لا تسمع ، وهم جماعة معروفة ، تدعى " المهدوية " يعكفون الآن على ساحر دجال ، من نفس مدرسة صاحب " الطور المهدوي" ومن تلامذته ، وسوف يهلكهم ....!!!
} كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُون ، اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) .
فيا أيها الذين أوتوا الكتاب ، إذا كان أفّاكا من الأفاكين ، أضلكم بسفسطاته ، و قال " المسيح ابن الله " لأنه تحدث و أخبركم عن " ابن الإنسان " فظننتم انه ما هو بابن إنسان ! فان الإنسان الذي أخبركم به السيد المسيح (ع) هو أخيه الإمام علي بن أبي طالب (ع) ، و أما ابنه ،" ابن الإنسان " فهو ابنه من ولده الحسين عليه السلام ، وهو التاسع من ولد الحسين (ع) وهو المهدي (ع) الذي يصلي خلفه السيد المسيح (ع) ، و " الإنسان" علي (ع) هو دعوة إبراهيم (ع) عندما دعا ربه و قال ( و اجعل لي لسان صدق في الآخرين ) (44) أي : اجعل لي من ذريتي من الآخرين من له لسان صدق لا تجد له كذبة أبدا في قول ، فاستجاب الله دعاءه ، فقال تعالى (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ) (45) أي، علي بن أبي طالب (ع) ، وهي من المرات التي افلت فيها القرآن الكريم من أيدي الذين انقلبوا على أعقابهم ، و غفلوا عن الاسم الصريح الذي صرح به القرآن باسم علي بن أبي طالب (ع) ، كما أفلت الإنجيل " بابن الإنسان" بعد حذف اسم النبي الأمي (ً (ص) ( و مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد ) (46) ، وهو من أسماءه العديدة ، في النجيل ( هيدار ) أي حيدرة . و أليـّا ، أي علي بن ابي طالب :
وفي حديث مرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وأله : ( يا علي ذكرك في التوراة وذكر شيعتك قبل أن يخلقوا بكل خير ، وكذلك في الإنجيل ، وأهل الكتاب عن أليّـا يخبرونك مع علمك بالتوراة والإنجيل وما أعطاك الله من علم الكتاب وإن أهل الإنجيل ليعظمون أليّـا وما يعرفونه يخبرونه في كتبهم ) (47) .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) الرحمن ، أبما أفلت من الإنجيل ؟ أم بما أفلت من القرآن ؟
فان قلتم فان الله تعالى يقول ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (48)، فماذا يعني ذلك ! نقول انه لا يعني أبدا بان الله سبحانه سيضع حفظة من الملائكة تقف بالمرصاد لمن يتلاعب بنسخ الكتاب الذي بين أيدي الناس ، ولكنه يعني انه محفوظ في أم الكتاب أولا ، و محفوظ لدى الشاهد و الحجة على الخلق ، كما انزله الله تعالى ، فهو محفوظ لدى أمير المؤمنين عليه السلام ، ثم جميع الأوصياء بعده ، وهو محفوظ لدى الذي ورث الكتاب من عباده الله الذين اصطفى ، وهو الإمام المهدي عليه السلام ، كما قال تعالى : (} ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَاب َالَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } (49) . فاخفوا ما شئتم و احذفوا ما شئتم ، فإنما تمكرون بأنفسكم ، و تهلكون أنفسكم ولا تضروا الله شيئا .
وعن الامام الباقر عليه السلام ( قال : يقوم بأمر جديد ، وكتاب جديد ، وسنة جديدة وقضاء جديد على العرب شديد ) (50) ، والكتاب الجديد : هو القرآن الكريم كما انزل على رسول الله صلى الله عليه وآله ، وفيه اسماء أئمة يدعون الى الله ، وأئمة يدعون الى النار ، وليس ( ابو لهب) وحده من دون الاسماء الاخرى ، حيث يقول الامام الصادق (ع) : والله ما تركوا اسم ابي لهب الا إزراء برسول الله . ( بالطبع لكونه من قرابته ) .

قوم المشرق :
ورد عن رسول الله صلى الله عليه و آله و الأئمة من بعده أحاديث و روايات متواترة عن قوم يظهرون من المشرق يوطئون للإمام المهدي (ع) سلطانه ،واستغل الكثير خبر هؤلاء القوم لتنسبه كل جهة إلى نفسها ،و بعد قيام الثورة الإيرانية و انعقاد الكثير من الآمال الشيعية عليها و مهاجرة كثير من العلماء و الباحثين إلى إيران للاحتماء بحصن الثورة السلامية الإيرانية، ظهرت الكثير من الآراء و البحوث المهتمّة بموضوع الإمام المهدي عليه السلام ، ويكاد يكون إجماع بينها بتطبيق المصاديق على قيادات إيرانية أو جماعات أو اتجاهات إيرانية وبشكل يفتقر إلى الموضوعية في اغلب الأحيان ربما نتيجة اليأس و القنوط أحيانا، وقد يكون نتيجة الاعتقاد الخاطئ أحيان أخرى ، ولا يستبعد أن يكون من باب المجاملات في بعض الأحيان .و من ذلك قوم المشرق .
وسنذكر بعض هذه الأحاديث التي ذكرتهم ، ثم نحاول العثور على المقصود بهم ودورهم و أهميتهم .
في غيبة النعماني عن الإمام الباقر (ع) قال: ( كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه ثم يطلبون الحق فلا يعطونه فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يقوموا و لا يدفعونها الاّ إلى صاحبكم قتلاهم شهداء ). والأحاديث التي وردت بنفس الألفاظ و المعاني المطلقة كثيرة إلا إنها تذكرهم بأنهم ( من المشرق ) مطلقا دون تخصيص وهذا ما جعل الكثيرين يقولون إنهم الإيرانيين مثل الشيخ علي الكوراني وغيره ، وفي بحار الأنوار، ذكر ألمجلسي الرواية ثم علّق عليها بما يلي (بيان : لا يبعد أن يكون إشارة إلى الدولة الصفوية شيدها الله تعالى و وصلها الله تعالى بدولة القائم عليه السلام ) (51) ، بل إنا نجد حتى السيد الشهيد محمد باقر الصدر ( قدس ) يندفع عاطفيا بهذا الاتجاه عند أول ظهور للسيد الخميني رحمه الله . ولنا رأي بهذا الموضوع مبني على روايات أخرى تذهب باتجاه آخر سنتناوله فيما يلي :
لقد تميزت علاقة بني قنطورا و بني إسرائيل دائما بأنها علاقة خديعة و انتفاضة . أي إن بني قنطورا عبر معظم الحقب التاريخية التي راجعناها وجدناهم دائما ضحية مؤامرة و خديعة يقوم بها اليهود لإضلالهم ثم تسخيرهم لمصلحة اليهود المادية و الدنيوية عموما ، سواء على مستوى الانتقام من الأعداء ، أو للوصول إلى الملك ، أو لتحقيق الأرباح المادية و السيطرة على رأس المال ، أو على مستوى نشر عقيدة فكرية خبيثة . ولكننا وجدنا أن بني قنطورا دائما يفيقون من غفلتهم في ردّة فعل سريعة ، ويكتشفون الخديعة ، ويكون نتيجة ذلك انقلاب بني قنطورا على اليهود في ردّة فعل عنيفة بعد أن يذوقوا وبال أمرهم .
وخلال المائة عام الماضية فقط تكرر هذا الأمر عدة مرات ، فنجد أن بني قنطورا هم اخلص و أوفى من يتبنى العقائد الخبيثة التي يؤسس لها اليهود ابتدءا من نشر الفكر المادي ، وبناء قواعد رصينة له و مرتكزات غاية في الإتقان ، و وصولا إلى الشيوعية الأممية و محاربتها للفكر المثالي بشكل عام و الديني بشكل خاص ، فنجد أن بني قنطورا بصنفيهم (الترك و الافاطس ) هم الذين تبنوا الشيوعية ، هذه العقيدة اليهودية التأسيس و التنظير، و هم الذين قدموا التضحيات الجسيمة من اجل الدفاع عنها سواء من الترك (لينين و ستالين ... والى آخر القائمة ) أو من الافاطس ( ماو تسي تونغ ... و بقية الرفاق الصينيين ) . و عندما أفسدت بني إسرائيل و بعث الله عليهم هتلر ليسومهم سوء العذاب .. وهو قوله تعالى ( وإذ تأذن ربك ليبعثنّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) (52) ، وبالغ هتلر و بقية الروم من دول المحورـ سواء النازيين في ألمانيا ، أو الفاشيين في ايطاليا و النمسا ـ عند ذلك ردّ الله لهم الكرّة على أعدائهم على أيدي بني قنطورا ، سواء الروس اكبر أمم الترك ، أو بني قنطورا من الأمريكيين بقيادة الأكسّ روزفلت ـ الذي اشتهر ببروز فكه الأسفل على الأعلى أكثر مما اشتهر بمواقفه و انتصاراته ـ . ولكن الحرب لم تنته حتى انقلب بني قنطورا على بني إسرائيل ، و اتخذ كل من الترك و الافاطس مواقف حاسمة مؤيدة للعرب و القضية الفلسطينية ، و أعلنوا عدائهم الشديد لبني إسرائيل ، و كانت هذه من انتفاضاتهم و انقلابهم على بني إسرائيل ، ولكن بعد ابتلاع الطُعم ودفع الثمن الباهظ لغفلتهم و انجرارهم لمخططات اليهود . إلا أن فساد بني العباس خلال الثلاثين سنة الماضية فسادا لا يرجى معه إصلاح أبدا ، جعل بني قنطورا ينفضون أيديهم من بني العباس خصوصا ( أي الحكومات العربية السنية ـ حيث انهم من ذرية عبد الله بن عباس ) و من الشعوب العربية المتشيعة لبني العباس بشكل عام ، لما رأوا منهم من انجراف خطير ، ونكران جميل لا مثيل له ، و تردي أخلاقي على جميع الأصعدة و المستويات ـ السياسية منها بشكل خاص ، ففي الوقت الذي وقف بني قنطورا بصنفيهم مواقف شديدة الخطر دفاعا عن قضايا العرب ـ كالإنذار الذي وجهه الاتحاد السوفيتي للعدوان الثلاثي على مصر ـ و تهديده بدخول الحرب إلى جانبهم ، و إلى كل المواقف المشهورة الأخرى لكل الأجناس التركية و الصينية عموما ، لم يقابل بني العباس ذلك إلا بالمزيد من سوء الأخلاق ، بل قابلوهم أحيانا بالإهانات ـ كما فعل أنور السادات بطرد الخبراء العسكريين السوفيت و بيع الأسلحة الروسية ( التي مكّنته من تدمير خط بارليف و تحرير أجزاء من سيناء عام ( 1973) ،) ، ضمن صفقة اتفاقيات كامب ديفيد ـ وامتنعت بعض الدول العربية وخاصة الخليجية حتى عن إقامة علاقات دبلوماسية معهم ، بحجّة أنهم شيوعيون كفرة . بينما بلغت علاقتهم درجة التحالف الإستراتيجي مع أعداء بني قنطورا من الروم خاصة ، و عامة ( دول حلف شمال الأطلسي) و إيداع الأموال الطائلة في خزائنهم و مصارفهم ، مما ساعد على تنمية اقتصادهم بشكل هائل .
وأمام هذا الوضع كان من المتوقع أن يكون لبني قنطورا ردّة فعل سلبية تجاه العرب ، و انفتاحهم باتجاه بني إسرائيل و حلفاؤهم ، وهذا ما حصل عندما وقعت الحرب التي ( حلوٌ رضاعها علقمٌ عاقبتها ) كما قال الإمام علي (ع) ، و قام بني قنطورا بإعادة حساباتهم و تقييم مصالحهم ، وتغيير تحالفاتهم . ثم جاءت (الفتنة الرجوف و القاصمة الزحوف ) ليصبح بني قنطورا حلفاء إستراتيجيين للروم و بني إسرائيل ، لغزو العالم الإسلامي تحت شعار الحرب ضد الإرهاب . والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا ويجب البحث فيه هو التالي : انه بعد هذه الخديعة الجديدة التي خُدع بها بني قنطورا من اليهود ، هل ستكون لهم انتفاضة ، حيث قلنا في أول الكلام من أن علاقتهم تميزت بأنها علاقة خديعة و انتفاضة ؟ و هل توجد روايات توحي بذلك ؟ و من هم قوم المشرق ؟
ولعل أوضح الروايات في كشف أمر المبهم من قوم المشرق هي التي وردت في (أربعين المير أللوحي ) عن فضل بن شاذان عن الإمام الصادق (ع) قال : (كأني بقوم قد خرجوا بأقصى بلاد المشرق من بلدة يقال لها شيلا ، يطلبون حقهم من أهل الصين فلا يعطون ثم يطلبونه فلا يعطون فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم ، فرضوا بإعطاء ما سألوه فلم يقبلوا ، و قتلوا منهم خلقا كثير، ثم يسخّرون بلاد الترك و الهند كلها ، و يتوجهون إلى خراسان و يطلبونها من أهلها فلا يعطون ، فيأخذونها قهرا و يريدون أن لا يدفعوا الملك الاّ إلى صاحبكم مع الذين قتلوهم فانتقموا منهم ، و تعيشوا في سلطانه إلى آخر الدنيا .) (53)..
إذن على كثرة الروايات التي تحدثت عن قوم المشرق فهناك تعتيم على تحديد جهة انطلاقهم ، وهو قوله (ع) {أقصى بلاد المشرق } و لأول مرة نعرف مع من اختلافهم ، ومن الذي لهم عنده حق و يرفض إعطائهم إياه ، وهو قوله (ع) { من أهل الصين } كما إننا عرفنا بلدتهم { من بلدة يقال لها شيلا } و لأول مرة نعرف أنهم ليسوا من أهل خراسان و لكنهم { يأخذونها قهرا } و ينطلقون منها لنصرة الإمام القائم ( عج ) .. فهل شيلا هي ( شيلي ) ؟ هناك الكثير من الأمور التي لا يمكن توقعها ومعرفة مصاديقها الآن ، لان المفاجآت كثيرة ، و المكر الإلهي لا يحزر ، ولكن الذي يُفهم من الروايات ، أن قوم المشرق المأمولين تكون حركتهم بعد ظهور السفياني ، وقبلهم أيضا يوجد رايات لأهل المشرق سنستبين أمرها .
ففي أربعين المير أللوحي أيضا عن الإمام علي (ع) : ( فإذا قام القائم بخراسان الذي أتى من الصين و ملتان ، وجه السفياني بالجنود إليه فلم يغلبوا عليه ، ثم يقوم منا قائم بجيلان يعينه المشرقي في دفع شيعة عثمان ، و يجيبه الإبر و الديلم و يجدون منه النوال و النعم ، و ترفع لولدي النود و الرايات ، و يفرقها في الأقطار و الحرمات ) (54).
و يتبين من الخطبة و الرواية أن هناك قائدين هاشميين احدهما يأتي من بلاد بني قنطورا ( الافاطس ) إذ لا يمكننا أن نحمل الصين على أنها جمهورية الصين تحديدا ، و تسانده الترك و الديلم و الهند، و آخر من جيلان ، و هم الذين يوطئون للإمام (ع) سلطانه، و هؤلاء قبل ظهور الإمام (ع) بقليل ـ أي في الملحمة العظمى ـ ، ولكن هناك قوم يسبقونهم من المشرق إلى الشام ويلتقون بأهل المغرب ، وفي التقاء هؤلاء جاء الحديث الشريف ( فيومئذ باطن الأرض خير من ظهرها) ، و أما قوم المغرب ـ أو فتنة المغرب ـ فهم خوارج المغرب العربي و الغالب عليهم البربر الجزائريين و معهم مغاربة و تونسيين من الذين يأتمون ( بتنظيم القاعدة) ، و أغلبهم من المهاجرين إلى أوربا و أمريكا ، الذين سيتم إعادة تهجيرهم إلى بلدانهم كما يبدو من الروايات، بسبب اتهامهم بالتطرف الإسلامي ، بل كما يظهر من كلام أمير المؤمنين (ع) بانه هو مما يشير اليه قوله تعالى (ارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ) (55). و خروجهم في البداية إلى مصر ، ثم يطلبون الشام ، و تكون الملحمة بالشام ،حيث تلتقي الفئتان ، و تفترق أقوام المغرب إلى ثلاث فرق ، فرقة تعود ، و فرقة تتوجه نحو الحجاز بنية الحج ، ( وربما هم الذين سيثيرون الفتنة في الحج التي تؤدي إلى مذبحة الحجاج يوم عرفة)، و فرقة تدخل في طاعة السفياني، و معظم الذين يقتلهم السفياني من قادة المغرب ، هم من ذرية مروان بن الحكم الذي انتزع ملك آل أبي سفيان إبان حكم الأمويين .
ففي الكافي : عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن فضال عن ثعلبة بن ميمون ، عن بدر ابن الخليل الاسدي قال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول في قول الله عز وجل : " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون " قال : إذا قام القائم وبعث إلى بني أمية بالشام ، هربوا إلى الروم . فيقول لهم الروم : لا ندخلنكم حتى تتنصروا فيعلقون في أعناقهم الصلبان ، فيدخلونهم ، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح ، فيقول أصحاب القائم : "لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا " قال : فيدفعونهم إليهم فذلك قوله : " لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون " قال : يسألهم الكنوز وهو أعلم بها قال : فيقولون " يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعويهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " .. بالسيف .) (56)
و يكون للسفياني النصر على قوم المشرق ، و يقتل منهم كثير و يهزم الباقي .. فيلاحقهم إلى الكوفة فيعرك الكوفة عرك الأديم ، و يسبي ويقتل قتلا لم تعهد الكوفة مثله لا في زمن صدام ولا في زمن الحجاج ، راغبا في إبادة أهل البيت و شيعتهم .
وعندما يذكر الصحابة هذه الروايات يتساءل ابن مسعود مثلا ويقول( لا ندري ماذا سيفعل أهل الكوفة حتى يسلّط الله عليهم السفياني؟) أقول: أما نحن فأصبحنا ندري ماذا فعلوا ، بعد أن رأينا موقفهم من جيش المهدي(ع) ، أثناء الاشتباكات مع الأمريكيين و كيف ظاهروا اليهود و النصارى على المؤمنين .. حيث الأحزاب الإسلامية الشيعية مع البيشمركة الكردية تحالفت مع الأمريكيين بلا تردد ، ولكن أي ثمن سيدفعون جراء ذلك ؟ هذا ما خبره عند الذي لا يحكم بالبينة .. بل بالتوسم "عليه السلام" ( فَيَحْـلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا اِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) (57). ...

وأما قوم المشرق المأمولين ، فيكون دخولهم ميدان الحرب على اثر ذلك كما يتبين من الروايات . وهم أصحاب الفتح .
و أورد نعيم بن حماد كثير من الأحاديث في الجزء الخامس و بداية الجزء السادس عن الصحابة مثل ابن مسعود و حذيفة و كعب و عبد الله بن عمر وأورد عن الإمام علي و الإمام الباقر عليهما السلام كلها بهذا المعنى ، لخصناها اختصارا ،وذلك أن كل ما قيل لا يتعدى ما جاء في خطب الإمام علي (ع) في الملاحم التي قدمناها ، سوى التفصيل في بعض الوقائع ، ويظهر من الروايات أن غالبيتهم من مسلمي وادي فرغانة ومسلمي القوقاز ومسلمي أقاصي المشرق، ومعهم الكثير من غير المسلمين ، و يتبين لنا هذا الأمر من الروايات التالية عدا ما تقدم
* في غيبة النعماني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ( إذا خرج القائم عليه السلام، خرج من هذا الأمر من كان يرى إنه من أهله، ويدخل فيه شبه عبدة الشمس و القمر.) (58) ، والذي يرى إنه من أهله بالطبع هم بعض الشيعة ، ولكن الكثير منهم يخرج منه لأسباب تحدثنا عنها في هذا الجزء ولكن قلوبهم تشمئز من حديثنا .. فبما كسبت أيديهم ! والذين هم شبه عبدة الشمس و القمر هم هؤلاء الذين يأتون من بلاد بني قنطورة مع ( الحسني) الذي يأتي من الديلم، وخاصة من أذربيجان ، و القائد الآخر الذي يأتي من الصين وهو من ذرية جعفر الطيار (ع) وفق الروايات، وفيهم الكثير من غير المسلمين .
* وفيه أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( قال لي أبي عليه السلام، لابد لنا من أذربيجان، لا يقوم لها شيء، وإذا كان ذلك فكونوا أحلاس بيوتكم، والبدوا ما لبدنا، فإذا تحرك متحركنا فاسعوا إليه ولو حبواً، والله لكأني أنظر إليه بين الركن و المقام يبايع الناس على كتاب جديد على العرب شديد ، وقال: ويل لطغاة العرب من شر قد اقترب. ) (59) .
وبالإضافة إلى معرفة قوم المشرق من هذه الروايات ،فإنها توضح لنا بشكل جلي الفترة التي أمرنا بها أئمة أهل البيت عليهم السلام أن نكون أحلاس بيوتنا متربصين مرتقبين للدعوة، وليس نائمين غافلين، وهذه الفترة بالطبع ضمن فترة نزول الآيات ونزول الأمر ألإلهي كما تقدم.
* وفي الحديث المطول للإمام الصادق (ع) مع المفضل بن عمر في الحوادث الواقعة قبل الظهور و بعده ، وبعد أن تحدث عليه السلام عن خراب البلدان و خراب الزوراء بالفتن و الحروب قال (ع) : ( ثم يخرج الحسني ، الفتى الصبيح من نحو الديلم ، يصيح بصوت له فصيح : يا آل احمد أجيبوا الملهوف و المنادي من حول الضريح ، فتجيب كنوز الله بالطالقان ، كنوز وأي كنوز، ليست من ذهب ولا فضة ، بل هي رجال كزبر الحديد ، على البراذين الشهب ، بأيديهم الحراب ، يتعاوون شوقا إلى الحرب ، أميرهم رجل من تميم يقال له شعيب بن صالح ، ولم يزل يقتل الظلمة حتى يرد الكوفة، وقد جمع بها أكثر أهلها ، فيجعلها له معقلا ،فيتصل به وبأصحابه خبر المهدي (ع) . ) (60)
وفي مستدرك سفينة البحار ، عن أمير المؤمنين عليه السلام : ( يخرج الحسني صاحب طبرستان ، مع جمع كثير من خيله و رجله ، حتى يأتي نيسابور فيفتحها و يقسم أبوابها ، ثم يأتي اصبهان ، ثم إلى قم ) (61)
* وفيما وجد من وصية أمير المؤمنين(ع) لابنه محمد بن الحنفية أبيات من الشعر يقول فيها:
بني إذا ما جاشت الترك فانتظر ولايــة مهدي يقوم و يعـدل

ومن الكذابين و المدعين اليوم الكثير، وممن لديهم من الافاكين الذين يروجون لهم هذه الأكاذيب ممن يدعي انه ( الحسني الموعود ) رغم إن هذه الروايات لا لبس فيها في معرفة الحسني الموعود و منطلقه ووقت ظهوره و مبلغ قوته و جيوشه وأسلحته ، حيث انه ينطلق من الديلم ، ومن أذربيجان خاصة ، ولديه صواريخ ارض ارض و طائرات متطورة و دبابات و دروع و مدفعية ثقيلة ، وهؤلاء الكذابين لدى بعضهم بضعة بنادق كلاشنكوف صدئة ، و أكثرهم لا يملكون حتى منجنيق للحجارة ، وذات المشكلة مع الذين يدعون شخصية ( اليماني الموعود ) الذي هو في وقته قائد عام للقوات المسلحة اليمنية بجيشه و أسلحته ، ناهيك أنهم جميعا ظهورهم في رجب الذي فيه العجب و نزول الآيات و طلوع الشمس من مغربها ، فالويل لهم مما يفترون على الله الكذب ، و الويل لهم و لأتباعهم مما يكسبون .




ملحـمة الفـتـح :
كثر الجدل عند الذين خلفوا الجيل الأول من عصر الرسالة حول كثير من مرامي آيات الكتاب الكريم نتيجة التعصّب و الأحقاد و طلب الملك ، و من ذلك على سبيل المثال ( سورة الفتح ) و ما ترمي إليه رغم البيان و الوضوح و التفريق بين الموعود من الفتح المبين و ظهور الدين على الدين كله ، وبين ( و جعل من دون ذلك فتحا قريب ) وهو فتح مكة . ووردت الكثير من الأحاديث و الروايات عن ملحمة الفتح ، ولكنها أيضا تدور في نفس المعنى ، وورد الكثير منها في صفحات هذا البحث ، سنختمها بحديث لرسول الله صلى الله عليه و آله ففيه الشفاء لما في الصدور .( ولكن قبل ذلك نبين فقط وبشكل مبسط ، ان الملحمة تعني بمطلحات اليوم ( المجزرة ) وتسمى الملحمة لكثرة ما يُقطع ويُفرى فيها من اللحم ، فالملاحم هي المجازر ، والملحمة العظمى هي المجزرة العظمى) .
قال حذيفة : ( فُتح لرسول الله (ص) فتح لم يُفتح مثله منذ بعثه الله تعالى فقلت له : يهنيك الفتح يا رسول الله قد وضعت الحرب أوزارها ، فقال : هيهات هيهات ، والذي نفسي بيده إن دونها يا حُذيفة خصالا ستّا ، أولهن موتي ، قلت إنا لله و إنا إليه راجعون ، قال : ثم يُفتح بيت المقدس ، ثم يكون بعد ذلك فتنة تقتتل فيها فئتان عظيمتان ، يكثر فيهما القتل و يكثر فيهما الهرج ، و دعوتهما واحدة ،( ولعل المقصود هما " فتح و حماس" ) ، ثم يسلط عليكم موت فيقتلكم قصعا كما تموت الغنم ، ثم يكثر المال حتى يدعى الرجل إلى مائة دينار فيستنكف أن يأخذها ، ثمّ ينشأ لبني الأصفر غلام من أولاد ملوكهم ، قلت ومن بني الأصفر ؟ قال : الروم ، فيشب في اليوم الواحد كما يشب الصبي في الشهر، و يشب في الشهر كما يشب الصبي في السنة ، فإذا بلغ أحبّوه و اتّبعوه ما لم يحبوا ملكا قبله ، ثم يقوم بين ظهرانيهم فيقول : إلى متى نترك هذه العصابة من العرب (.... ) فيجتمعون عنده سبعمائة ألف و ستمائة مقاتل ، و يكتب إلى كل جزيرة ، فيبعثون بثلاثمائة سفينة ، فيركب هو في سفينة منها و مقاتلته بحده و حديده حتى يرمي بها ما بين إنطاكية إلى العريش.... ثم يسل المسلمون سيوفهم و يكسرون أغمادها و يغضب الجبار على أعدائه ، فيقتل المسلمون منهم حتى يبلغ ثنن الخيل ، ثم يسير من بقي منهم بريح طيبة يوما و ليلة ، فيبعث الله عليهم ريحا عاصف فتردهم إلى المكان الذي منه خرجوا، فيقتلهم بأيدي المهاجرين لا يفلت منهم احد ولا مخبر، فعند ذلك يا حذيفة تضع الحرب أوزارها ، فيسعون في ذلك ما شاء الله ، ثم يأتيهم من قبل المشرق خبر الدجال انه قد خرج فينا .) ( 62)
فقوله صلى الله عليه وآله ( أولهن موتي ) فهو واضح وضوح الشمس بان المقصود بالفتح الذي وعدت به سورة الفتح ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) هو في رجعة رسول الله صلى الله عليه و آله عند ظهور ولده ووصيه الإمام المهدي عليه السلام ، وان هذه الملحمة هي التي يتم الإعداد لها الآن فيما يسمى بـ( العولمة ) و( مشروع الشرق الأوسط الكبير) و(الحرب ضد الإرهاب) وغيره من التسميات ، وما يحلو للبعض تسميتها ( الحرب العالمية الثالثة ) .
أما قوله (ص) في الغلام من الروم، من أولاد ملوكهم فله معنيان أو أطروحتان :
الأولى : بمعنى أبوه رئيس سابق ، ثم يصبح هو رئيس، وهو بوش الابن لا احد غيره .
الثانية : بمعنى من ملوكهم القدماء وهو بالتحديد من آل هرقل ،حيث ورد في علامات الظهور ( إذا ملك الخامس من آل هرقل ) وورد في الخبر أن أربعة من آل هرقل يملكون ثم ينتقل الملك إلى آل ليون ، ثم يعود في آخر الزمان إلى الخامس من آل هرقل على يديه الملاحم.
وعن أبي إمامة الباهلي قال : قال رسول الله (ص) ، بينكم وبين الروم أربع هدن في يوم الرابعة على يدي رجل من آل هرقل تدوم سبع سنين . ثم قال : إمام الناس يومئذ المهدي من ولدي ، ابن أربعين سنة ، كأن وجهه كوكب دري ، في خده الأيمن خال اسود ، عليه عباءتان قطوانيتان ، كأنه من رجال بني إسرائيل ، يملك عشرين سنة ، يستخرج الكنوز و يفتح مدائن الشرك .) (63) .
حدثنا نعيم قال : ثنا رشدين عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا ملك العتيقان عتيق العرب وعتيق الروم كانت على أيديهما الملاحم ) (64).
والمقصود بالعتيقان أي أصحاب الملك القديم ، فأما عتيق الروم فهم آل هرقل ، وأما عتيق العرب ، فهو ( اليماني ) ذلك بأنه بعد مؤامرة السقيفة واستيلاء كفار قريش على ملك رسول الله صلى الله عليه وآله ، تم استبعاد اليمانيين من التبابعة من ذرية سيف بن ذي يزن من أهل اليمن وعزلهم عن كل مراكز السلطة أو قيادة الجيوش وغيرها من أمور الحل والعقد منذ ذلك الوقت والى اليوم ، والى ظهور (اليماني ) ، وبالمقابل تم تقريب المضريين من أهل اليمن والقريشيين ، ذلك لان اليمانيين كانوا يميلون إلى رسول الله وأهل بيته عليهم السلام ، وكانوا يحبون و يتولون الإمام على بن أبي طالب عليه السلام والأئمة من بعده ، وفي رد الكرّة ، يرد الله الكرّة لليمانيين على من نزع المُلك منهم ، وقائدهم ( اليماني ) أهدى الرايات المناصرة للإمام المهدي عليه السلام .
إلا انه من غير الواضح أين يملك هذا الملك من آل هرقل إن كان في واشنطن أو في روما أو في لندن ، ويحتمل أن تكون كلا الأطروحتين واقعة و كلا في صاحبها ، أي ابن الرئيس السابق على حالها ، و الرجل من آل هرقل على حاله ، ذلك بان الرجل من آل هرقل يبدو من الرواية أن مُلكه يكون في فترة متقاربة من فترة مُلك ( عتيق العرب ـ اليماني ) ، وهي لا تنطبق على بوش ، ورغم أن الحروب الواقعة في العراق على يد بوش الأب و بوش الابن هي من الملاحم ـ حيث قُتل أكثر من مليون و اربعمئة ألف عراقي حتى أواخر عام 2007 ـ إلا أن ما نرجحه هو أن الملاحم المشار إليها هي تحديدا ، الملحمة العظمى ( ملحمة الفتح ) والتي نحن بانتظارها ، والرجل من آل هرقل سيأتي بعد بوش ، والله العالم .
و حريّ بنا ان نذكر شيء عن ملوك الروم من أل هرقل ومعرفتهم وحكمتهم ، وتمييزهم لكلام الانبياء حيث ذكر اليعقوبي في تاريخه :
( وكتب ملك الروم إلى عبد الملك يتوعده ، فضاق عليه الجواب ، فكتب إلى الحجّاج ، وهو إذ ذاك على الحجاز : أن ابعث إلى علي بن الحسين فتوعده وتهدده وأغلظ له ، ثم انظر ماذا يجيبك ، فاكتب به إلي ! ففعل الحجاج ذلك ، فقال له علي بن الحسين : إن لله في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة ، وأرجو أن يكفينك في أول لحظة من لحظاته . وكتب بذلك إلى عبد الملك ، فكتب به إلى صاحب الروم كتابا ، فلما قرأه قال : ليس هذا من كلامه ، هذا من كلام عترة نبوته .) (65)
أما منزلة الشهداء في الملحمة ، الذين يقاتلون الطاغوت ، فقد ورد فيهم الحديث المسند: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خير قتلى قتلت تحت ظل السماء مذ خلق الله تعالى خلقه أولهم هابيل الذي قتله قابيل اللعين ظلما ، ثم قتل الأنبياء الذين قتلهم أممهم المبعوثة إليهم حين قالوا ربنا الله ودعوا إليه ، ثم مؤمن آل فرعون ثم صاحب ياسين ، ثم حمزة بن عبد المطلب ، ثم قتلى بدر ثم قتلى أحد ثم قتلى الحديبية ثم قتلى الأحزاب ثم قتلى حنين ثم ، قتلى تكون من بعدي تقتلهم خوارج مارقة فاجرة ، ثم أرجع يدك إلى ما شاء الله لمن المجاهدين في سبيله ، حتى تكون ملحمة الروم ، قتلاهم كقتلى بدر، ثم تكون ملحمة الترك فقتلاهم كقتلى يوم الأحزاب ، ثم ملحمة الملاحم قتلاهم كقتلى يوم حنين ، ثم لا يكون بعد ذلك ملحمة في الإسلام لأهلها فيها إلى يوم ينفخ في الصور .) (66)
والى الملحمة الكبرى ، وما وعد الله فليرتقب المرتقبون ، قال تعالى (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا ) (67)

أمم الملحمة :
بدأنا هذا الكتاب بعرض و تقديم تاريخي للأمم التي بقيت على ظهر البسيطة بعد الطوفان ، وكما تبين لنا في الجزء الثالث ، إن بعض هذه الأمم أهلكت ، كما قصّ القرآن الكريم قصصهم ، وهم بعض الفروع من أولاد سام الذين يسمونهم تاريخيا العرب العاربة ، وهم عاد وثمود وعملاق وطسم وجديس و أرم و جرهم ومدين وغيرهم ، ومنهم من أولاد حام من الفراعنة و أصحاب الفيل( أولاد حبش ) وغيرهم ، ومنهم من بني يافث كأصحاب الرس ، و توعّد الله سبحانه و تعالى الأمم العاصية الباقية منهم بموعد جعله لهم يهلكهم فيه وهو يوم أو وقت الملحمة، قال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ) (68).
ومن كمال البحث أن نعود لما بدءنا به كما وعدنا لنستعرض بعض هذه الأمم و أصولهم ، وكيف استعرضهم القرآن الكريم ؟ و كيف أشار إليهم بوضوح لا لبس فيه لمن يتمعّن و يتدبر آيات القرآن الكريم ، و من قصر عن ذلك فالأحاديث النبوية الشريفة و خطب أمير المؤمنين و الأوصياء من بعده عليهم السلام جميعا فيها التفصيل و التوضيح لطالب المعرفة .
ولا بأس أن نشير و نكرر ما اشرنا إليه سابقا مع توسع و إضافات لما مر علينا في موضوع الأمر الإلهي ، منها :
1 ـ إن قوله تعالى (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) (69)
من الواضح أن القرآن الكريم في هذه السورة الكريمة تحدث عما جرى من دعوة نوح(ع) لقومه ، وما كان ردهم عليه ، ثم ما جرى بينهم من حوار وجدل ، حتى تحدّوه أن يأتيهم بما ينذرهم به من بأس الله ، فجاءتهم الآيات ، ثم مجيء الأمر الإلهي ( فلما جاء أمرنا ) ، وكذلك حصل حسب السورة نفس الحوار و الجدل بين هود(ع) و قومه، وكذبوا بدعوته وتحدّوه أن يأتيهم بما يعدهم ( فاتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ) ، ثم جاءت الآيات ثُم جاء أمر الله( فلما جاء أمرنا ) ، وكذلك الأمر مع قوم صالح(ع) ، ثم قوم لوط(ع) ، ثم فرعون وملأه ، عندها قال تعالى ( وكذلك اخذ ربك القرى وهي ظالمة إن أخذه اليم شديد ) ، أي بمعنى هذه هي الطريقة وهذا هو الأسلوب وهذه هي الأسلحة الإلهية وهذه هي السنّة الإلهية التي سيأخذ بها القرى و الدول الظالمة منكم ، بعدها قال تعالى (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ) .
و الواضح انه عندما قصّ الله تعالى من أنباء هذه الأمم ، فكلها كانت من الحصيد ، أي الأمم التي أهلكت بعذاب الاستئصال ، وليس بينها مما هو قائم ، أي الأمم الحاضرة الموجودة عند نزول القرآن ، ولكن المعنى أن التنزيل و القصص في أولئك الذين ذُكروا ، و التأويل في الأمم القائمة و الحاضرة عند نزول القرآن الكريم ، وهي التي سيحل بها ما حل بأولئك . فإنهم أبناؤهم و ذرياتهم و رضوا بإعمالهم ، بل سلكوا سبيلهم .
أي : انه تعالى يذكر الحصيد ، و يشير به إلى القائم ، أي الحاضر .
عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال :
( نزل القرآن بـ ( إياك أعني واسمعي يا جارة . ) (70)
2 ـ ان القرآن الكريم ليس كتاب مذكرات ، ولا أقاصيص تاريخية و حكايات عمن مضى ، بل ان كل آية فيه جارية ما قامت الدنيا ، يتضح هذا المعنى من هذه الرواية عن الإمام الباقر (ع) قال :
( إن القرآن نزل أثلاث ، فثلث فينا ، و ثلث في عدونا ، و ثلث في الفرائض و الأحكام ، ولو أن آية نزلت في قوم ثم ماتوا أولئك ماتت الآية ! إذن ما بقي من القرآن شيء ، إن القرآن يجري من أوله إلى آخره ، وآخره إلى أوله ما قامت السماوات والأرض ، فلكل قوم آية يتلونها .) (71 )
أي ان ما يعنيه الإمام الباقر(ع) وهو ما نفهمه نحن أيضا بشكل واضح هو:
* إن أصحاب الأخدود في سورة البروج ( قُتل أصحاب الأخدود) ، هم غير أولئك الذين يذكرهم التاريخ ، على أنهم ( خد في اليمن ، و خد بالشام ، و خد في بابل ) كما يذكر المفسرون ، بل وأكثر ما ترمي إليه السورة الشريفة هم أصحاب الأخدود في آخر الزمان قبل ظهور الإمام المهدي(ع) ، ومنها أخدود طاغية العراق ( صدام ) و المقابر الجماعية التي خدها لشيعة أهل البيت(ع) و أوقدها بالنار ذات الوقود من المتفجرات ،و الألغام التي كانوا يضعونها في جيوب ثياب المؤمنين و يفجرونها عن بُعد و يدفنوهم جرحى و أحياء و أموات، و الاطلاقات النارية أيضا نار ذات وقود ، و العن منه أخدود دعاة الأموية ، ألزرقاوي وأصحابه وعموم تنظيم القاعدة ، ومن اخاديدهم ( المبازل و الأنهار) التي امتلأت بجثث الضحايا الأبرياء الذين يُقتلون غدرا لكونم شيعة لأهل البيت (ع) ، والنار ذات الوقود: العبوات الناسفة و السيارات المفخخة التي يفجرونها على شيعة أهل البيت (ع) ، ( وما نقموا منهم إلا أن آمنوا بالله العزيز الحميد ) البروج
* و كذلك فان أصحاب الفيل ( الم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) الفيل، فليس الآية مقصورة على الأحباش الذين يذكرهم التاريخ ، بل هم الأحباش و غيرهم من بني حام الذين سيقصدون الحرم و الكعبة الشريفة في الملحمة قبل ظهور الإمام المهدي (ع) بقليل كما ذكرهم الإمام علي (ع) في الخطبة وقال : معهم الفيل و الكركدن،(72) ، و الفيل هنا هو الآليات العسكرية العملاقة كالدبابات و المدرعات وغيرها ، وقوله (ع) : ( استكثروا من الطواف بهذا البيت فكأني بحبشي أصلع بيده معول يهدم أحجار الكعبة.) (73) ، وفيما ذكره زكريا في كتاب الفتن عن سويد قال : " سمعت عليا (ع) يقول حجوا قبل أن لا تحجوا ، فكأني انظر إلى حبشي اصمع اقرع بيده معول يهدمها حجرا حجرا ، فقلت له : رأيك تقول أو شيئا سمعته من رسول الله (ص) ؟ قال : والذي فلق الحبة و برا النسمة ما قلته برأي ولكن سمعته من نبيكم (ص) . (74)
عن مسعدة بن زياد قال : حدثني جعفر بن محمد ، عن آبائه ( عليهم السلام ) إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : تاركوا الحبشة ما تركوكم ، فوالذي نفسي بيده لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو شريعتين ) (75) .
وكذلك فرعون ذو الأوتاد ، فما أكثر أوتاد فراعنة آخر الزمان ، وأوتاد ما قبل الظهور هي المشانق ، وأحيانا أوتاد يربطون عليها المؤمنين ويطلقون عليهم الرصاص، مثل النخيل وأعمدة الكهرباء و أشباهها ، وكان لصدام السهم الأكبر في نصبها للمؤمنين .
أما الأقوام الأخرى الذين ذكرتهم السورة في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي* وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (76) ، فان أقوام من أبنائهم حلّوا محلهم و يقومون الآن بما قام به أسلافهم ، و أشار إليهم الإمام علي (ع) في الخطبة التي قدمناها وقال فيها (.... وتمادت المبنيات في الحجاز ) و قلنا هي إشارة إلى المشاريع السياحية و العقارية الهائلة التي تقام الآن في كثير من دول الخليج و منها بالخصوص في محل إقامة أولاد أرم ، و ثمود ، و مشاريعهم العقارية تفوق حد الوصف ، و الثروات التي رصدت لها خيالية جداً تجاوزت آلاف المليارات من الدولارات الأمريكية للمشروع الواحد ، بعد ارتفاع أسعار النفط بشكل خيالي ، وفي رواية أن أمير المؤمنين (ع) نهى عن الدعاء عليها بالخراب ، وقال إنها ستكون ملك للقائم المهدي(ع) و أصحابه .
* وكذلك قوله تعالى (الم*غُلِبَتْ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ*فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ*بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ ) (77) . فتأويلها في الملحمة ، و سنتناولها لاحقا في الجزء الخامس إن شاء الله .
* وكذلك كل الأمم التي ذكرها القرآن الكريم ، على السبيل نفسه .
وهذا قول الإمام الباقر عليه السلام ، عن الفضيل بن يسار قال :
سألت أبا جعفر ( عليه السلام ) عن هذه الرواية " ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن وما فيه حرف إلا وله حد ، ولكل حد مطلع " ما يعني بقوله لها ظهر وبطن ؟ ، قال : ظهره تنزيله وبطنه تأويله منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد ، يجري كما يجري الشمس والقمر كلما جاء منه شئ وقع ، قال الله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والر سخون في العلم ) * نحن نعلمه .) (78)

بعد تقديم هذه الصورة مما أشار إليه كتاب الله الخالد الناطق أبدا ما قامت الدنيا، نعود إلى التاريخ لتقديم بيان مختصر عن أمم الملحمة مما بدأنا به في أول الكتاب .
1 ـ الروم : اختلفت الروايات في أصل الروم ، أما رسول الله صلى الله عليه وآله فسماهم ( بني الأصفر ) كما مر في حديث حذيفة بن اليمان ، و أما الدينوري ، فنسبهم إلى أولاد يافث ، وأما المسعودي ، فكان أكثر تفصيلا . فحديث رسول الله (ص) لم تتبين منه أصل التسمية ، ومن هو بالتحديد ( الأصفر ) و بالطبع بعد هذا الحديث اشتهر عن الروم أنهم بني الأصفر .
وقال ابن كثير :( بن رومي بن الأصفر بن يقز بن العيص بن إسحق بن إبراهيم الخليل ، كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في تاريخه : بن رومى بن الأصفر بن أليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ) (79).
أما ابن مسعود فقسمهم قسمين ، الروم الأولى ، والروم الثانية ، فالروم الأولى هم اليونانيون أولاد يونان بن يافث ، وأما الروم الثانية فهم أولاد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم(ع) ، فان عيصو اخو النبي يعقوب (ع) هرب إلى الروم وأقام معهم حتى مات و دفن في أرضهم وكثر أولاده هناك ، وهم الروم الثانية ، وقال في اليونانيين ( كانت الأندلس و الإسكندرية ومن جاورهم من الأمم يدينون بطاعتهم إلى أن غلب عليهم رومي بن ديقطون من ولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم (ع) ) . اما اليعقوبي فقال ( ثم صار الملك من بعد اليونانيين ، أولاد يونان بن يافث بن نوح ، إلى الروم ، وهم ولد روم بن سماحير بن هوبا بن علقا بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ، فغلبوا على البلد ، وتكلموا بلغة القوم ، وانتسبوا إلى الرومية ، ودرست اليونانية إلا ما بقي في أيدي هؤلاء من فضل حكمهم ، وكان أول من ملك من الروم بعد اليونانيين فهاساطق ، وهو جاليوس الأصغر ، ابن روم ، وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة . ) (80)
ويمكن أن يكون حديث الإمام علي الهادي (ع) الذي قدمناه في الجزء الأول عمّا جرى في السفينة ، حيث قال (ع) : ( وأما أولاد سام (ع) فهم البيض حيث ما كانوا ) (81) ، يجعل قول المسعودي هو الصحيح ، والله العالم .
أما عن رسول الله (ص) فسماهم بني الأصفر ، و بني اسحق، وهو القول الفصل .وبالطبع يتبين من تفصيل باقي الأمم أن المقصود بالروم ليس فقط ايطاليا، ولا عموم أوربا ، ولا كل الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لأنها أمم متعددة ، فأما الولايات المتحدة الأمريكية ، فقد سماها الإمام علي (ع) " بلد الأخلاط و الأمشاج " لأنهم خليط من أمم شتى ، واليهم الإشارة في الخطبة ( إذا كثر الأخلاط ) .
2 ـ الإفرنج ، قال المسعودي : ( وأما الإفرنج فهم أيضا من ولد يافث ، ومملكتهم واسعة كبيرة ،يجمعها ملك واحد ، و مدينتهم الكبرى يقال لها داريوه ، و هم أيضا نصارى ، وأكثر اعتداءاتهم على الصقالبة ، وهم يحاربون الروم و الاهتردة .) وهكذا كان حال فرنسا .
3 ـ الأندلس : وهم أيضا من ولد يافث ، وقال المسعودي : ( الأندلس أربع و عشرون مدينة يملكهم ملك واحد ، ولهم في هياكلهم أصنام الكواكب ، ثم انصرفوا عن ذلك و تنصروا ، وكانت لهم معرفة و حكم ). ولعل الأندلس لا تقتصر على اسبانيا الحالية وحدها و ربما تشمل بعض الفرانكفونية أيضا .
4 ـ الصقالبة : وهم أولاد صقلاب بن يافث ، قال المسعودي : ( وهم عدة أمم ، منهم النصارى ، ومنهم يقولون بالمجوسية ، ولهم بحر حلو يجري من ناحية الشمال إلى الجنوب ، وبحر آخر يجري من المشرق إلى المغرب حتى يتصل ببحر آخر يجيء من ناحية البلغار ، وهم كلهم في الشمال ، وما جاوزهم لا يسكن لبرده و كثرة زلازله، ومنهم امة بين الصقالبة و الإفرنج ، ولهم عقول و صناعات لطيفة من كل فن . ) وعلى ما يبدو من وصف المسعودي أن المقصود بهم الدول الاسكندينافية .
5 ـ أما الأمم الأخرى التي ذكرت فهم منسك و كماري و تارس ، وكلهم أولاد يافث ، وهم على ما يبدو بقية أمم أوربا الغربية ، ويبين منها أسباب صراعات أوربا في العصور القديمة ، أما أوربا الشرقية فغالبيتها العظمى هم أمم الترك، باستثناء البلطيق على ما يبدو.
6 ـ أما دون هؤلاء فيأتي البرجمان والأرمن ( أولاد ارمين ) و الخزر ، وكلهم أولاد يافث بن نوح (ع) ومنهم الديلم ، ومن أذربيجان انطلاق ( الحسني الموعود ) القائد المناصر للإمام المهدي (ع) .
7 ـ أما الصين : فهم أولاد عامر بن يافث بن نوح(ع) ، وقال المسعودي : (وكان زعيمهم عمد إلى مراكب على حكاية سفينة جده نوح (ع) ، و ملك بعده ابنه " صاني " و به سمي الصين ، وهم حكماء )، ويبين من تفصيل المسعودي ، إن الأجناس الصينية صنفين ، فمنهم من أولاد يحطون بن نوح (ع) وهم الصين الأقصى ، و البقية منهم أولاد يافث بن نوح (ع) ، وعلى هذا يكون أولاد يحطون هم الذين قنعوا بما قسم الله لهم ، و أقاموا في أرضهم ، وعلى وصف الإمام الصادق (ع) لقوم المشرق الذي تقدم ، فان أنصار الإمام المهدي (ع) ، الذين يطلبون الحق فلا يعطون فيحملون سيوفهم على عواتقهم ... فهم هؤلاء ، والله العالم ، أما الصنف الأعظم ، فهم أولاد يافث ، و منهم التتار المغول ، ومنهم الدول التي شاركت في غزو العراق ( السلفادور و تايلاند وكوستاريكا و الفلبين و غيرهم ) ، وهؤلاء و الترك هم من ام واحدة وهي قنطورة .
8 ـ يأجوج و مأجوج : وهم من أولاد يافث حسب قول الإمام علي الهادي (ع) و قول المسعودي ، وقال المسعودي : ( سمى أصحاب التاريخ يأجوج و مأجوج أربعين امة مختلفي الخلق و القدود، في كل امة منها ملك ولهم زى و لغة ، فمنهم طوله الشبر و الشبران و أطول من ذلك، ومنهم المشوهون ،ومن يفترش إحدى أذنيه ويتغطى بالأخرى ، ومن له ذنب و قرن و أنياب بارزة، و منهم من مشيه وثب ، و يأكلون الحيتان و الناس و الخشخاش و الطير كله و الرخم و الحدأة ، و بعضهم يغير على بعض ، ومنهم من لا يتكلم إلا همهمة، وفيهم شدة وباس، وكانوا يغيرون على الأمم التي تليهم و يخربون بلدانهم، حتى عمل ذو القرنين السد ، وهم يستفتحونه آخر الزمان كما قال الله عز و جل ، وربما أكل بعضهم بعضا، و الزلازل عندهم كثيرة، وذكر أن عندهم أمم تعرف المناسك ، و سئل النبي (ص) عن يأجوج و مأجوج ، هل بلغتهم دعوتك ؟ فقال : جزت ليلة اُسري بي عليهم فدعوتهم فلم يستجيبوا . ) (82)
وفي الواقع إن جهل البعض لحقائق التاريخ ورغبتهم في دس أنوفهم في كل الأمور جعل من ظهور أطروحات غريبة عن الواقع في زمننا المعاصر حول آيات وعلامات الظهور أمر شائع وربما مستساغ من قبل أوساط أنصاف المثقفين ، ومن هذه الأطروحات ما يختص بيأجوج و مأجوج . ولعل أكثر هذه الأطروحات مجافاة للحقيقة ، هي ما جاء به كتاب ( الطور المدوي) ، حيث جعل من يأجوج و مأجوج مخلوقات فضائية ستهاجم الأرض، على طريقة الأفلام الكارتونية ( كرين دايزر)، أو على غرار أفلام الخيال العلمي ، التي تحاول صرف أنظار العالم عن الأخطار الحقيقية التي تتهددها و تحويلها نحو الفضاء ، وجعل من الردم الذي أقامه ذي القرنين أسطورة مغناطيسية فضائية تربط بين كوكبين ، وسخافات من هذا القبيل ، وبالطبع فان كل ما جاء به الباحث في هذا الخصوص من التصورات ، و الاستقراءات لبعض معاني الآيات القرآنية التي جاءت في سورة الكهف (السبب ، و الأسباب ) ، فالموضوع برمته هو مسروق من بحث قدمه باحث مغمور في أوساطنا الثقافية ، هو الدكتور عبد الستار الرجبو ، أستاذ في جامعة الموصل عام 1995 م ، في كتابه ( رحلة ذي القرنين بين الحقيقة و الخيال ) والرجل مخطئ استنادا لما يقوله الإمام علي الهادي (ع).
أما الحقائق التاريخية و الأخبار النبوية الشريفة ، كما ورد في الرواية السابقة عن الإمام علي الهادي (ع) ، فان يأجوج و مأجوج هم من ذرية يافث ، ولكنهم ممسوخون من اثر دعاء نوح(ع) على العاقين من أولاده ، وأما الردم الذي بناه عليهم ، فان أبناء يافث الآخرين الذين اشتكوا من يأجوج و مأجوج اقترحوا بناء سور يمنع هؤلاء المفسدين من الاعتداء عليهم ، ولكن ذو القرنين لم يأمن أن يتسوروا السد أو السور ويعبروا إليهم ، فألهمه الله سبحانه و تعالى إغلاق منافذ المغارات أو الكهوف العظيمة التي على ما يبدوا أنهم كانوا يسكنوها ، و سيجعلها الله دكا في آخرالزمان .
لقد بنى الدكتور عبد الستار الرجبو نظريته ـ التي تبناها صاحب الطور المهدوي ـ على افتراض يعتقد بأنه حق ، وهو قوله ( إن الأرض كلها كشفت ولم يعثر على ما يدل على وجود مخلوقات بهذا الوصف ) ومن هنا بدأ يفترض أن هذه الأقوام يمكن أن تكون في كواكب أخرى وجدها ذو القرنين في رحلته ، ولا نريد أن نعلق كثيرا على أطروحته لعدم وجود أي دليل على تكليف رسول أو نبي لدعوة أهل الكواكب الأخرى إلى شريعته ، والاهم من ذلك ، فان افتراض أن الأرض كشفت ، فهناك ما يدل على أعجب واغرب من أمر يأجوج ومأجوج ، وحسب الاعتقاد السائد بان الأقمار الاصطناعية صورت كل بقعة في الأرض وما فيها وما عليها ، فننقل هذه الرواية عن الإمام الصادق (ع) وعداها لأمير المؤمنين (ع) بما هو أكثر تفصيل .
قال الإمام الصادق (ع) : (... إن لله عز وجل مدينتين مدينة بالمشرق ومدينة بالمغرب فيهما قوم لا يعرفون إبليس ولا يعلمون بخلق إبليس نلقاهم في كل حين فيسألونا عما يحتاجون إليه ويسألونا عن الدعاء فنعلمهم ويسألونا عن قائمنا متى يظهر، و فيهم عبادة واجتهاد شديد ، ولمدينتهم أبواب مابين المصراع إلى المصراع مائة فرسخ ، لهم تقديس وتمجيد ودعاء واجتهاد شديد لو رأيتموهم لاحتقرتم عملكم ، يصلي الرجل منهم شهرا لا يرفع رأسه من سجدته ، طعامهم التسبيح ولباسهم الورع ووجوههم مشرقة بالنور وإذا رأوا منا واحد احتوشوه واجتمعوا إليه واخذوا من أثره من الأرض يتبركون به ، لهم دوي إذا صلوا كأشد من دوي الريح العاصف ، منهم جماعة لم يضعوا السلاح منذ كانوا ينتظرون قائمنا يدعون الله عز وجل أن يريهم إياه ، وعمر احدهم ألف سنة، إذا رأيتهم رأيت الخشوع والاستكانة وطلب ما يقربهم إلى الله عز وجل، إذا احتبسنا عنهم ظنوا ذلك من سخط ، يتعاهدون أوقاتنا التي نأتيهم فيها فلا يسأمون ولا يفترون ، يتلون كتاب الله عز وجل كما علمناهم وان ما فيما نعلمهم ما لو تلى على الناس لكفروا به ولأنكروه ، يسألونا عن الشئ إذا ورد عليهم من القرآن لا يعرفونه ، فإذا أخبرناهم به انشرحت صدورهم لما يستمعون منا وسألوا لنا البقاء وان لا يفقدونا، ويعلمون أن المنة من الله عليهم فيما نعلمهم عظيمة ، ولهم خرجة مع الإمام إذا قام يسبقون فيها أصحاب السلاح ، ويدعون الله عز وجل أن يجعلهم ممن ينتصر بهم لدينه ، فهم كهول وشبان إذا رأى شاب منهم الكهل جلس بين يديه جلسة العبد لا يقوم حتى يأمره ، لهم طريق اعلم به من الخلق إلى حيث يريد الإمام " ع " فإذا أمرهم الإمام بأمر قاموا إليه ابد حتى يكون هو الذي يأمرهم بغيره ، لو أنهم وردوا على مابين المشرق والمغرب من خلق لا فنوهم في ساعة واحدة ، لا يختل فيهم الحديد ، لهم سيوف من حديد غير هذا الحديد ، لو ضرب احد بسيفه جبلا لقده حتى يفصله ، ويغزو بهم الإمام " ع " الهند والديلم والكرد والروم وبربر وفارس وبين جابرسا إلى جابلقا، وهما مدينتان واحدة بالمشرق وواحدة بالمغرب لا يأتون على أهل دين إلا دعوهم إلى الله عز وجل وإلى الإسلام والإقرار بمحمد صلى الله عليه وآله والتوحيد وولايتنا أهل البيت ، فمن أجاب منهم ودخل في الإسلام تركوه وأمروا عليه أميرا منهم ، ومن لم يجب ولم يقر بمحمد ولم يقر بالإسلام ولم يسلم قتلوه حتى لا يبقى بين المشرق والمغرب وما دون الجبل احد إلا آمن. ) (83) .
أقول : فلتبحث وترصد كل الأقمار الاصطناعية ، ومخابرات كل الدول العظمى عن هؤلاء القوم وهاتين المدينتين، وليجدوهم إن كانوا فاعلين ، فان تقل إن هذه الأخبار كاذبة ، نقول قوله تعالى (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) (84) .
9 ـ الفرس : اختلفت الأخبار في نسب الفرس بل و ربما خراسان أيضا ، فحين ذكرهم المسعودي بأنهم أبناء يافث بن نوح(ع) ذكر في نفس الوقت إنكارهم لذلك ، وإنكارهم لأي صلة بنوح (ع) وبأنهم أبناء الملك فريدون الأول وأنهم لا علم لهم بالطوفان ، وهو أمر استخف به المسعودي وأكد بأنهم أبناء يافث ، بينما نسبهم الدينوري إلى سام (ع) وأما رواية الإمام علي الهادي (ع) فإنها لم تخصهم بالذكر في النسب ، ولكنها ضمنا تقول أنهم من بني سام ، لكونهم من البيض .
و اخرج ابن أبي حاتم هو و الحاكم عن أبي هريرة رفعه قال : ( ولد لنوح سام و حام و يافث ، فولد لسام العرب و فارس و الروم ) (85) و يكون محصلة الترجيح أنهم من بني سام ، و سنبحث في الجزء الخامس أسرار التنافس بين الفرس و الروم على العرب .
وعلى أية حال فان مما يبين من الروايات وتفسيرها للقرآن الكريم فإننا نفهم منها : إن الكرّة في قوله تعالى ( ثم رددنا لكم الكرّة عليهم ) الإسراء ، نفهم بان الكرّة شاملة لكل شيء على كل شيء حتى يكون أسفل كل شيء أعلاه، وأعلى كل شيء أسفله ، و يتحرر كل قوم من الذين يتسلطون عليهم أو يستعبدونهم ، وخاتمة الكرّة ، هي الكرّة لأهل بيت النبوة عليهم السلام على الذين نزعوا الملك منهم ، وهم بنو أمية خاصة ( السفياني ) وقريش عامة . إلا أن ذلك يسبقه كرّات لا تحصى ، منها ما يحصل في إيران من الكرّة بفعل الغزو الأمريكي ( أو بني قنطورة ) فيتحرر من تسلط الفرس كل الأقوام الذين هم تحت ولايتهم , سواء الخراسانيين ، أو الطالقان ، أو عرب الأهواز وغيرها كما يبين مما قدمنا من خطبة البيان و تطنجية ، بحيث لا يكون في نهاية الأمر أي سلطة في الأرض ممن يتبقى من أهل الأرض، إلا سلطة واحدة يخضع لها الجميع وهو الإمام المهدي (عج) ، ولذلك ، فأننا ننظر لكل ما يخطط له أهل الملحمة على انه مر القضاء لامحيص عنه ، وان عاقبته خير مهما شعرنا بالأسف على وقوعه قبل بيان الأمر، أي انه من تدبير الله سبحانه وتعالى لدولة الوعد الإلهي التي ينتظرها المؤمنون منذ آلاف السنين ، ومع كل ذلك فان لإيران دور مهم في الملحمة وفي الظهور المبارك ، وسنتناول هذا الموضوع بشكل أوسع في سورة الروم في الجزء الخامس إن شاء الله .
10 ـ الترك : وقد تقديم الحديث عنهم فيما ذكره ابن أبي الحديد ، والمسعودي والدينوري ، وذكر أممهم الكثيرة ، وكما قال ( اكبر أمم الترك هم الروس) ، ثم اليتبة والغرغر والبلغار...الخ . ولكن في كنز العمال حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام يقول : عن علي عليه السلام ، انه سئل عن الترك ؟ فقال :
هم سيارة ، ليس لهم أصل هم من يأجوج ومأجوج لكنهم خرجوا يغيرون على الناس فجاء ذو القرنين فسد بينهم وبين قومهم ، فذهبوا سيارة في الأرض ) (86)
11 ـ الأكراد : وأما الأكراد فأمرهم غريب غاية الغرابة ، وسنورد بعض الروايات بشأنهم :
* سأل أبو الربيع الشامي ، الصادق ( ع ) فقلت إن عندنا قوما من الأكراد وأنهم لا يزالون يجيئون بالبيع فنخالطهم ونبايعهم فقال : " يا أبا الربيع لا تخالطوهم فإن الأكراد حى من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء فلا تخالطوهم ، وقال الصادق (ع ) لا تخالطوا ولا تعاملوا إلا من نشاء في الخير " . (87)
* - علي بن إبراهيم ، عن إسماعيل بن محمد المكي ، عن علي بن الحسين ، عن عمرو بن عثمان ، عن الحسين بن خالد ، عمن ذكره ، عن أبي الربيع الشامي قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : لا تشتر من السودان أحدا فإن كان لابد فمن النوبة ، فإنهم من الذين قال الله عز وجل : ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ) ، أما إنهم سيذكرون ذلك الحظ وسيخرج مع القائم منا ( عليه السلام ) عصابة منهم ، ولا تنكحوا من الأكراد أحدا فإنهم جنس من الجن كشف عنهم الغطاء . (88)
وعنه ، عن أحمد بن أبي عبد الله وغيره أنه كتب إليه يسأله عن الأكراد فكتب إليه : " لا تنبهوهم إلا بحد السيف " . (89)
وما دمنا جئنا على ذكر الأكراد ، فلابد من تناول شأنهم مابين الروايات و مابين الواقع السياسي الحالي ، حيث ان التطورات السياسية الخطيرة في العراق أدت إلى تحالفات مشبوهة خطيرة فيما بين الحزبين الإسلاميين الشيعيين ( الدعوة ، والمجلس الأعلى ) وبين الأكراد ، حيث ورد في الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله بشأن الاكراد مايلي :
ففي فتح الباري : (وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق مروان بن معاوية وغيره عن إسماعيل وقال فيه أيضا وهم هذا البارز وأخرجه أبو نعيم من طريق إبراهيم بن بشار عن سفيان وقال في آخره قال أبو هريرة وهم هذا البارز يعني الأكراد وقال غيره البارز الديلم لان كلا منهما يسكنون في براز من الأرض أو الجبال وهي بارزة عن وجه الأرض ) (90)
وفي تفسير ابن كثير: (وقال ابن أبي حاتم حدثنا الاشج حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القواريري عن معمر عن الزهري في قوله تعالى " ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد " قال : لم يأت أولئك بعد ، وحدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن ابن أبي خالد عن أبيه عن أبي هريرة في قوله تعالى " ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد " قال: " هم البارزون " ، و حدثنا ابن أبي خالد عن أبيه قال نزل علينا أبو هريرة ففسر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " تقاتلوا قوما نعالهم الشعر " قال هم البارزون يعني الأكراد ، وقوله تعالى " تقاتلونهم أو يسلمون " يعني شرع لكم جهادهم وقتالهم فلا يزال ذلك مستمرا عليهم ولكم النصرة عليهم أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار ثم قال عز وجل " فإن تطيعوا " أي تستجيبوا وتنفروا في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه " يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل " يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم " يعذبكم عذابا أليما " . ) (91) .
اقول : ويدل الواقع الحالي على أن مما جاء في النص في كل من السندين السابقين ، بان ( البارزون : يعني الأكراد ) ، هو إشارة إلى قبيلة البارزان واليها ينسب البارزاني ، وهم المسيطر الأكبر على شؤون الأكراد اليوم والمحرك الأكبر للفتن في شمال العراق قديما وحديثا ، وقوات البيشمركة التي قاتلت في النجف إلى جانب "الأحزاب" هم من البارزانيين ، وإنما محاولة تفسير النص المرفوع عن طريق أبي هريرة بان ( البارزون ، و البارز : من البراز والظهور) ، هو تفسير غير موفق من الشارح .
وقد ورد سابقا في موضوع ( المنافقون والقتال) روايات في قوله تعالى (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) أنهم الروم ، وهنا أنهم الأكراد ، وأيضا أنهم الترك ، والحاصل بالنتيجة ، أنهم أصحاب الملحمة جميعا ، والأكراد يقاتلون مع الروم في الملحمة ، وهم حلفاؤهم اليوم أيضا كما هو المعلوم . لذا سنورد بعض الروايات عن تحالف الروم والأكراد.
قال ابن ابي الحديد في شرح النهج ( فلما رحلوا عن إربيل ، عاد العسكر البغدادي إلى بغداد ، وكانت للتتار بعد ذلك نهضات وسرايا كثيرة إلى بلاد الشام ، قتلوا ونهبوا وسبوا فيها حتى انتهت خيولهم إلى حلب ، فأوقعوا بها ، وصانعهم عنها أهلها وسلطانها ، ثم عمدوا إلى بلاد كى خسرو صاحب الروم ، وذلك بعد أن هلك جرماغون وقام عوضه المعروف ببابا يسيجو ، وكان قد جمع لهم ملك الروم قضه وقضيضه ، وجيشه ولفيفه واستكثر من الأكراد العتمرية ، ومن عساكر الشام وجند حلب ، فيقال : إنه جمع مائة ألف فارس وراجل ، فلقيه التتار في عشرين ألفا ، فجرت بينه وبينهم حروب شديدة قتلوا فيها مقدمته ) (92) . وهو يدل على ان التحالف بين الروم والأكراد هو من سنّة الأكراد .
وسيمر بنا قول أمير المؤمنين عليه السلام في ( يوم صيلم الاكراد ) .
ولقد لخص لنا الشيخ محيي الدين في العلائم هذه الحرب العالمية ونتائجها وأممها من روسيا وحلفائها إلى أمريكا وحلفائها بقصيدته التي منها :

ولا تزال جيـوش التـرك سائـرة حتى تحل بأرض القدس عن ساق
والترك يستنجد المصري حين يرى في جحفل الروم غدرا بعـد ميثاق
وتخرب الشام حتى لا انجـبار لها من روم و روس و إفرنج وبطراق
يا وقعة لمـلوك الأرض اجمـعها رومٌ وروس و إفرنـج وبطــراق
ويلُ الأعاجم من ويـلٍ يحـلّ بهم من وادٍ وخلٍّ من روسٍ و أعنـاق
يأخذهم السيفُ من ارض الجبال فلا يبـقى ببـغداد مـنهم فارس بـاق
......... ............. ..............


الانتـظار و المنتـظرون
جاء في العديد من الروايات و الأحاديث بان أفضل أعمال المؤمن في زمن الغيبة هو انتظار الفرج ، وكذلك في الآيات القرآنية ما يأمر و يرشد إلى الانتظار . ومن الروايات التي وردت في ذلك :
عن الإمام علي (ع) قال : ( انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله ، فان أحب الأعمال إلى الله عزّ و جلّ انتظار الفرج مادام عليه العبد المؤمن ، و المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله . ) (93).
وفي كتاب الله قال تعالى : ( إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين )
فما الذي يعنيه انتظار الفرج ولماذا هذا التشديد عليه ؟
لقد تناولت العديد من الأطروحات قديما و حديثا هذا الموضوع و أعطته الأهمية اللازمة ، ولكن كل حسب توجهاته الفكرية و ميوله النفسية و التي غالبا تلعب الظروف المحيطة دورا في تشكيل هذه الرؤية و هذه المنطلقات ، إلا أن القضية الأساسية حسب فهمنا ، إن ما جاءت به الأحاديث و الروايات كله مستمد من أوامر القرآن الكريم و عزائمه و إرشاداته . فالانتظار في مفهوم الفلسفة التي يطرحها القرآن الكريم لها معنى اشمل وأعمق من كل ما قيل في هذا الموضوع ، ولعل القرآن الكريم طرح مفهومين أو موضوعين ، وهما الانتظار ، و الترقب ، كما في الآيات :
(فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنتَظِرِينَ )
(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ )
إن الانتظار لا يكون إلا لشيء ، أو أمر ، أو أحد ، أنت معه على موعد ، وأنت تعلم انه يفي بما وعد ، وقادر على أن يفي بما وعد ، فليس كل من يعد يفي بما وعد، إلا من علمت منه الوفاء ، والاستطاعة، وهنا يكون الوعد له مدّة و أجل ، فهذا يسمى انتظار ، وأما إذا كان هذا الوعد غير محدد بأجل مسمى ، فهذا يسمى ترقب ودعوة للترقب ، كالذي يترقب الهلال في أواخر الشهر وهو غير متيقن إن كان الهلال سيظهر في هذا اليوم أو الذي يليه أو بعد الذي يليه ، ولكنه متيقن بأنه سيهل على كل حال .
وأما إذا لم يكن هناك موعد أو وعد ، إلا مما تتوقعه أنت من معرفتك بالذي تنتظره ، أو تنتظر منه ، فلا يسمى انتظار ، بل هو رجاء و أمل من مأمول ، قد كانت له سوابق في ألاحسان و الفضل ، وبناءا على ما سبق ترجوا و تأمل .
من هنا نفهم معنى الانتظار و مفهوم الانتظار و فضل الانتظار ، و تتلخص بجملتها بثلاث مضامين ، وهي : الإيمان بالغيب أولا , و التصديق بالوعد ثانيا ، و الإخلاص بالطاعة و النية و العمل ثالثا، مجللا ذلك كله بالصبر انتظارا للموعود .
وأما الترقب فيبنى على مضامين أخرى في الفضل ، أولها, الإقرار بجهل الأجل المضروب لهذا الوعد الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه و تعالى ، كما قال تعالى ( قل إن ادري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ) (94) ، و ثانيها ، التسليم بان المشيئة لله يفعل ما يشاء ، لا يُسأل عما يفعل ، فيقدم ما يشاء و يؤخر ما يشاء ، لئلا ينقطع الرجاء ، أو ينقطع الدعاء ، فهذا يجعل المؤمن المخلص يترقب دائما فضل الله سبحانه، و رحمته في أن يستجيب للدعاء بتقريب الأجل و كشف الضر و تعجيل الفرج ، و ثالثها التوجه الدائم إلى السماء و رب السماء لتوسّم و ترقب الآيات الموعودة ، يقينا من المنتظر بان الفرج لا يأتي إلا من الله ، وبان المخلوق لا حول له ولا قوّة ، ولا يملك لنفسه نفع ولا ضر .
وروي عن الإمام الصادق (ع) في قوله تعالى ( الم*ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) (95) ، انه (ع) قال : ( المتقون شيعة علي (ع) ، و الغيب هو الحجة الغائب (ع) ،وشاهد ذلك قول الله عزّ و جلّ " ويقولون لولا انزل عليه آية من ربّه* فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين " .) (96).
وروي عنه أيضا (ع) قال في قوله تعالى " يؤمنون بالغيب" ، قال ( من اقرّ بقيام القائم انه حق ) (97). من هنا نفهم إن الانتظار معناه أوسع و اشمل من الجدل الدائر حول ما يخوض به الناس من مقولات حول الانتظار مع العمل و الانتظار بلا عمل ، وغير ذلك من مقولات ساذجة و محدودة الفهم ، فان الانتظار ليس حركة أو فعل انفعالي في ظرف معين أو حدث معين ينتهي الانتظار بزواله ، بل هو إيمان كالإيمان بيوم القيامة ، فانك تعمل و تأكل و تتزوج وتبني ومع ذلك تمارس عباداتك و شعائرك ، وأنت لا تعلم إن كانت القيامة غدا أو بعد مليار سنة ، وفي كل عملك تتحسب لها و تعدّ العدّة للنجاة من مهالكها .
و كذلك الانتظار ، فانك مأمور بان تفعل ما يفعله المؤمن عادة وفي كل الأزمنة ، بفارق انك تنتظر يوم يأتي فيه الفرج من الله ، فمجرد وجود هذا الشعور و الإيمان به في ضميرك و جوارحك دون أن تكذب به يجعلك من المنتظرين الذين ذكرهم الكتاب الكريم . وأما التكذيب به فانه من اشد الكفر ، فمن كذّب بما وعد الله كذّب بما انزل الله تعالى ، بل الأدهى من ذلك هو الاستهزاء و الاستخفاف بالانتظار و المنتظرين و (الإمام الذي تنتظره الشيعة ) ، و أمثال هذه المقولات الضالة ، فهؤلاء كما قال تعالى " الله يستهزئ بهم " . أما نحن فبحمد الله و هداه فان الغيب عندنا بمنزلة المشاهدة ، فان الإمام المهدي المنتظر (عج) عندنا بمنزلة الأب المسافر لبعض الوقت ، و عطاياه و هداياه تصل إلينا أولا بأول و رعايته لنا دائمة لا تنقطع ، فهل من الناس من لا يعرف أباه !!!



عن أبي عبد الله (ع) :
( اعرف إمامك ، فإذا عرفت إمامك لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر ، و من عرف إمامه ثم مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر ، كان بمنزلة من كان قاعدا في عسكره ، لا.. بل بمنزلة من كان قاعدا تحت لوائه .) (98).
و عن الإمام الباقر (ع) : ( اعرف إمامك ، فإذا عرفته لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر ، فان الله يقول " يوم ندعوا كل أناس بإمامهم " فمن عرف إمامه كان كمن كان في فسطاط المنتظر عليه السلام . ) (99)
و مثل هذين الحديثين الكثير بالمعنى نفسه ، تدلّ على إن الانتظار معناه الإيمان بالقضية ، وان الأجر للمنتظر يقع على أساس الإيمان ، و بنفس الوقت يطمئن السابقين من المؤمنين بان أجرهم لا ينقص منه شيء سواء أدركوا الأمر أم لا ، ولكن الكثير من الأحاديث و الروايات الأخرى تبين لنا مبلغ الأهمية التي أولاها أئمة أهل البيت عليهم السلام لقضية الإمام المهدي (ع) من جهة تثقيف الناس بها ، لما اخبرهم الله سبحانه و تعالى بان الدّين الذي ارتضاه الله ، و جاء به رسول الله صلى الله عليه و آله ، لم يقع و لن يقع قبل ظهور الإمام المهدي (ع) ، و لن تذوق الأمة طعم الأنعام و البركات و الرحمة الإلهية قبل هذا الوقت ، وتجد في خطبهم و رواياتهم هذا التعلق الكبير بالقضية و الاستعداد للصبر و الانتظار الطويل لهذا الأجل ، و كأن كل ما كانوا يقومون به من النهوض بأمر الدّين ، هو من اجل يوم موعود و اجل مضروب يمنّ الله به عليهم .
ففي رواية عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال الاصبغ : أتيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فوجدّته متفكّرا ينكت في الأرض، فقلت : " يا أمير المؤمنين ، مالي أراك متفكّرا ، تنكت في الأرض ، أرغبت فيها ؟
قال : ( لا و الله ، ما رغبت فيها ، ولا في الدنيا يوما قط ، و لكن فكرت في مولود يكون من ظهري ، الحادي عشر من ولدي ، هو المهدي ، يملأها عدلا كما ملئت ظلما و جورا ، فيكون فيه حيرة و غيبة يضلّ فيها أقوام ، ويهتدي آخرون .
فقلت : يا أمير المؤمنين ، و إن هذا لكائن ؟
قال : نعم ، كما أنه مخلوق ، و أنى لك بالعلم بهذا الأمر ! يا اصبغ ، أولئك خيار هذه الأمة ، مع أبرار هذه العترة .
قلت : و ما يكون بعد ذلك ؟
قال : يفعل الله ما يشاء ، فان له إرادات ، و غايات ، و نهايات . ) (100)
فكما قدمنا العديد من الروايات التي تقول أن الإمام المهدي (ع) هو التاسع من ولد الحسين (ع) ، فهاهنا يقول أمير المؤمنين (ع) " هو الحادي عشر من ولدي " ، وان له غيبة تضل فيها أقوام و يهتدي آخرون ، فانه عليه السلام يبين لنا في هذه الرواية بقوله " كما أنه مخلوق " ، أي كما لو انه مخلوق ، فعندهم الغيب بهذا الأمر هو بمنزلة المشاهدة .
ولله الحمد على ما قدّر وقضى , ولله الحمد على كل ما أخذ وأعطى , ولله الحمد على ما يأتي وما مضى , ولله الحمد على ما أَسَمَعَ وهدى , ولله الحمد في الآخرة والأولى ..أنه هو الحميد الشكور...وصلى الله على محمد وآل محمد ما دهرت الدهور , وما كانت هنالك حياة وممات ونشور..

إنتهى الجزء الرابع بهدى الله /
أول محرم 1426هـ


التنويهات:

1- إلزام الناصب النسخة الثانية من الخطبة ج 2 ص235
2- المائدة ( 19)
3- إلزام الناصب ـ علي اليازدي ج 2 ص 241
4- علل الدارقطني ـ الدارقطني ج 5 ص 44
5- إلزام الناصب ص247
6- معاني الأخبار ص404
7- إلزام الناصب ص222 - 224
8- ص366
9- ص368
10- ص368
11-ص 368
12- ص369
13- المصدر ص370
14-شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد م2ج8 ص362-371،طبعة دار الهدى الوطنية-بيروت.
15ـ ننوه إلى أن هناك اختلاف مقداره يوم واحد بين مختلف المذاهب ، أي بين السنة والشيعة ، وأحيانا بين الشيعة أنفسهم ، فاليوم المذكور ( يوم الخميس الذي بدأت به الحرب ) عند البعض هو السابع عشر ، وعند الآخرين الثامن عشر ، ولا يستبعد أن يكون هذا الاختلاف منذ ذلك الوقت ، أي يشمل فترة الففتنة الأولى ، والثانية .
16ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي ج 3 ص 223: قال فيه :

وإن الإمام جعفر الصادق ( ض ) وضع وفقا مسدسا على عدد حرف ألف الذي هو كافي ، وكان يخرج منه علوما كالبحار الزواخر ، وإن أردت حله على الحقيقة فانظر في كتاب " شق الجيب " يظهر لك سر ذلك ، وكان لسيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي له فيه تصرف غريب . قال سيدي الشيخ أبو مدين المغربي : ما رأيت شيئا إلا رأيت شكل الباء فيه ، فلذلك كان أول البسملة ، وهي آية من كل سورة . وقال : ما من رسم يرسم إلا وله خاصية ، حتى الحية إذا مشت على التراب . وقد أودع الإمام جعفر الصادق ( ض ) في السر الأكبر من الجفر الأحمر سر كبير ، ولا ينبئك إلا مثله إمام خبير ، فان عرفت سره ووضعه وضعت الجفر جميعه ، وذكرت بعض هذه الإسرار في الفتوحات المكية . فلما أراد الله أن يثبت الحجة لآدم ( ع ) على الملائكة ، وأراد أن يعلمهم أن آدم ( ع ) أحق بالخلافة منهم (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) ، فلما نبأهم بأسمائهم ثبت العجز على الملائكة بالمسألة التي سألهم إياها وعجزوا عن علمها ، فجعل آدم خليفة لكونه أحق بالخلافة منهم لفضل علمه ، فمن وصل إلى هذه الفضيلة فقد اختصه الله - تبارك وتعالى - من بين عباده ، وجعله أفضل أهل زمانه ولم يهتدوا إلى سر يقع إلا إمام العلوم باب مدينة المعصوم ( ص ) وأعلى الله مقامه لديه . وحللنا نزرا يسيرا في " شق الجيب " فيما يتعلق بالمهدي ( ع ) وخروجه . أخرج يا إمام تعطل الإسلام ، إن الذي فرض عليك لرادك إلى معاد . إذا دار الزمان على حروف * ببسم الله فالمهدي قاما
ويخرج بالحطيم عقيب صوم * ألا فاقرأه من عندي السلاما

17سورة الجن 25
18إلزام الناصب ج2 ص198
19طه 165 ، 166
20المرسلات 10
21سورة النحل 15
22الكهف 47
23) المعارج : 9
24) كتاب الفتن ـ نعيم بن حماد ص 388
25) يشير بذلك الى قوله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا ان كثيرا من الاحبار و الرهبان لياكلون اموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله )
26607 كتاب الفتن لنعيم بن حماد ص 72 .
27كتاب الفتن لنعيم ص 57
28بحار الأنوار ج 52 ص250
29محمد 10
30الزلزلة 1 ـ 5
31مدينة المعاجز لهاشم البحراني ج2 ص 100
32الطرائف- السيد ابن طاووس الحسني ص 110 وكذلك المحتضر- حسن بن سليمان الحلي ص 96 :
33الثاقب في المناقب ص274
34مدينة المعاجز ـ هاشم البحراني ص 104
35كتاب سليم بن قيس الهلالي ص 271
36تفسير القمي ، علي بن ابراهيم ج 2 ص 405
37الرحمن 1،4
38القيامة 17 ـ 19
39سورة الإنسان 1 ، 2
40مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب ج 2 ص 298
41الانشقاق 6ـ 8
42النجم 56 ،59
43هود 72 ، 73
44الشعراء 84
45مريم 50
46الصف 61
47تفسير فرات الكوفي- فرات بن إبراهيم الكوفي ص 267 :
48سورة الحجر 9
49فاطر 32
50مختصر بصائر الدرجات ـ حسن بن سليمان الحلي
51بحار الأنوار ج 52 ص243
52الأعراف 167
53عن إلزام الناصب ج2 ص 160
54عن إلزام الناصب ص 160
55الأنبياء 13
56الكافي للكليني ج 8 ص 51
57المجادلة 18
58غيبة النعماني ص 371
59غيبة النعماني 194
60 مختصر بصائر الدرجات ص 189 ، وكذلك إلزام الناصب ج2 ص 265 باختلاف يسير،
61مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 238
62كتاب الفتن لنعيم بن حماد ج5 ص 262ـ 263
63عن الطبراني في التاريخ الكبير
64كتاب الفتن ـ نعيم بن حماد 287
65تاريخ اليعقوبي ـ اليعقوبي ج 2 ص 303
66كتاب الفتن ـ نعيم بن حماد 287
67سورة مريم 75
68الكهف 58
69) :هود 100
70( ) التفسير الصافي ـ الفيض الكاشاني ج 1 ص 29
71تفسير فرات الكوفي ص 138 ح 166
72إلزام الناصب ص 225
73ملاحم بن طاووس ص 97
74ملاحم ابن طاووس ص 160 .
75وسائل الشيعة للحر العاملي عن ( قرب الاسناد ) ص 40
76سورة الفجر 6 ـ 13
77سورة الروم 1 ـ 5
78التفسير الصافي ـ الفيض الكاشاني ج1 ص 29
79ـ البداية والنهاية ـ ابن كثير ج 2 ص 125
80تاريخ اليعقوبي ـ اليعقوبي ج1 ص146
81علل الشرائع
82أخبار الزمان للمسعودي ص 92 .
83مختصر بصائر الدرجات ص 10 ـ 11 .
84يونس 38 .
85فتح الباري لابن حجرج 8 ص 94
86كنز العمال ـ المتقي الهندي ج 2 ص 457
87تذكرة الفقهاء (ط.ق) - العلامة الحلي ج 1 ص 586
88الكافي ـ للكليني ج 5 ص 352
89الكافي ـ للكليني ج 7 ص 29
90فتح الباري ـ ابن حجر ج 6 ص 449
91تفسير ابن كثير ـ ابن كثير ج 4 ص 205
92شرح نهج البلاغة ـ ابن ابي الحديد ج 8 ص 23
93كمال الدين ج 2 ص 645
94سورة الجن 25
95البقرة 1
96إكمال الدين ص18
97اكمال الدين ص 340
98الكافي للكليني ج1 ص371
99الكافي للكليني ج 1/ 372
100الإمامة و التبصرة ص 120 ـ 121 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق